بعد تسع سنوات من موجة النزوح الكبرى التي دفعت مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا إلى الفرار من ميانمار، عاد ملف إعادتهم إلى الواجهة بقوة خلال أغسطس/آب 2026. لكن التطورات الأخيرة تكشف تناقضًا واضحًا بين التحركات السياسية لإعادة اللاجئين وبين الواقع الأمني والحقوقي في ولاية أراكان، حيث ما تزال الظروف بعيدة عن توفير عودة آمنة ومستدامة.
ويعيش حاليًا نحو 1.2 مليون من الروهينجا في بنغلاديش، معظمهم داخل عشرات المخيمات المكتظة في كوكس بازار، بينما أدى تجدد الحرب في أراكان منذ أواخر 2023 إلى موجة نزوح جديدة. وتقدر منظمة هيومن رايتس ووتش أن نحو 150 ألف روهينجي إضافي فروا إلى بنغلاديش منذ منتصف 2024.
تحرك ماليزي فعلي لإعادة لاجئين إلى ميانمار
أبرز التطورات الأخيرة جاء من ماليزيا، التي أعلنت في 27 أغسطس/آب تحديد 29 سبتمبر/أيلول 2026 موعدًا لبدء المرحلة الأولى من برنامج لإعادة مواطنين من ميانمار.
وقالت وزارة الداخلية الماليزية إن الدفعة الأولى ستضم 1,476 شخصًا حددتهم حكومة ميانمار، ضمن برنامج أوسع لإعادة 5 آلاف شخص على مراحل. وستُستخدم في عملية النقل سفينتان حربيتان وسفينة مستشفى تابعة لبحرية ميانمار.
وكان رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم قد أعلن سابقًا أن ميانمار وافقت على استعادة 5 آلاف من الروهينجا الموجودين في ماليزيا.
لكن ثمة تفصيل مهم: البيان الخاص بالدفعة الأولى وصف الأشخاص الـ1,476 بأنهم «مواطنون من ميانمار» ولم يؤكد أنهم جميعًا من الروهينجا؛ ولذلك ينبغي تجنب وصف كامل الدفعة بأنها من الروهينجا إلى أن تتضح هوياتهم.
وتتزامن العملية مع توجه ماليزيا إلى إنشاء نظام حكومي جديد لتسجيل اللاجئين، يمنح السلطات وصولًا مباشرًا إلى بيانات التسجيل والمعلومات البيومترية، في وقت حذرت فيه جهات حقوقية من مخاطر تتعلق بالحماية والخصوصية في غياب إطار قانوني شامل للاجئين. ويوجد في ماليزيا أكثر من 215 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجل، غالبيتهم من ميانمار، وبينهم أكثر من 120 ألف من الروهينجا.
ميانمار تعترف بأكثر من 300 ألف باعتبارهم من سكان أراكان السابقين
وجاء التحرك الماليزي بعد تطور آخر مهم في ملف العودة؛ إذ أعلنت حكومة ميانمار المدعومة من الجيش أنها تحققت من بيانات مئات الآلاف من اللاجئين الموجودين في بنغلاديش.
ووفق البيانات المعلنة، راجعت ميانمار أسماء 426,545 شخصًا من أصل قائمة تضم 828,824 اسمًا قدمتها بنغلاديش، واعتبرت 308,797 منهم من السكان السابقين لولاية أراكان، معلنة استعدادها لاستقبالهم عندما تتحسن الظروف الأمنية.
لكن الاعتراف بهم كسكان سابقين لا يحل جوهر الأزمة؛ إذ لا تزال سلطات ميانمار ترفض الاعتراف بالروهينجا كإحدى القوميات الرسمية في البلاد، وتستخدم وصف «البنغاليين» بحقهم.
كما يتمسك اللاجئون أنفسهم بشروط أساسية قبل العودة، في مقدمتها الاعتراف بهويتهم الروهينجية، ومنحهم الجنسية، وضمان أمنهم واستعادة ممتلكاتهم وتحقيق العدالة عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
أراكان لا تزال غير آمنة للعودة
المشكلة الأكبر أن المنطقة التي يفترض أن يعود إليها اللاجئون لا تزال تشهد حربًا وانتهاكات خطيرة.
فقد أصبحت أجزاء واسعة من أراكان تحت سيطرة جيش أراكان بعد المعارك مع جيش ميانمار، بينما أكد بيان مشترك أصدرته بعثات 15 دولة والاتحاد الأوروبي في 25 أغسطس أن تصاعد القتال والغارات الجوية على المنشآت المدنية والقيود المفروضة على المساعدات والتجارة يزيد الاحتياجات الإنسانية ويدفع إلى مزيد من النزوح.
وخلص البيان إلى أن الظروف الحالية لا تسمح بعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة للروهينجا.
إضافة إلى أن تقريرًا حديثًا لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رصد الانتهاكات وعمليات قتل وتعذيب واعتقال تعسفي وعمل قسري وتجنيد قسري وتهجير.
عشرات الآلاف يطالبون بالعودة.. لكن ليس بأي ثمن
وفي الذكرى التاسعة لموجة النزوح الكبرى، خرج عشرات الآلاف من الروهينجا يوم 25 أغسطس في تجمعات داخل مخيمات كوكس بازار للمطالبة بعودتهم إلى وطنهم.
لكن رسالتهم لم تكن رفض العودة، بل المطالبة بتهيئة الظروف التي تجعل العودة ممكنة وآمنة.
وقال أحد قادة اللاجئين إنهم لا يستطيعون البقاء في المخيمات لخمسين عامًا أخرى، لكنه تساءل في الوقت نفسه عن كيفية العودة في ظل استمرار الصراع بين جيش ميانمار وجيش أراكان.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ فالجدل لا يدور بين «العودة» و«البقاء» فقط، وإنما حول طبيعة العودة وضماناتها، في ظل خشية اللاجئين من أن تؤدي إعادتهم دون حقوق المواطنة والحماية إلى إعادة إنتاج الظروف التي أدت إلى نزوحهم أصلًا.
العنف المسلح يصل إلى داخل المخيمات
وفي الوقت الذي تظل فيه أراكان غير آمنة، لا توفر المخيمات في بنغلاديش بدورها بيئة مستقرة.
ففي مساء 27 أغسطس/آب، اندلعت مواجهة مسلحة استمرت قرابة ساعتين في القطاعين B-40 وB-41 من المخيم 8 شرق في أوخيا.
وأصيب طفل روهينجي يبلغ ست سنوات، يدعى محمد يوسف، برصاصة في الرأس، كما أصيبت والدته طاهرة بيغوم برصاصة في البطن.
وأعلنت الشرطة في البداية وفاة الطفل أثناء نقله للعلاج، وانتقلت هذه المعلومة إلى بعض وسائل الإعلام، لكن المسؤول الأمني نفسه صحح المعلومة لاحقًا وأكد أن الطفل لا يزال حيًا ويتلقى العلاج مع والدته في مستشفى كلية تشاتوجرام الطبية.
وكشفت التحقيقات تفاصيل أكثر خطورة عن الحادث؛ إذ شاركت في المواجهة أربع مجموعات مسلحة: منظمة تضامن الروهينجا (RSO) وجيش روهينجا أراكان (ARA) في جانب، وجيش إنقاذ روهينجا أراكان (ARSA) ومجموعة نبي حسين في الجانب الآخر.
وقالت الشرطة إن المواجهة ارتبطت بمحاولة السيطرة على الجزء الشرقي من المخيم، قبل أن تتدخل قوات الأمن وتعيد السيطرة على الوضع.
ويأتي ذلك ضمن أزمة أمنية أوسع في المخيمات، بالتزامن مع تراجع المساعدات الدولية.
جيل كامل يولد ويكبر داخل المخيمات
وفي تطور آخر نشر في 29 أغسطس/آب، كشفت بيانات حديثة عن حجم التحدي التعليمي الذي يواجه الجيل الجديد من الروهينجا.
فقد توسعت مرافق التعليم في المخيمات، كما ساعد إدراج أبجدية الهانيفي الروهينجية في نظام Unicode منذ 2018 على استخدام اللغة الروهينجية في المنصات الرقمية، وأفاد مجلس التعليم الوطني للروهينجا بأن أكثر من 300 ألف شخص من مختلف الأعمار أكملوا دورات لغوية منذ 2017.
لكن هذه التطورات تأتي وسط واقع أشد قسوة: المخيمات لم تعد مجرد مكان مؤقت لجيل فرّ من ميانمار، بل أصبحت المكان الذي يولد ويكبر فيه جيل جديد، في ظل غياب أي أفق واضح لإنهاء أزمة النزوح.
أزمة التمويل تضيق الخناق
وتواجه الاستجابة الإنسانية أزمة تمويل متزايدة. فقد طلبت الأمم المتحدة وشركاؤها 710.5 ملايين دولار لخطة الاستجابة لعام 2026 لتغطية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للاجئين والمجتمعات البنغلاديشية المضيفة.
واللافت أن قيمة النداء نفسها خُفضت بنسبة 26% مقارنة بعام 2025 نتيجة شح التمويل، رغم تزايد عدد المحتاجين. وتستهدف الخطة نحو 1.56 مليون شخص، بينهم اللاجئون والمجتمعات المضيفة.
وتلوح ضغوط إضافية في الأفق؛ إذ كشفت رويترز في 28 أغسطس/آب أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تخطط لخفض ميزانيتها لعام 2027 بنسبة 16%، فيما ستكون منطقة آسيا والمحيط الهادئ من أكثر المناطق تضررًا بخفض يبلغ نحو 22%.
وأشار التقرير تحديدًا إلى أن نحو 1.2 مليون روهينجي في بنغلاديش يواجهون أصلًا أوضاعًا متدهورة، ما يثير مخاوف من انعكاس الأزمة المالية العالمية للمفوضية على قدرتها على الاستمرار في تقديم الحماية والمساعدة.
بين وطن خطير ومخيمات بلا مستقبل
بعد تسع سنوات، تبدو أزمة الروهينجا وكأنها تدور في دائرة مغلقة: اللاجئون يريدون العودة، وبنغلاديش تريد إنهاء أزمة المخيمات، وميانمار تتحدث مجددًا عن استقبال بعضهم، وماليزيا تستعد بالفعل لبدء برنامج إعادة؛ لكن العنصر الأهم لا يزال غائبًا: وطن يستطيع الروهينجا العودة إليه بأمان وحقوق كاملة.
ففي أراكان، ما تزال الحرب مستمرة والانتهاكات بحق الروهينجا موثقة. وفي بنغلاديش، أصبحت المخيمات نفسها مسرحًا للعنف المسلح والتجنيد والاختطاف، بينما تتقلص الموارد الدولية اللازمة لإطعام وتعليم وحماية أكثر من مليون لاجئ.
ولهذا فإن الإعادة وحدها ليست حلًا إذا لم تقترن بضمان الجنسية والهوية والأمن وحرية الحركة واستعادة الممتلكات والمساءلة عن الجرائم.
وبينما تبدأ أولى التحركات العملية الجديدة للإعادة، يبقى السؤال الذي رافق الروهينجا طوال السنوات التسع الماضية دون إجابة: متى تصبح العودة إلى أراكان عودة إلى وطن، لا عودة إلى دائرة جديدة من الاضطهاد والنزوح؟






اترك تعليقاً