لم تعد آثار الحرب في السودان تُقاس فقط بعدد القتلى والنازحين أو بخريطة السيطرة العسكرية المتغيرة، بل باتت تظهر يوميًا على موائد الأسر وفي الأسواق ووسائل النقل والمستشفيات والمدارس. فمع استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يشهد الجنيه السوداني تراجعًا حادًا، فيما تواصل أسعار الغذاء والاحتياجات الأساسية ارتفاعها، لتجد ملايين الأسر نفسها أمام معركة أخرى لا تقل قسوة: كيف تؤمّن احتياجاتها اليومية؟
وفي الوقت الذي تتعمق فيه الأزمة الاقتصادية، تستمر الهجمات في مناطق الصراع. فقد اتهمت سلطات ولاية شمال كردفان، الأحد، قوات الدعم السريع باستهداف منشآت مدنية وتعليمية ورياضية في مدينة الأبيض بطائرات مسيّرة، في مشهد يعكس كيف تتداخل الضغوط الاقتصادية والإنسانية والعسكرية التي يعيشها السودانيون.
الجنيه يفقد قيمته.. والأسعار تلتهم الدخول
قبل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، كان الدولار الأمريكي يعادل نحو 600 جنيه سوداني. وبحلول 22 سبتمبر/أيلول 2026، وصل سعره لدى متعاملين في السوق السوداء إلى نحو 7,500 جنيه للدولار، مع اختلاف السعر بين المدن والمتعاملين.
أي أن قيمة الدولار مقابل الجنيه ارتفعت بأكثر من اثني عشر ضعفًا مقارنة بما قبل الحرب.
وتنعكس هذه الخسارة مباشرة على القوة الشرائية للسودانيين. فالراتب أو الدخل الذي كان يكفي أسرة قبل سنوات قليلة لم يعد قادرًا على شراء الكمية نفسها من الغذاء أو دفع تكاليف النقل والعلاج والتعليم.
وتقدم عائشة، وهي شابة تبلغ من العمر 27 عامًا وتبيع الشاي والقهوة في بورتسودان لإعالة والديها وإخوتها الأربعة، نموذجًا لهذه الأزمة.
قبل الحرب، كانت تبيع كوب القهوة بألف جنيه وتحقق نحو 30 ألف جنيه يوميًا، وهو دخل تقول إنه كان يكفي لتغطية احتياجات أسرتها.
اليوم تبيع القهوة بثلاثة آلاف جنيه والشاي بـ1,500 جنيه، ويتراوح دخلها اليومي بين 70 و100 ألف جنيه. ظاهريًا، تضاعف دخلها، لكن ما تستطيع شراءه بهذا المال تراجع بشدة.
فالخمسة أرغفة التي كانت تشتريها بألف جنيه أصبحت ثلاثة فقط، وارتفع سعر كيلوغرام السكر من أربعة آلاف إلى سبعة آلاف جنيه، بينما تضاعفت تكلفة انتقالها اليومية إلى مكان عملها أربع مرات.
أما اللحوم، فقد تحولت بالنسبة إلى كثير من الأسر إلى سلعة بعيدة المنال؛ إذ وصل سعر كيلوغرام لحم البقر إلى نحو 68 ألف جنيه، بينما يبلغ سعر كيلوغرام العدس، الذي يمثل بديلًا أقل تكلفة، نحو 16 ألف جنيه.
التضخم يتباطأ.. لكن الأسعار لا تنخفض

وتكشف بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان جانبًا آخر من الصورة.
فقد بلغ معدل التضخم السنوي أكثر من 41% في يوليو/تموز، بعد أن كان نحو 51% في يونيو/حزيران.
لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار.
فمؤشر أسعار المستهلك ارتفع بنحو 1.5% بين يونيو ويوليو، أي إن الأسعار استمرت في الصعود، ولكن بوتيرة سنوية أبطأ.
وهذا الفارق مهم بالنسبة إلى الأسر السودانية؛ فالأرقام قد تشير إلى «تباطؤ التضخم»، بينما يذهب المواطن إلى السوق ليجد أن احتياجاته لا تزال تصبح أكثر تكلفة.
اقتصاد خسر أكثر من 40% من حجمه
الحرب لم تضرب العملة وحدها.
يقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن السودان خسر نحو 6.4 مليارات دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، وأن الاقتصاد انكمش بأكثر من 40% خلال سنوات الحرب، بينما أُغلق نحو ثلث الشركات.
وتسببت الحرب في تعطيل الإنتاج والتجارة والصادرات، وضرب أجزاء من النظام المصرفي وتقليص إيرادات الدولة، في الوقت الذي ازدادت فيه حاجة الأفراد والشركات إلى العملات الأجنبية.
ومع انخفاض تدفقات العملات الأجنبية وزيادة الطلب عليها، أصبح الحصول على الدولار أكثر تكلفة، الأمر الذي دفع الجنيه إلى مزيد من التراجع وانعكس بدوره على أسعار السلع المستوردة وحتى المنتجات المحلية المرتبطة تكاليف إنتاجها بالنقل والوقود والمدخلات المستوردة.
الذهب والتهريب والحرب الاقتصادية
ويرى المحلل الاقتصادي محيي الدين محمد أن تراجع الجنيه مرتبط بمجموعة من العوامل، أبرزها تعطيل الحرب للقطاعات الإنتاجية، إلى جانب ما وصفه بـ«الحرب الاقتصادية»، بما في ذلك اتهامات لقوات الدعم السريع بنهب وتهريب موارد مثل الذهب والصمغ العربي.
ويطرح محمد مسارين لمواجهة الأزمة: إجراءات عاجلة، وإصلاحات طويلة المدى.
على المدى القصير، يدعو إلى زيادة إنتاج الغذاء محليًا، ودعم القطاعات القادرة على دفع النمو الاقتصادي، وتحسين تحصيل الإيرادات الضريبية، ووضع سياسات أكثر وضوحًا لإدخال عائدات الذهب إلى القنوات الرسمية بما يوفر العملات الأجنبية.
أما على المدى البعيد، فيرى ضرورة إجراء إصلاحات هيكلية تدعم المنتجين، ولا سيما في الزراعة والثروة الحيوانية، مع إصلاح قطاع الذهب والحد من الاعتماد على التعدين غير المنظم، وتوسيع التعدين الخاضع للرقابة والشراكات مع القطاع الخاص.
كما يدعو إلى خفض تكاليف الإنتاج الزراعي، خصوصًا أسعار الأسمدة والمبيدات والمدخلات الأخرى، وتقليل الاعتماد على استيراد سلع مثل الدقيق والأدوية، إلى جانب توسيع إنتاج الصمغ العربي والمنتجات الغابية لزيادة عائدات الصادرات.
أسر تقلل وجباتها وتؤجل العلاج
لكن خلف الأرقام الاقتصادية توجد تحولات اجتماعية أكثر قسوة.
تقول الباحثة الاقتصادية والعاملة في مجال الإغاثة مريم إبراهيم إن أهم أثر لانهيار العملة هو تآكل القوة الشرائية للأسر، إذ لم تعد الرواتب والمدخرات قادرة على مواكبة الأسعار.
وبحسبها، لجأت أسر إلى تقليل عدد الوجبات، وتأجيل العلاج، وإخراج أطفالها من المدارس، والاستدانة للحصول على المال أو السلع الأساسية.
وتأتي هذه الضغوط في بلد يعاني أصلًا من مستويات شديدة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
ويقدر البنك الدولي أن نسبة الفقر المدقع ارتفعت من 48% عام 2023 إلى 59% عام 2025.
وفي الفترة بين فبراير/شباط ومايو/أيار، واجه نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41% من سكان السودان، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقييم التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
ومن بينهم أكثر من خمسة ملايين شخص واجهوا نقصًا شديدًا ومهددًا للحياة في الغذاء، بينما كان 135 ألف شخص معرضين لخطر المجاعة.
الحرب تلاحق المدنيين في الأبيض
وبينما تكافح الأسر آثار انهيار الاقتصاد، لا تزال الحرب نفسها تفرض مخاطر مباشرة على المدنيين.
فقد اتهمت حكومة ولاية شمال كردفان قوات الدعم السريع بشن هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت مدنية في مدينة الأبيض، عاصمة الولاية.
وقالت السلطات إن المواقع المستهدفة شملت المدينة الرياضية وكلية شيكان الجامعية الخاصة، معتبرة أن استهداف المنشآت المدنية والتعليمية والرياضية يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
ولم تذكر السلطات وقوع ضحايا أو أضرار مادية جراء هذه الهجمات، كما لم يصدر تعليق فوري من قوات الدعم السريع على الاتهامات.
وتكتسب هجمات المسيّرات أهمية متزايدة في مسار الحرب السودانية. وكانت الأمم المتحدة قد قالت إن نحو 1,100 مدني قُتلوا في هجمات بطائرات مسيّرة بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026.
وتشهد ولايات كردفان الثلاث، شمال وغرب وجنوب كردفان، مواجهات بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما جعل المنطقة واحدة من ساحات الحرب الرئيسية.
حرب تتجاوز خطوط الجبهات
منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، قُتل عشرات الآلاف ونزح نحو 13 مليون شخص، وفق تقديرات أممية ودولية.
لكن الأثر الحقيقي للحرب يتجاوز خطوط المواجهة.
فحين ينهار سعر العملة، ترتفع كلفة استيراد الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج. وحين تتراجع الزراعة والتجارة والصادرات، تقل العملات الأجنبية وتتعرض العملة المحلية لمزيد من الضغط. وحين ترتفع الأسعار أسرع من الأجور، تبدأ الأسر بالتخلي تدريجيًا عن احتياجات كانت أساسية: اللحوم أولًا، ثم عدد الوجبات، ثم العلاج، وربما تعليم الأطفال.
وهكذا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى أزمة تمس كل تفاصيل الحياة اليومية.
وتؤكد مريم إبراهيم أن المساعدات النقدية التي تقدمها المنظمات الإنسانية تستطيع منح الأسر مساحة لاختيار أولوياتها، سواء الغذاء أو الدواء أو النقل، لكن قيمتها تحتاج إلى تعديل مستمر لمواكبة الأسعار المتغيرة.
كما ترى أن المساعدات الطارئة يجب ألا تبقى منفصلة عن دعم مصادر الرزق والزراعة والمشروعات الصغيرة وإعادة الخدمات المصرفية والعامة.
فـ«المساعدات الإنسانية وحدها لا تستطيع حل الأزمة الاقتصادية في السودان».
وبالنسبة إلى ملايين السودانيين، لم تعد الأزمة سؤالًا اقتصاديًا عن سعر الدولار أو نسبة التضخم، بل سؤالًا أكثر بساطة وقسوة: ماذا تستطيع الأسرة شراءه اليوم، وما الذي ستضطر إلى الاستغناء عنه غدًا إذا استمرت الحرب وانخفض الجنيه أكثر؟






اترك تعليقاً