إلدار محمدوف: الاتفاق الأمريكي الإيراني قد يمهد لتحول جذري في استراتيجية واشنطن بالشرق الأوسط

الآراء في هذا المقال لإلدار محمدوف وهو باحث ومحلل سياسي متخصص في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية. يشغل منصب زميل غير مقيم في Quincy Institute for Responsible Statecraft، وهو مركز أبحاث أمريكي يدعو إلى تقليل التدخلات العسكرية الأمريكية والتركيز على الدبلوماسية والواقعية السياسية في إدارة العلاقات الدولية.

يرى الباحث إلدار محمدوف أن التفاهم الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران لا يمثل مجرد اتفاق لوقف الحرب، بل قد يشكل نقطة تحول استراتيجية في طريقة تعامل واشنطن مع الشرق الأوسط، ويكشف في الوقت ذاته حدود القوة الأمريكية بعد أشهر من المواجهة العسكرية مع طهران.

وفي مقال نشره موقع Responsible Statecraft، اعتبر محمدوف أن الاتفاق المرتقب توقيعه رسمياً في جنيف يوم 19 يونيو يفتح الباب أمام إنهاء الأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، إلى جانب إطلاق مرحلة جديدة من المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.

وأشار الكاتب إلى أن الاتفاق ما يزال يواجه تحديات كبيرة قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل، إذ يتعين على الطرفين الاتفاق على آليات رفع العقوبات وتحرير الأصول الإيرانية المجمدة، فضلاً عن خوض مفاوضات معقدة تمتد ستين يوماً حول مستويات تخصيب اليورانيوم ونظم التفتيش والضمانات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.

معارضة من أطراف متعددة

ويعتقد محمدوف أن العقبة الأساسية أمام نجاح الاتفاق تتمثل في وجود قوى تسعى إلى إفشاله من الجانبين.

ففي الولايات المتحدة، يرى أن التيار المحافظ المتشدد ومؤسسات مثل “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” ما زالت تدفع باتجاه مواصلة سياسة الضغوط القصوى على إيران، وترفض أي تسوية لا تنتهي بما يصفه الكاتب بـ”الاستسلام الإيراني الكامل”.

أما في إيران، فيشير إلى وجود تيارات متشددة تعتبر أي تنازل أو تسوية مع واشنطن خروجاً عن مبادئ الثورة الإيرانية، وتمارس ضغوطاً سياسية وإعلامية على فريق التفاوض.

كما يلفت إلى أن “إسرائيل” ما زالت تملك القدرة على تعقيد المشهد من خلال التصعيد العسكري في لبنان أو اتخاذ خطوات قد تؤثر على فرص نجاح الاتفاق النهائي.

الحرب كشفت حدود القوة الأمريكية

ويطرح الكاتب سؤالاً محورياً: ماذا أثبتت الحرب فعلياً؟

بحسب محمدوف، دخلت الولايات المتحدة المواجهة وهي تعتقد أن تفوقها العسكري سيجبر إيران على تغيير سياساتها جذرياً وربما يؤدي إلى تغيير النظام نفسه، إلا أن النتائج جاءت مختلفة.

فالحملات الجوية والضربات العسكرية والعمليات البحرية، وفقاً لرأيه، لم تؤد إلى استسلام إيران، بل دفعتها إلى مزيد من التماسك. ويرى أن النظام الإيراني خرج من الحرب أكثر ثقة بقدرته على الصمود، بينما اكتشفت واشنطن أن أهدافها القصوى لا يمكن تحقيقها عسكرياً.

ويضيف أن التهديد باستخدام القوة كان يمنح الولايات المتحدة أوراق ضغط مهمة، لكن اللجوء إلى الحرب وعدم تحقيق نتائج حاسمة أدى إلى تراجع هذه الأوراق، بعدما أدركت طهران حدود القدرة الأمريكية على فرض شروطها بالقوة.

دور القوى الإقليمية في إنهاء الحرب

ويشير محمدوف إلى أن الدول التي لعبت دوراً رئيسياً في الوساطة وإنهاء الحرب كانت باكستان وقطر والسعودية وتركيا، معتبراً أن هذه الدول استثمرت جهوداً دبلوماسية كبيرة لإنهاء نزاع رأت أنه يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

وفي المقابل، يذهب الكاتب إلى أن “إسرائيل” والإمارات كانتا من أبرز الأطراف التي دفعت نحو التصعيد مع إيران، لأنهما تنظران إلى طهران باعتبارها تهديداً وجودياً. ويرى أن مصالح هاتين الدولتين لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأمريكية فيما يتعلق بالحرب مع إيران.

إعادة صياغة الدور الأمريكي

ويعتبر محمدوف أن الفرصة التي يتيحها الاتفاق تتمثل في إعادة صياغة الدور الأمريكي في الشرق الأوسط.

فبدلاً من الوجود العسكري المكثف وإدارة تفاصيل التوازنات الإقليمية بشكل مباشر، يرى أن واشنطن تستطيع تقليص انتشارها العسكري في الخليج، مع ترك مسؤولية أكبر للقوى الإقليمية الرئيسية مثل السعودية وتركيا وقطر وباكستان ومصر لإدارة الأمن الإقليمي والتعامل مع إيران عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية.

ويؤكد أن هذا لا يعني انسحاباً أمريكياً كاملاً من المنطقة، بل انتقال الولايات المتحدة إلى دور “الموازن الخارجي” الذي يتدخل عند الضرورة دون الانخراط المباشر في الصراعات اليومية.

انعكاسات على “إسرائيل”

وفي جانب آخر من تحليله، يرى الكاتب أن “إسرائيل” قد لا ترحب بهذا التحول، لكنه يعتبر أن أمنها على المدى البعيد لن يعتمد على التدخل العسكري الأمريكي المباشر بقدر اعتماده على قدراتها الذاتية وعلى بناء ترتيبات إقليمية مستقرة مع جيرانها.

ويذهب محمدوف إلى أن الطريق الأكثر استدامة لأمن “إسرائيل” يمر عبر التطبيع الإقليمي والتوصل إلى تسوية سياسية للقضية الفلسطينية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، بدلاً من الاعتماد على الحروب المتكررة والدعم العسكري الأمريكي.

مكاسب سياسية داخلية

ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى البعد السياسي الداخلي للاتفاق داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد يصبح الوجه الأبرز لهذا التحول في السياسة الأمريكية إذا شارك في توقيع الاتفاق في جنيف.

ويرى محمدوف أن فانس قد يقدم نفسه خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة بوصفه أحد المسؤولين الذين ساهموا في إخراج الولايات المتحدة من حرب مكلفة لم يكن لها أفق واضح لتحقيق النصر، وهو ما قد يمنحه رصيداً سياسياً مهماً لدى قطاعات من الناخبين الأمريكيين.

ويخلص الكاتب إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني، إذا نجح في تجاوز العقبات الحالية، قد لا يغير فقط مسار العلاقات بين واشنطن وطهران، بل قد يؤسس أيضاً لمرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية ويعيد تعريف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط بعد عقود من التدخل المباشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *