من أكثر القضايا التي يكثر فيها الخلط في عالمنا المعاصر تصوير العلاقة بين إيران والقضية الفلسطينية على أنها علاقة قائمة على النصرة المجردة لفلسطين، أو على أنها مشروع تحرري هدفه الأول والأخير تحرير الأرض الفلسطينية. غير أن القراءة المتأنية للتاريخ والسياسة وسلوك الدول تكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ فالدول، مهما رفعت من الشعارات العقائدية، تتحرك في الغالب وفق مصالحها الاستراتيجية ومقتضيات أمنها القومي، وإيران ليست استثناءً من هذه القاعدة.
أولًا: الدول تُدار بالمصالح لا بالشعارات
من الخطأ ابتداءً أن ننظر إلى أي دولة باعتبارها جمعية خيرية أو حركة دعوية. فالدول تُقاس سياساتها بمصالحها ونفوذها وأمنها القومي. ومنذ قيام الجمهورية الإيرانية عام 1399هـ (1979م)، سعت إيران إلى بناء نفوذ إقليمي واسع يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها، وأصبحت فلسطين جزءًا من هذا التصور الاستراتيجي، لا مركزه الوحيد.
فالقضية الفلسطينية بالنسبة لإيران تمنحها شرعية شعبية واسعة في العالم الإسلامي، وتوفر لها ورقة ضغط في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين، كما تسمح لها بتقديم نفسها بوصفها رأس حربة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.
ثانيًا: الفرق بين نصرة فلسطين ونصرة النفوذ
لا شك أن إيران قدمت دعمًا لفصائل فلسطينية، وخاصة بعض فصائل المقاومة المسلحة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل دعمت إيران بعض الفصائل؟ بل: لماذا دعمتها؟
عندما نراجع سلوك الدول عبر التاريخ نجد أن الدعم السياسي والعسكري لا يكون عادة عملًا مجردًا عن الحسابات، بل يرتبط ببناء التحالفات وتوسيع النفوذ وتحقيق التوازنات الإقليمية.
ومن هنا يصبح السؤال: هل كانت فلسطين هي الغاية، أم أن فلسطين كانت إحدى أدوات الصراع الإقليمي الكبرى؟
ثالثًا: ما الذي تكشفه الأزمات الكبرى؟
في الأزمات الكبرى تظهر الأولويات الحقيقية.
فحين تتعرض مصالح إيران المباشرة أو حلفاؤها الاستراتيجيون للخطر، نلاحظ أن الخطاب السياسي الإيراني يركز بصورة واضحة على حماية شبكة النفوذ الإقليمي المرتبطة بها.
وقد رأى كثير من المراقبين أن الاهتمام الإيراني بملفات مثل لبنان وسوريا والعراق كان في أحيان كثيرة أوضح وأكثر مباشرة من الاهتمام العملي بإنهاء معاناة الفلسطينيين أنفسهم.
وهذا لا يعني غياب الدعم لفلسطين، لكنه يشير إلى أن فلسطين تُدرج داخل منظومة أوسع من المصالح الإقليمية الإيرانية.
رابعًا: لماذا يُعد تصوير إيران منقذًا لغزة مضلل؟
إن تصوير إيران على أنها “منقذ غزة” أو “المحرر المنتظر لفلسطين” يتجاهل حقائق كثيرة.
فالقضية الفلسطينية أقدم وأعقد من أن تختزل في دولة واحدة، كما أن مصيرها لا يتوقف على إرادة طرف خارجي مهما كان حجمه ولا يجب أن يربط كذلك.
ثم إن التجارب التاريخية تعلمنا أن الدول قد تدعم قضية ما ما دامت منسجمة مع مصالحها، فإذا تعارضت المصالح مع الشعارات غلبت المصالح في كثير من الأحيان.
ولهذا فإن ربط مستقبل فلسطين بمشروع دولة إقليمية ترى في قتل السوري والعراقي واليمني السني ضرورة استراتيجية لتوسعها، يمثل قراءة غير واقعية للتاريخ والسياسة بل وغير أخلاقية.
خامسًا: البعد العقائدي
من الناحية الفكرية، فإن القضية الفلسطينية قضية أمة بأسرها، وليست ملكًا لمحور سياسي أو دولة معينة. ومتى اختُزلت فلسطين في مشروع دولة أو حزب أو تيار، ضاقت القضية بعد أن كانت قضية جامعة للمسلمين بمختلف انتماءاتهم.
ومن الخطأ أن يتحول الدفاع عن فلسطين إلى أداة لتجميل سياسات أي نظام أو التغاضي عن أخطائه في ملفات أخرى،
فالعدل يقتضي الاعتراف بالوقائع دون تطفيف.
وفي الختام
إن القراءة المتوازنة للعلاقة بين إيران وفلسطين تقود إلى نتيجة واضحة: إيران استخدمت القضية الفلسطينية بوصفها جزءًا مهمًا من استراتيجيتها الإقليمية، وقدمت دعمًا لبعض فصائل المقاومة ضمن هذا الإطار، لكن هذا لا يكفي للقول إن فلسطين هي المحرك الوحيد أو الأول لسياستها. فالدول تتحرك وفق مصالحها ونفوذها وحساباتها الأمنية قبل أي شيء آخر.
وعليه، فإن تصوير إيران على أنها المنقذ لغزة أو الممثل الأقوى للقضية الفلسطينية لا ينسجم مع حقائق التاريخ ولا مع طبيعة العلاقات الدولية. ففلسطين أكبر من أن تُختزل في دولة، وأوسع من أن تُربط بمشروع إقليمي واحد، وستظل قضية أمة كاملة لا قضية محور سياسي بعينه.
وإذا كانت فلسطين هي القضية المركزية التي تُقدَّم في الخطاب الإيراني بوصفها عنوان الصراع الأكبر في المنطقة، فإن السؤال المشروع يبقى حاضرًا: لماذا غابت غزة عن كثير من ملفات التفاوض الأساسية التي خاضتها إيران حول أمنها القومي وبرنامجها النووي وعلاقاتها الدولية؟ ولماذا كانت الأولوية في تلك المفاوضات لمصالح الدولة الإيرانية المباشرة ومجالات نفوذها الإقليمية؟
إن الدول تكشف أولوياتها الحقيقية عندما تجلس إلى طاولة التفاوض؛ فهناك تُفرز الشعارات من المصالح، وتظهر القضايا التي تُعدُّ وجودية بالنسبة لها من القضايا التي تُستثمر سياسيًا وإعلاميًا. ومن هنا فإن تصوير إيران على أنها المنقذ المنتظر لفلسطين أو أن مشروعها الإقليمي قائم أساسًا على تحرير غزة لا ينسجم مع حقائق الصراع ولا مع مسار الأحداث. ففلسطين بالنسبة لإيران ورقة مهمة ضمن مشروعها الإقليمي، لكنها ليست مركز القرار الذي تدور حوله سياساتها كلها.
ولهذا فإن نصرة فلسطين لا ينبغي أن تُربط بدولة أو نظام أو محور، بل هي قضية أمة بأسرها، تبقى أكبر من الحسابات الإقليمية، وأشرف من المساومات على مركزية موقعها، وأوسع من أن تُختزل في مشروع سياسي مهما رفع من الشعارات وأعلن من المواقف.





اترك تعليقاً