في مشهد يعكس حجم التحولات التي فرضتها الحرب على قطاع غزة، لم يعد المزارعون الفلسطينيون يتوجهون إلى حقولهم التي كانت تمتد على أطراف المدن والبلدات، بل باتوا يزرعون رقعًا صغيرة من التراب بجوار خيام النزوح، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من الغذاء لأسرهم بعد أن فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة في 7 ربيع الآخر 1445هـ الموافق 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023م، تعرض القطاع الزراعي لدمار واسع، أدى إلى انهيار الإنتاج المحلي وارتفاع الاعتماد على المساعدات الإنسانية، وسط تحذيرات أممية من أن استهداف البنية الزراعية ساهم في تعميق أزمة الأمن الغذائي التي يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني.
من بساتين العنب إلى أرض قاحلة
يستعيد المزارع الفلسطيني أبو فارس، وهو يتصفح صورًا قديمة محفوظة في هاتفه، ملامح حي الشيخ عجلين غرب مدينة غزة، حيث كانت كروم العنب وأشجار التين والمحاصيل الموسمية تملأ المكان وتوفر مصدر رزق لمئات العائلات.
لكن المشهد تبدل بصورة جذرية بعدما تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لعمليات تجريف وتدمير خلال الحرب، لتتحول مناطق كانت تُعد من أهم الرقع الزراعية في القطاع إلى أراضٍ خالية من مظاهر الحياة الزراعية.
ولم تقتصر خسائر المزارعين على فقدان الأراضي، بل امتدت إلى فقدان المنازل ومصادر الدخل، في وقت يفرض فيه الحصار المستمر قيودًا على دخول البذور والأسمدة ومستلزمات الري، الأمر الذي جعل استئناف النشاط الزراعي شبه مستحيل في كثير من المناطق.
حدائق صغيرة حول الخيام
أمام هذا الواقع، لجأت عائلات نازحة إلى استغلال المساحات الترابية المحيطة بخيامها لزراعة محاصيل بسيطة، مثل الطماطم والباذنجان والفلفل والملوخية، بهدف توفير جزء من احتياجاتها الغذائية وتقليل الاعتماد على الأسواق التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار.
ويقول مزارعون إن هذه المبادرات، رغم محدودية إنتاجها، أصبحت وسيلة للبقاء في ظل نقص الغذاء، كما أنها تمثل محاولة للحفاظ على ارتباطهم بالأرض بعد أن فقدوا مزارعهم الأصلية.
انهيار القطاع الزراعي
وبحسب وزارة الزراعة في غزة، تراجعت المساحات المزروعة إلى أقل من 15% من قدرتها الإنتاجية المعتادة، نتيجة تدمير شبكات الري والآبار الزراعية، ونقص مستلزمات الإنتاج، واستمرار المخاطر الأمنية التي تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
كما أصبحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ضمن مناطق يصعب الوصول إليها بسبب العمليات العسكرية، ما جعل العودة إلى الحقول بالنسبة لكثير من المزارعين مخاطرة قد تهدد حياتهم.
“استراتيجية لتجفيف مصادر الحياة”
ويرى خبراء في الأمن الغذائي أن ما أصاب القطاع الزراعي لا يمكن اعتباره مجرد أثر جانبي للحرب، بل يمثل استهدافًا مباشرًا لمنظومة إنتاج الغذاء في غزة.
وأوضح فضل الزعبي، المستشار الإقليمي للسياسات الغذائية في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، أن تدمير الآبار وشبكات الري والمخازن الزراعية والأشجار المعمرة أدى إلى تقويض قدرة السكان على إنتاج غذائهم، وزاد من اعتمادهم على المساعدات الإنسانية، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع يهدد بترسيخ حالة من الاعتماد الغذائي طويل الأمد.
أرقام تكشف حجم الدمار
تشير بيانات صادرة عن مؤسسات أممية وجهات محلية إلى أن القطاع الزراعي في غزة تعرض لخسائر غير مسبوقة منذ بدء الحرب.
فقد أظهرت تقييمات مشتركة لـمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) أن أقل من 5% من الأراضي الزراعية بقيت صالحة للزراعة بحلول منتصف عام 2025، بينما أكدت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لاحقًا أن معظم الأراضي الزراعية أصبحت إما مدمرة أو غير قابلة للوصول.
كما أفاد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأن أكثر من 94% من إجمالي الأراضي الزراعية في القطاع، البالغة نحو 178 ألف دونم، تعرضت للتدمير، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي السنوي من نحو 405 آلاف طن إلى 28 ألف طن فقط.
وامتدت الأضرار إلى اقتلاع ما يصل إلى 4 ملايين شجرة مثمرة، بينها 1.6 مليون شجرة زيتون، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بنحو 87% من الآبار الزراعية و85% من البيوت البلاستيكية، فيما قُدرت الخسائر المباشرة في القطاعين الزراعي والحيواني بنحو 2.8 مليار دولار.
تحديات إعادة الإعمار
وتؤكد منظمات دولية أن إعادة إحياء القطاع الزراعي تتطلب استثمارات كبيرة لتوفير البذور والأعلاف ومعدات الري وإعادة تأهيل الأراضي، إلا أن التمويل المتاح لا يزال محدودًا مقارنة بحجم الاحتياجات.
ورغم هذه الظروف، يواصل كثير من المزارعين محاولاتهم لزراعة ما يستطيعون من محاصيل حول أماكن نزوحهم، في مسعى للحفاظ على ما تبقى من مصدر رزقهم، ولتأمين الغذاء لأسرهم في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية.






اترك تعليقاً