بعد أكثر من 3 عقود على نهاية الحرب الباردة، تعود الخدمة العسكرية تدريجيًا إلى قلب الثكنات الأوروبية، لكن بصورة مختلفة عن نموذج الجيوش الجماهيرية الذي ساد القرن العشرين.
فمن الدنمارك وكرواتيا إلى دول البلطيق وفنلندا وألمانيا وفرنسا، تتحرك الحكومات لإعادة بناء قواعد التعبئة العسكرية وتوسيع الاحتياط، في وقت فرضت فيه الحرب الروسية الأوكرانية واقعًا أمنيًا جديدًا على القارة، بالتزامن مع تنامي الشكوك حول مدى استمرار الاعتماد الأوروبي على المظلة الأميركية.
وفي أغسطس 2026م، الموافق صفر 1448هـ، بدأت الدنمارك تطبيق نموذج موسع للخدمة العسكرية، بينما كانت كرواتيا قد أعادت التجنيد الإلزامي في مارس 2026م، الموافق شوال 1447هـ، بعد توقف دام 17 عامًا. وفي الخلفية، تتجه ألمانيا إلى بناء نظام يسمح بالانتقال من التطوع إلى الإلزام عند الحاجة.
المشهد يكشف تغيرًا جوهريًا في طريقة تفكير الأوربيين، وهو :كيف تستطيع تعبئة مجتمعاتها إذا اندلعت حرب واسعة داخل القارة؟.
الدنمارك.. 11 شهرًا بدلًا من أربعة
كان الثالث من أغسطس 2026م، الموافق 10 صفر 1448هـ، موعدًا لبدء مرحلة جديدة في الدنمارك، بعدما التحق نحو 1600 شاب وشابة بالخدمة العسكرية لمدة 11 شهرًا، بدلًا من أربعة أشهر فقط في النظام السابق.
ويخضع المجندون خلال الأشهر الخمسة الأولى لتدريب أساسي، ثم ينتقلون إلى ستة أشهر من الخدمة العملياتية، مع إدخال تخصصات مرتبطة بالحرب الحديثة، من بينها تشغيل الطائرات المسيّرة.
ولا تتوقف دلالات القرار عند حدود الحرب في أوكرانيا، فالدنمارك تقع أيضًا في قلب التوتر المتصاعد حول منطقة القطب الشمالي وغرينلاند، في وقت أثارت فيه مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الجزيرة مخاوف سياسية وأمنية لدى كوبنهاغن.
وتخطط الدنمارك لرفع عدد المجندين سنويًا من نحو 5000 حاليًا إلى 7500 بحلول عام 2033م، كما أصبحت الشابات في سن 18 عامًا منذ يوليو 2025م، الموافق محرم 1447هـ، خاضعات لإجراءات التقييم تمهيدًا لاحتمال التجنيد.
كرواتيا تعيد فتح الثكنات
في كرواتيا، كان التحول أكثر وضوحًا، ففي مارس 2026م، الموافق شوال 1447هـ، دخل 800 مجند إلى الثكنات لبدء خدمة عسكرية إلزامية تستمر شهرين، في أول عودة للتجنيد منذ 17 عامًا.
لكن الخدمة الكرواتية الجديدة ليست مجرد تدريب تقليدي على استخدام السلاح؛ إذ تشمل الإسعافات الأولية، والدفاع عن النفس، ومهارات البقاء، وتشغيل الطائرات المسيّرة من طراز FPV.
وتخطط زغرب لاستدعاء نحو 4000 مجند سنويًا، مع تقديم بدل شهري يصل إلى 1100 يورو، واحتساب مدة الخدمة ضمن السجل المهني، فضلًا عن منح المجندين أفضلية في بعض فرص العمل الحكومي عند تساوي الشروط.
واللافت أن 446 شخصًا من الدفعة الأولى تطوعوا قبل استدعائهم، بينهم 82 امرأة، بما يشير إلى أن بعض الحكومات الأوروبية تحاول جعل الخدمة العسكرية أقل ارتباطًا بفكرة العقوبة وأكثر ارتباطًا بالحوافز والمزايا المهنية.
التجنيد الأوروبي ليس نظامًا واحدًا
الحديث عن «عودة التجنيد» في أوروبا يختلف بين الدول، فالسويد والنرويج والدنمارك تعتمد أنظمة انتقائية، إذ يُطلب من الشباب التسجيل وتقديم بيانات تتعلق بالصحة والمهارات والرغبة في الخدمة، ثم تختار القوات المسلحة العدد الذي تحتاج إليه.
وفي السويد، أعيد العمل بالتجنيد عام 2017م، الموافق 1438هـ، بعد تعليقه عام 2010م، الموافق 1431هـ، وأصبح النظام يشمل الرجال والنساء.
أما النرويج، فقد ساوت بين الجنسين في واجب الخدمة منذ عام 2015م، الموافق 1436هـ، ويؤدي نحو 9000 شاب وشابة الخدمة الإلزامية سنويًا.
وفي فنلندا، يبقى التجنيد عامًا بالنسبة إلى الرجال، بينما تستطيع النساء الالتحاق به طوعًا، وتتراوح مدة الخدمة بين 165 و255 و347 يومًا حسب طبيعة التدريب.
وتذهب هلسنكي أبعد من مجرد تدريب المجندين، إذ تستخدم الخدمة العسكرية لبناء احتياط ضخم يمكن تعبئته في حال اندلاع حرب، وقد رفعت سن الاحتياط القصوى إلى 65 عامًا ابتداءً من عام 2026م، الموافق 1447-1448هـ، مع توقعات بارتفاع عدد أفراد الاحتياط بنحو 125 ألفًا ليقترب من مليون فرد بحلول عام 2031م، الموافق 1453هـ.
حدود روسيا.. المكان الذي بدأ منه التحول
لم تنتظر دول البلطيق اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022م، الموافق 1443هـ، حتى تعيد التفكير في منظوماتها الدفاعية.
فليتوانيا أعادت التجنيد عام 2015م، الموافق 1436هـ، بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014م، الموافق 1435هـ.
وفي عام 2026م، الموافق 1447-1448هـ، وسعت فيلنيوس نظام الاستدعاء ليشمل نحو 5000 مجند، مع خدمة أساسية تصل إلى تسعة أشهر، وإتاحة التدريب في مجالات متقدمة مثل تشغيل الطائرات المسيّرة.
أما لاتفيا، التي ألغت التجنيد عام 2007م، الموافق 1428هـ، فقد أقر برلمانها قانون إعادته عام 2023م، الموافق 1444هـ.
وتكشف تجارب البلطيق السبب الحقيقي وراء هذا الاتجاه: الدول الصغيرة المحاذية لروسيا لا تستطيع الاعتماد فقط على جيوش محترفة محدودة العدد، ولذلك تحتاج إلى قاعدة واسعة من المواطنين الذين تلقوا تدريبًا عسكريًا ويمكن استدعاؤهم عند الضرورة.
ألمانيا.. الباب الذي لم يعد مغلقًا
ربما تكون ألمانيا المثال الأكثر دلالة على التحول الأوروبي، فبرلين علقت التجنيد الإلزامي عام 2011م، الموافق 1432هـ، بعد سنوات من الاعتقاد بأن خطر الحرب البرية الكبرى في أوروبا أصبح جزءًا من الماضي.
لكن الحرب الأوكرانية أعادت الحسابات إلى نقطة الصفر تقريبًا، وتستهدف ألمانيا رفع حجم قواتها العاملة إلى أكثر من 260 ألف جندي، إلى جانب نحو 200 ألف من جنود الاحتياط بحلول عام 2035م، الموافق 1457هـ تقريبًا.
ومنذ يناير 2026م، الموافق رجب 1447هـ، بدأت السلطات إرسال استبيانات إلى الشباب عند بلوغهم 18 عامًا لتقييم أهليتهم واستعدادهم للخدمة. وتبقى الخدمة في الأصل تطوعية، لكن الرجال ملزمون بالإجابة عن الاستبيان، بينما تخضع الخدمة نفسها لآلية يمكن أن تتحول إلى الإلزام إذا لم يوفر التطوع العدد المطلوب أو تدهورت البيئة الأمنية.
وهنا تكمن أهمية التجربة الألمانية: برلين لا تعيد التجنيد الإجباري كاملًا، لكنها تعيد بناء البنية التي تجعل التجنيد ممكنًا.
فالدولة تحتاج أولًا إلى معرفة حجم القوة البشرية المتاحة، ومؤهلاتها، وقدرتها الصحية، ثم تحتاج إلى الاحتفاظ بإمكانية استدعائها إذا تغيرت الظروف.
فرنسا تختار الطريق الطوعي
في فرنسا، تتحرك الحكومة بطريقة أكثر تحفظًا، حيث تستعد باريس في سبتمبر 2026م، الموافق ربيع الأول 1448هـ تقريبًا، لبدء خدمة عسكرية وطنية تطوعية مدتها عشرة أشهر.
ويبدأ البرنامج بنحو 3000 متطوع، مع خطط لرفع العدد إلى 10 آلاف عام 2030م، الموافق 1452هـ، ثم 50 ألفًا عام 2035م، الموافق 1457هـ.
وبعد شهر من التدريب، يقضي المشاركون تسعة أشهر في وحدات عسكرية داخل الأراضي الفرنسية، ثم يستطيعون العودة إلى الدراسة أو العمل مع الانضمام إلى قوات الاحتياط، أو الانتقال إلى الجيش العامل.
أما بولندا، فتسعى إلى بناء منظومة أكبر للتدريب، تستهدف الوصول إلى قدرة تدريب 100 ألف متطوع سنويًا بحلول عام 2027م، الموافق 1449هـ، ضمن استراتيجية تقوم على إنشاء قاعدة واسعة من جنود الاحتياط إلى جانب القوات المحترفة والدفاع الإقليمي.
لماذا لم تعد الجيوش المحترفة كافية؟
بعد انتهاء الحرب الباردة، كان تقليص الجيوش الأوروبية منطقيًا. انخفض احتمال اندلاع حرب شاملة داخل القارة، وتراجعت موازنات الدفاع، وتحول اهتمام حلف شمال الأطلسي إلى عمليات محدودة خارج أراضيه، من البلقان إلى أفغانستان.
وكانت الجيوش المحترفة الصغيرة أكثر ملاءمة لهذا النوع من الحروب، لكن الحرب في أوكرانيا أعادت تعريف مفهوم القوة العسكرية.
فالحروب الطويلة تحتاج إلى أعداد كبيرة من الجنود لحماية خطوط واسعة، وتدوير الوحدات، وتعويض الخسائر، وحراسة المنشآت الحيوية، وتشغيل منظومات الدفاع الجوي والمسيّرات والاتصالات.
والتكنولوجيا لم تلغِ العنصر البشري؛ بل جعلت بعض التخصصات البشرية أكثر أهمية، فالطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية والذخائر الدقيقة تستطيع تغيير شكل المعركة، لكنها لا تستطيع وحدها احتلال الأرض أو حماية الحدود أو تشغيل شبكة ضخمة من المنشآت العسكرية.
ولهذا أصبح الاحتياط المدرب جزءًا أساسيًا من الحسابات الدفاعية الأوروبية.
ترامب يغيّر الحسابات الأوروبية
هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن الحرب الأوكرانية: مستقبل العلاقة الأمنية بين أوروبا والولايات المتحدة، فعلى مدى عقود، بنت دول أوروبية كثيرة منظومتها الأمنية على افتراض استمرار الحماية الأميركية، خصوصًا في إطار حلف شمال الأطلسي.
لكن عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض طرحت تساؤلات أكثر حدة حول حجم الالتزام الأميركي طويل الأمد بأمن القارة، ودفع ذلك حكومات أوروبية إلى التعامل مع سيناريو كانت تستبعده سابقًا: ماذا لو اضطرت أوروبا إلى تحمل حصة أكبر من عبء الدفاع عن نفسها؟
ويضع تقرير لخدمة الأبحاث البرلمانية الأوروبية عودة التجنيد ضمن مجموعة عوامل مترابطة تشمل الحرب الروسية على أوكرانيا، والمخاوف من تراجع الانخراط الأميركي عبر الأطلسي، والحاجة إلى رفع الاستعداد المدني والعسكري لمواجهة أزمات كبرى.
وبذلك، لا يمكن فهم عودة التجنيد باعتبارها مجرد رد فعل على روسيا وحدها، ولا باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات ترمب وحدها، وإنما باعتبارها جزءًا من إعادة صياغة أوروبية أوسع لمفهوم الأمن.
المشكلة ليست في استدعاء الشباب فقط
لكن إعادة التجنيد لا تحل أزمة الجيوش الأوروبية تلقائيًا، لأن الدولة التي تريد تدريب آلاف أو عشرات الآلاف من الشباب تحتاج إلى مدربين، وثكنات، ومعدات، ومراكز طبية، وذخائر، وأنظمة إدارية قادرة على إدارة عملية ضخمة.
كما أن المجند قصير الخدمة لا يستطيع ببساطة أن يحل محل الجندي المحترف في كل المهام، خصوصًا في مجالات الهندسة والطب والأمن السيبراني والعمليات التقنية المتقدمة.
وتواجه أوروبا كذلك مشكلة الاحتفاظ بالعسكريين المحترفين، وهي مشكلة لا تختفي بمجرد زيادة أعداد المجندين.
لذلك، فإن التجنيد يمكن أن يكون جزءًا من الحل، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمة القوى البشرية داخل الجيوش.
الشباب الأوروبي.. المشكلة الأصعب
المعضلة الأكثر تعقيدًا ربما لا تكمن في قدرة الحكومات على إصدار قوانين التجنيد، وإنما في استعداد الجيل الجديد لقبولها.
فاستطلاع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية شمل أكثر من 16 ألف شخص في 12 دولة عام 2025م، الموافق 1446-1447هـ، أظهر وجود فجوة واضحة بين الأجيال.
وفي الفئة العمرية بين 18 و29 عامًا، لم يتجاوز متوسط تأييد إعادة الخدمة العسكرية الإلزامية 27%، مقابل 57% عارضوا الفكرة.
وهذه الأرقام تكشف التناقض الأساسي الذي تواجهه الحكومات، فالأجيال الأكبر سنًا قد تنظر إلى التجنيد باعتباره استثمارًا في الأمن الوطني أو وسيلة لإعادة الانضباط وبناء الاحتياط، بينما يرى كثير من الشباب أن الخدمة تعني اقتطاع أشهر من الدراسة والعمل والدخل والحياة الشخصية.
ولهذا بدأت الحكومات الأوروبية في تقديم حوافز مالية ومهنية، مثل الرواتب، والمنح، وأولوية التوظيف، واحتساب الخدمة ضمن المسار المهني.
أي أن المعركة لم تعد فقط لإقناع الشاب بأن بلده في خطر، وإنما لإقناعه أيضًا بأن التضحية بوقته لن تكون بلا مقابل.
عشر دول في الناتو تحتفظ بالتجنيد
بحلول صيف 2026م، الموافق 1447-1448هـ، كانت عشر دول في حلف شمال الأطلسي تحتفظ بشكل من أشكال الخدمة العسكرية الإلزامية أو التجنيد، وهي: اليونان، وتركيا، وفنلندا، والسويد، والنرويج، والدنمارك، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وكرواتيا.
لكن الاتجاه الأوروبي لا يشير بالضرورة إلى عودة التجنيد الجماهيري كما كان في القرن العشرين.
الأرجح أن القارة تتجه إلى نماذج هجينة: تسجيل وفحوص إلزامية، خدمة تطوعية مدفوعة، انتقاء أو قرعة، تدريب عسكري قصير، وقوات احتياط يمكن توسيعها بسرعة عند اندلاع أزمة.
وهذا النموذج يسمح للحكومات بزيادة قدرتها على التعبئة من دون تحمل التكلفة السياسية والاجتماعية للتجنيد الشامل.
أوروبا تعيد اكتشاف «المواطن الجندي»
المفارقة أن أوروبا التي أمضت عقودًا في تقليص الجيوش وإبعاد فكرة الحرب عن الحياة اليومية تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة إدخال الأمن العسكري إلى المجتمع.
لم يعد «المواطن الجندي» مجرد صورة من كتب التاريخ، ففي الدنمارك، يدخل الشباب الثكنات لأشهر أطول. وفي كرواتيا يعود التدريب الإلزامي. وفي ألمانيا يجري بناء قاعدة بيانات بشرية تسمح بالتعبئة عند الحاجة. وفي فنلندا تتوسع قوة الاحتياط. وفي دول البلطيق يصبح التدريب العسكري جزءًا من استراتيجية بقاء مرتبطة مباشرة بالجغرافيا الروسية.
والأهم أن أوروبا لا تستعد بالضرورة لحرب غدٍ، لكنها تتصرف وفق افتراض أكثر حذرًا: أن السلام لم يعد مضمونًا بالدرجة التي اعتادت عليها القارة.





اترك تعليقاً