إثيوبيا وإريتريا على حافة مواجهة جديدة.. ماذا يجري في القرن الأفريقي؟

vnwhWZpvXHji0mYAMoudPs8e6HdWX2LUlBhqpFMk3OCtMeCWEPq4ADqM7uItVy6AgIOKy4IsO9nJ Ngb Prmkf33XeMqGSM5spXGUoIxyfs3YioWqvH43GndOkwytKLKSkbJ56XPDbxuRSw7Pj Adic6HMr2S

دخلت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة شديدة الخطورة بعد أن أعلنت أديس أبابا، في 1 أكتوبر/تشرين الأول، إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد 10 دبلوماسيين إريتريين، بينهم القائم بالأعمال ودبلوماسيون معتمدون لدى الاتحاد الأفريقي، ومنحتهم 48 ساعة للمغادرة.

وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية إن القرار جاء ردًا على ما وصفته بـ«أعمال عدائية وحربية مباشرة وغير مباشرة» من جانب إريتريا، وإن الدبلوماسيين المطرودين شاركوا في أنشطة تشكل «تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإثيوبي».

رد أسمرة كان سريعًا وأشد سياسيًا: إريتريا قطعت العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، ورفضت الاتهامات الإثيوبية ووصفتها بأنها مثيرة للدهشة.

وهكذا انتقل الخلاف الذي كان يتصاعد منذ سنوات حول تيغراي والحدود والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر من مرحلة التوتر إلى قطيعة رسمية بين الدولتين.


الشرارة الحالية: عودة الحرب في شمال إثيوبيا

لفهم الأزمة مع إريتريا، لا بد أولًا من النظر إلى الحرب التي اندلعت مجددًا داخل إثيوبيا.
خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر/أيلول، اندلعت مواجهات واسعة بين القوات الفيدرالية الإثيوبية من جهة، وقوات تيغراي ومجموعات مسلحة متحالفة معها من جهة أخرى.

وشنت القوات التيغرانية هجومًا واسعًا امتد من تيغراي إلى مناطق في عفر وأمهرة، بينما وصفته جبهة تحرير شعب تيغراي بأنه «حرب دفاعية» جاءت ردًا على هجمات حكومية بالمدفعية والمسيّرات.

ثم شن الجيش الإثيوبي والقوات المتحالفة معه هجومًا مضادًا واسعًا، وتقدمت القوات الحكومية شمالًا إلى داخل تيغراي. وبحلول الأول من أكتوبر، أفادت الجزيرة بأن القوات الحكومية أصبحت على مسافة تقارب 40 كيلومترًا من مقلي، عاصمة تيغراي، فيما انسحبت قوات تيغراي إلى مواقع جديدة وغادر بعض قادتها المدينة.

كما بدأ آلاف المدنيين بمغادرة مقلي خشية وصول المعارك إليها، وسط انقطاع الكهرباء والإنترنت.
وأصبح القتال يمتد الآن إلى مناطق قريبة من حدود إريتريا والسودان، وهو ما يجعل تحول الحرب الإثيوبية الداخلية إلى نزاع إقليمي احتمالًا حقيقيًا.

ماذا تتهم إثيوبيا إريتريا بفعله؟

الاتهام الإثيوبي يتجاوز مجرد الدعم السياسي.
رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا اتهم إريتريا بتمويل ودعم جبهة تحرير شعب تيغراي والجماعات المسلحة المتحالفة معها. وذهب مسؤولون في إقليم عفر أبعد من ذلك.

فقد اتهم مسؤولون في الإدارة الإقليمية الجيش الإريتري بالمشاركة مباشرة في الهجوم إلى جانب القوى المناهضة للحكومة الإثيوبية. كما ظهرت تقارير تزعم نشر قوات إريترية قرب الحدود مع عفر. لكن هذه النقطة مهمة جدًا تحريريًا: المشاركة المباشرة للجيش الإريتري هي اتهام إثيوبي ولم تثبت بصورة مستقلة حتى الآن.

إريتريا تنفي هذه الاتهامات، واتهمت حكومة أبي أحمد بمحاولة تحميل أسمرة مسؤولية أزمتها الداخلية.
واللافت هنا أن المشهد انقلب رأسًا على عقب مقارنة بحرب 2020.

حينها كان الجيش الإريتري يقاتل إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.
أما الآن، فتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم التيغراي ضد الحكومة الإثيوبية نفسها.


مصر والسودان يدخلان في الاتهامات

lqzQALhpWRP O25W vTr3qV0MdJOFW1K0EA2 2UoNpHf6X6cklshFgLWLau4DA67KFWsf8Nur8xmUMyZtlCEopbx3ijPdJWmip q 70 Y4afx5BttAdvmYFvc9tLhzbpFPJe9Gmed65S 3oX6ilpPSDlf abeBICR0mkUYMUxaB910zBgf9tNeYlovpFqL1M


وتضع أديس أبابا الأزمة ضمن شبكة إقليمية أكبر.
فقد اتهم برهانو جولا إريتريا والسودان ومصر بدعم القوى المسلحة التي تقاتل الحكومة، وقال إن إريتريا تؤدي دور حلقة الوصل بين هذه القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا.

وقال قائد الجيش إن إريتريا وجبهة تحرير شعب تيغراي لا تستطيعان تحقيق أهدافهما وحدهما من دون دعم وإمداد من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى.

لكن إريتريا والسودان ومصر نفت هذه الاتهامات، وبالتالي لا يصح تقديم وجود تحالف إريتري-مصري-سوداني مسلح ضد إثيوبيا بوصفه حقيقة مثبتة.

المعنى السياسي للاتهام مهم مع ذلك؛ لأن إثيوبيا باتت تنظر إلى حرب الشمال ليس فقط باعتبارها تمردًا داخليًا، وإنما باعتبارها جزءًا من صراع إقليمي على أمنها وموقعها ومصالحها في البحر الأحمر والنيل.

ثم وصلت الانفجارات إلى أديس أبابا


جاء التطور الأخطر ليلة 30 سبتمبر/1 أكتوبر.
قال ثلاثة مصادر دبلوماسية لرويترز إنها سمعت انفجارات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
وكانت السلطات قد فرضت قبل ذلك بساعات حظرًا على تحليق الطائرات المسيّرة فوق العاصمة ومحيطها.

وقال مصدر مرتبط بتحالف مسلح مناهض للحكومة لرويترز إن التحالف نفذ عدة هجمات بالمسيّرات داخل أديس أبابا، بينها هجمات استهدفت مقرًا عسكريًا.

وإذا ثبت بالفعل أن المعارضة المسلحة استطاعت ضرب أهداف عسكرية في العاصمة بالمسيّرات، فسيكون ذلك تحولًا كبيرًا في الحرب؛ لأن المعارك لم تعد محصورة في تيغراي وعفر وأمهرة.


لماذا انهار التحالف بين أبي أحمد وأسياس أفورقي؟

image 21


المفارقة أن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي كانا قبل سنوات فقط في تحالف وثيق.

بعد اتفاق السلام الإثيوبي-الإريتري عام 2018، تحولت العلاقة بين البلدين من عداء استمر عقودًا إلى تقارب كبير.

وعندما اندلعت حرب تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، دخلت القوات الإريترية الحرب إلى جانب الجيش الفيدرالي الإثيوبي ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.

لكن نقطة التحول الأساسية جاءت مع اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، الذي أنهى الحرب بين حكومة أبي أحمد وجبهة تيغراي.

إريتريا لم تكن طرفًا في الاتفاق.

وبدأت الخلافات بين أسمرة وأديس أبابا تتسع بعده، خصوصًا بسبب مستقبل تيغراي ووجود القوات الإريترية هناك وترتيبات ما بعد الحرب. وبحلول 2024 كانت العلاقات قد تدهورت بشدة؛ حتى إن الخطوط الجوية الإثيوبية علقت رحلاتها إلى إريتريا بعد تجميد حسابها المصرفي في أسمرة.

وفي مارس/آذار 2025 وصلت المخاوف إلى مستوى جديد عندما أمرت إريتريا بتعبئة عسكرية على مستوى البلاد، بينما حركت إثيوبيا قوات باتجاه الحدود.

أي أن الأزمة الحالية لم تبدأ الأسبوع الماضي؛ إنها نتيجة تدهور متراكم منذ اتفاق بريتوريا.
البحر الأحمر وعَصَب.. العقدة الأخرى

هناك ملف آخر لا يقل أهمية: بحث إثيوبيا عن منفذ إلى البحر الأحمر.

إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد بصورة كبيرة جدًا على جيبوتي في تجارتها الخارجية.

وخلال السنوات الأخيرة جعل أبي أحمد قضية الوصول إلى البحر قضية استراتيجية وطنية، ودعا إلى إيجاد تسوية تمنح بلاده وصولًا مستدامًا إلى البحر.

وتملك إريتريا ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، ومن أهم نقاطه ميناء عَصَب، الذي كان تاريخيًا بالغ الأهمية لإثيوبيا.

لكن الحديث الإثيوبي المتزايد عن البحر أثار مخاوف إريترية من أن تتحول المطالب الاقتصادية في النهاية إلى مطالب إقليمية أو عسكرية.

وفي مارس/آذار 2025 حاول أبي أحمد تهدئة تلك المخاوف، مؤكدًا أمام البرلمان أن إثيوبيا لا تنوي غزو إريتريا من أجل البحر الأحمر، وأن القضية يجب حلها بالحوار والتفاهم والمنفعة المتبادلة.

لكن مجرد اضطراره إلى إصدار هذا النفي يوضح مدى حساسية الملف.


عفر أصبحت نقطة شديدة الخطورة

الجبهة التي ينبغي مراقبتها الآن بصورة خاصة هي عفر.
فالمنطقة تقع بين تيغراي وجيبوتي وإريتريا، وتمر عبرها خطوط حيوية تربط إثيوبيا بجيبوتي.
الهجوم الذي شنته قوات تيغراي باتجاه عفر لا يحمل قيمة عسكرية محلية فقط؛ إذ إن التقدم العميق في الإقليم قد يهدد خطوط النقل التي تعتمد عليها إثيوبيا للوصول إلى ميناء جيبوتي، الذي تمر عبره معظم تجارتها الدولية وإمدادات الوقود.

وهنا تصبح إريتريا شديدة الأهمية: إذا ثبت أن قواتها تشارك مباشرة في هذه الجبهة، فإن الحرب ستتحول عمليًا من نزاع إثيوبي داخلي ذي تدخلات خارجية إلى مواجهة عسكرية إقليمية.


شبح حرب 1998–2000

pEMJrDLOCwaT3EQ1ClQFZ6 zypnvstbDgxXhvkKI J6ggvGx7lya QsXqIPRAgc5DM2y e7oGfJvGUSccZnsQRcobFpIYLOBq44AmK3iifxGFQDRkUwwwaOjs6mqaoSfaZq49lYg4Hd YVNqVAh5ZWZRnp5osXtIjjEsmjkhk6l8LF2us5GNBOpG5JSEw6dG

الخوف من مواجهة إثيوبية-إريترية ليس نظريًا. خاض البلدان حربًا حدودية شديدة الدموية بين 1998 و2000 بعد خلاف حول بلدة بادمي ومناطق حدودية أخرى. ثم استمرت حالة «لا حرب ولا سلام» قرابة عقدين حتى مصالحة 2018.
ولهذا فإن وجود قوات كبيرة وجماعات مسلحة متعددة على جانبي الحدود اليوم، بالتزامن مع انهيار العلاقات الدبلوماسية، يرفع احتمالات سوء الحساب بصورة كبيرة.
وأي اشتباك مباشر واسع بين الجيشين يمكن أن يعيد فتح ملفات الحدود القديمة التي لم تختف حساسيتها بالكامل.


البعد الإنساني بدأ يظهر سريعًا

الأزمة ليست سياسية وعسكرية فقط.
تقديرات نقلتها وكالات دولية أشارت إلى نزوح نحو 150 ألف شخص في عفر خلال التصعيد الأخير، وإن ظلت الأرقام الدقيقة صعبة بسبب القتال وانقطاع الاتصالات. كما تحدثت منظمة أطباء بلا حدود عن استقبال المستشفيات مئات الجرحى خلال فترة قصيرة.

كما تعطلت خدمات الهاتف والإنترنت في تيغراي، وأثارت هذه التطورات مخاوف من تكرار الحصار الذي شهدته المنطقة أثناء حرب 2020–2022، عندما انقطعت الكهرباء والخدمات المصرفية ووصول المساعدات على نطاق واسع.|
وتحدثت التقارير عن سقوط مدنيين في ضربات المسيرات.


أين يقف البلدان الآن؟


أخطر مؤشر سيكون ظهور دليل موثق على دخول وحدات من الجيش الإريتري الأراضي الإثيوبية أو وقوع اشتباكات مباشرة بين الجيشين. هذا هو الخط الذي يفصل الأزمة الحالية عن حرب إثيوبية-إريترية جديدة.

المؤشر الثاني هو مقلي. اقتراب الجيش الإثيوبي من عاصمة تيغراي يرفع احتمال معركة كبيرة، وإذا تدخلت إريتريا بصورة مباشرة حول تيغراي فقد يتغير شكل الحرب بالكامل.

أما الثالث فهو عفر وممر جيبوتي. إذا تمكنت القوات المناهضة للحكومة من تهديد الطريق التجاري الإثيوبي الرئيسي إلى جيبوتي، فستصبح المسألة تهديدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا للدولة الإثيوبية وليس مجرد حرب في الشمال.

والرابع هو البحر الأحمر وعَصَب. فإذا انتقلت الخطابات الإثيوبية المتعلقة بالوصول إلى البحر من المطالبة بالتفاوض إلى خطوات عسكرية أو حشد قرب الحدود الإريترية، فسيرتفع خطر الحرب بين الدولتين بصورة حادة.


الخلاصة

المشهد الحالي يمكن وصفه بأنه ثلاث أزمات اندمجت في أزمة واحدة: عودة الحرب بين الحكومة الإثيوبية وقوى تيغراي وحلفائها؛ انهيار التحالف السابق بين إثيوبيا وإريتريا وتحوله إلى عداء؛ وصراع إقليمي أوسع ترتبط به ملفات البحر الأحمر والسودان ومصر.

ولهذا فإن القطيعة الدبلوماسية في 1 أكتوبر 2026 ليست في حد ذاتها أخطر ما حدث، وإنما مؤشر على أن الحاجز السياسي الأخير بين أديس أبابا وأسمرة بدأ ينهار بينما تدور حرب فعلية على مقربة من حدودهما.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *