إن ما مر به المسلمون في هذا العصر من حروب وفتن واحتلالات ومواجهات وابتلاءات شديدة لا ينبغي أن ينظر إليه من زاوية الخسائر والآلام وحدها؛ فالمؤمن ينظر إلى أقدار الله بعين الإيمان بحكمته، ويعلم أن وراء ما يقدره سبحانه من الابتلاء آثارا وحكما قد لا تظهر في بدايتها، وإنما تنكشف مع مرور الزمن.
قال الله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1-3]
فالفتنة سنة من سنن الله في عباده، وبها يظهر الصادق من الكاذب، ويتميز الثابت من المتلون، وتنكشف حقيقة الإيمان حين ينتقل المسلم من الكلام إلى الامتحان.
وهذا التمحيص لا يقتصر أثره على معرفة صدق الأشخاص، بل قد يكشف للمسلمين أهل الحق من أهل الباطل، وصاحب الحق من المنحرف، والثابت على دينه ممن تغيرت مواقفه تحت ضغط الفتنة.
قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ﴾
[آل عمران: 179]
وقال سبحانه: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141]
فالتمحيص إذًا ليس مجرد نزول البلاء، وإنما هو أيضا تمييز وتنقية وكشف. وفي أوقات الشدة تظهر حقائق كانت مستورة في أوقات الرخاء، فيعرف المسلمون من يثبت على الحق حين تشتد الكلفة، ومن ينحرف حين تتغير الظروف، ومن يقدم دينه ومبدئه على مصلحته، ومن يجعل المصلحة ميزانا لموقفه.
ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]
فهنا يجتمع الابتلاء والجهاد والصبر، ويظهر بالامتحان ما في المسلمين من ثبات وقوة وصبر.
وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
[آل عمران: 142]
وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 16]
وهكذا تمضي سنة التمحيص: ابتلاء يكشف، وكشف يميز، وتمييز يعرف به المسلمون حقيقة الرجال والمواقف والاتجاهات.
المحنة تكشف الحقائق التي لا تظهر في الرخاء
وقد يظن المسلم أن معرفة الحق والباطل أمر يسير في الظروف العادية، لكن الفتن تكشف من الحقائق ما لا يظهر في غيرها.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ ۚ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 30]
وفي سياق الابتلاءات قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]
فقد تبلغ الشدة بالمسلمين مبلغا عظيما، حتى يتساءل أهل الإيمان عن وقت النصر، ثم يأتي الجواب: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وهذا يعلم المسلمين أن شدة الطريق لا تعني ضياع الحق، وأن طول الابتلاء لا يعني أن ما عليه أهل الحق باطل.
من البلاء تنشأ الخبرة
ثم إن هذه التجارب المتتابعة لا تمر بالمسلمين دون أن تترك فيهم معرفة جديدة.
فالحرب التي يعيشها المسلمون في الواقع ليست كالحرب التي يقرأون عنها في الكتب. والتجربة الميدانية تعلم ما لا يمكن اكتسابه بالنظر المجرد؛ لأنها تضع الإنسان أمام الخوف، والضغط، ونقص الإمكانات، وتغير الظروف، وطول المواجهة، والخسارة، والصمود، والنجاح والإخفاق.
ومن هنا تنشأ خبرة تراكمية حقيقية.
فالمسلمون الذين مرت عليهم خلال عقود طويلة تجارب متعددة من الحروب والمواجهات ليسوا كمن لم يعرفوا الحرب إلا من خلال الكتب. لقد تعلمت أجيال منهم من الواقع، واختبرت الظروف الصعبة، ورأت نتائج القرارات، وعرفت مواطن الضعف والقوة، وعاشت ظروفا لا يمكن أن توفرها التدريبات النظرية وحدها.
وهذه الخبرة لا تعني أن كل تجربة كانت ناجحة، بل حتى الأخطاء والخسائر قد تتحول إلى معرفة نافعة إذا حفظ المسلمون دروسها ولم يكرروها.
وهنا تظهر قيمة التراكم: فالجيل الذي يمر بالتجربة لا يبدأ من الصفر، والجيل الذي يأتي بعده يستطيع أن يبدأ من حيث انتهى من قبله.
الابتلاء يصنع الصبر
ولا يقتصر أثر الحروب والمحن على الخبرة العملية، بل تربي في المسلمين الصبر والتحمل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157]
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]
فالصبر ليس أمرا هامشيا في مسيرة المسلمين، وإنما هو من أعظم ما يحتاجون إليه عند الشدة.
وقال النبي ﷺ: «عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له». رواه مسلم (2999).
فالمحنة عند المؤمن ليست مجرد ألم ينتهي بانتهائها؛ فإذا صبر واحتسب تحولت مصيبته إلى أجر، وقد يتحول ما تعلمه منها إلى خبرة تنفعه وتنفع المسلمين من بعده.
كل ألم يصيب المسلم لا يذهب هباء
قال رسول الله ﷺ: «ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه.». متفق عليه، أخرجه البخاري (5642) واللفظ له، ومسلم (2573)
فإذا كانت الشوكة التي تصيب المسلم يكفر الله بها من خطاياه، فكيف بما يتحمله المسلم من خوف ومشقة وفقد وبلاء شديد إذا صبر واحتسب؟
إن المؤمن لا يرى ما يتحمله لله ضائعا؛ فما من ألم إلا وله حساب عند الله، وما من صبر إلا وهو محفوظ.
وكلما اشتد الدين كان الابتلاء أعظم
قال النبي ﷺ: «أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ ، يُبتلى الناسُ على قدْرِ دينِهم ، فمن ثَخُنَ دينُه اشْتدَّ بلاؤُه ، و من ضعُف دينُه ضَعُف بلاؤه ، و إنَّ الرجلَ لَيُصيبُه البلاءُ حتى يمشيَ في الناسِ ما عليه خطيئةٌ». أخرجه ابن ماجه (4024)، والطبري في ((مسند ابن عباس)) (421).
وهذا يبين أن شدة البلاء لا تعني بالضرورة أن صاحبه متروك أو مهان، بل قد يكون البلاء من أسباب رفعة المؤمن وتطهيره وتمحيصه.
المسلم القوي يتعلم من التجربة
ومن السنة كذلك أن القوة المطلوبة ليست قوة الجسد وحدها، وإنما قوة الإيمان والعزيمة والإرادة والعمل.
قال النبي ﷺ: «المُؤمِنُ القَويُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ. احرِصْ على ما يَنفَعُكَ، واستَعِنْ باللهِ ولا تَعجِزْ...». رواه مسلم (2664).
فالقوة لا تنشأ من الأمنيات، وإنما تحتاج إلى سعي، والاستفادة من التجارب، ومعرفة مواطن الخطأ والصواب، وعدم تكرار الأخطاء.
ومن هنا فإن تراكم التجارب لدى المسلمين يمكن أن يكون ـ إذا أحسنوا حفظه والاستفادة منه ـ سببا في ازدياد قدرتهم على مواجهة ما يستقبلون من تحديات.
المسلمون لا يتهيؤون فجأة
وهنا تظهر إحدى أهم النتائج التي يمكن استخلاصها من هذه المرحلة.
فالأمة لا تنتقل فجأة من حال إلى حال، ولا تصبح صاحبة خبرة واسعة في لحظة واحدة. وإنما تتراكم الخبرة عبر السنين، وتتراكم معها المعرفة، والصبر، والقدرة على تقدير الأخطار، ومعرفة الخصوم، وفهم الواقع.
وقد يمر المسلمون اليوم بتجارب وحروب لا يدركون جميع آثارها الآن، ثم تأتي أجيال بعدهم فتجد أن كثيرا مما تعلمه السابقون أصبح أساسا لما بعده.
ولهذا يمكن أن تكون بعض المحن ـ من جهة آثارها البعيدة ـ تهيئة للمسلمين لما بعد البلاء.
ولا يعني هذا أننا نجزم بأن حربا معينة وقعت تحديدا لكي يتدرب المسلمون على حرب مستقبلية معينة؛ فهذا من الغيب الذي لا نعلمه. وإنما نقول إن الله سبحانه قد يجعل في الابتلاء من التربية والتمحيص والخبرة والصبر والتهيئة ما ينفع المسلمين في مستقبلهم.
وقد يكون في البلاء إعداد لا يظهر إلا بعد زمن
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]
فهداية السبيل قد تكون من آثار المجاهدة في سبيل الله، ومن صورها أن يتعلم المسلم من تجربته، ويعرف ما ينفعه، ويعرف مواطن الخلل، ويزداد بصيرة بالطريق.
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
فهذه النصوص تجمع بين الثبات وعدم الوهن وبين الإيمان والعمل والنصرة.
التمحيص قد يحفظ الأمة من أخطاء الماضي
ومن أعظم فوائد التجارب أن المسلم لا يبقى أسير الخطأ نفسه إذا وعى ما جرى.
فقد تكشف المحنة للمسلمين أمورا لم يكونوا يرونها قبلها، وتكشف لهم مواطن الضعف في أنفسهم، وتبين لهم حقيقة بعض المواقف، وتعلمهم أن بعض التصورات التي ظنوها صحيحة لم تكن كذلك.
ومن هنا فإن التجربة قد تصبح مدرسة للأجيال.
وكلما حفظ المسلمون تجاربهم بصدق، ودرسوا أسباب النجاح والإخفاق، ونقلوا المعرفة إلى من بعدهم، أصبحت الخبرة تراكمية بدلا من أن تبدأ مع كل جيل من جديد.
وهذه إحدى أهم صور الاستفادة من البلاء: ألا يضيع الثمن الذي دفعه المسلمون دون أن يتحول إلى معرفة.
البلاء لا يعني أن الشر هو المقصود لذاته
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين:
ليس معنى أن في البلاء خيرا أن الشر والألم محبوبان لذاتهما، ولا أن قتل المسلمين وفقدهم وخراب ديارهم أمر حسن في نفسه؛ وإنما المقصود أن الله سبحانه قد يجعل في الابتلاء الشديد من العواقب والآثار ما يكون خيرا للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]
وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]
فقد يكون اليسر مصاحبا للعسر، وإن لم يظهر للمؤمن في اللحظة نفسها.
الأجر أعظم من أن يحاط به
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
وهذه من أعظم ما ينبغي أن يستحضره المسلم حين ينظر إلى المحن.
فقد يخسر المسلم في الدنيا مالا، أو راحة، أو وقتا، أو أمنا، وقد يتحمل خوفا ومشقة شديدة، لكن شيئا من ذلك لا يضيع عند الله إذا صبر واحتسب.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ﴾ [الطلاق: 2-3]
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153]
والخبرة المتراكمة قد تكون زادا لما بعد المحنة
ومن هنا يمكن النظر إلى ما مر به المسلمون في هذا العصر نظرة أوسع من مجرد الأحداث المتفرقة.
لقد مرت أجيال من المسلمين بتجارب شديدة، وعاشت حروبا ومواجهات مختلفة، واختبرت صورا متعددة من الصراع، وعرفت معنى الخوف والحصار والصبر والصمود، ورأت أخطاء ونجاحات، وانكشفت لها مواقف وأشخاص واتجاهات لم تكن حقيقتها ظاهرة قبل الفتن.
فخرج من ذلك كله رصيد متراكم من التجربة.
وهذا الرصيد إذا حفظته الأمة، ونقلته إلى أبنائها، واستفادت من أخطائه وصوابه، فإنه يصبح جزءا من قدرتها على التعامل مع المستقبل.
وليس المقصود أن المسلمين سيصبحون أقوياء لمجرد أنهم عانوا، فالابتلاء وحده لا يصنع القوة تلقائيا، وإنما القوة تنشأ حين نتوكل على الله وتُستثمر التجربة، ويُحفظ الدرس، ويُعرف الخطأ، وتُبنى عليه معرفة جديدة.
وهنا تتحول المحنة من مجرد حدث وقع في الماضي إلى خبرة حاضرة تستفيد منها الأجيال القادمة.
ختامًا
إن من أعظم ما يمكن أن يراه المسلم في مسيرة الابتلاء أن الله سبحانه لا يجعل المحن دائما بلا آثار باقية.
فقد يكون من آثارها تمحيص المسلمين، وتمييز أهل الحق من أهل الباطل، ومعرفة صاحب الحق من المنحرف، وكشف المواقف والصفوف، وتربية الصبر، وزيادة البصيرة، وتراكم الخبرة والتجربة.
وقد لا يدرك المسلمون اليوم جميع ما تتركه هذه المرحلة في مستقبلهم، لكن السنن الإلهية تعلمنا أن التجارب لا تذهب كلها سدى، وأن ما يمر به المؤمن من البلاء إذا صبر واحتسب لا يضيع أجره.
وهكذا قد تأتي أجيال من المسلمين بعد هذه المرحلة فتجد بين أيديها رصيدا لم تصنعه في يوم واحد: خبرة متراكمة، وصبرا متوارثا، ومعرفة بالواقع، وبصيرة بالمواقف، وتمييزا بين أهل الحق وأهل الانحراف، وتجارب حقيقية دفعت الأمة ثمنها من أعمار أبنائها وتضحياتهم.
ومن هذه الجهة يمكن أن يكون في البلاء خير عظيم للمسلمين، لا لأن الألم خير في ذاته، ولكن لأن الله قد يخرج من قلب المحنة منحة، ومن قلب التمحيص بصيرة، ومن قلب التجربة خبرة، ومن قلب الصبر قوة، ومن طول الطريق تهيئة لما بعده.
والمؤمن لا يعلم الغيب، فلا يجزم بحكمة معينة في حادثة بعينها، لكنه يوقن بحكمة الله، ويوقن بأن أجر الصابرين محفوظ، وأن أمر المؤمن كله له خير.
فما يقع اليوم من ابتلاء شديد على المسلمين قد يترك وراءه، بإذن الله، أجيالا أكثر صبرا، وأشد بصيرة، وأعرف بالحق وأهله، وأعرف بالباطل وأهله، وأكثر خبرة بالواقع، وأقدر على حمل أعباء المستقبل.
وهذا من المعاني التي ينبغي ألا يغفل عنها المسلم وهو ينظر إلى سنوات البلاء الطويلة: فقد يكون ما نراه اليوم نهاية مرحلة، بينما يكون في علم الله بداية تهيئة لمرحلة أخرى.







