5 مليارات دولار مقابل تقرير عن معدلات الجريمة.. ترامب يعمق الخلافات داخل أمريكا

images 3 2

كشف تقرير نشرته نيويورك تايمز ، اليوم، عن فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب جبهة قانونية جديدة مع أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، بعدما هدد بمقاضاة مركز التقدم الأميركي، وهو مركز أبحاث ليبرالي، بقيمة تصل إلى 5 مليارات دولار، بسبب تقرير خلص إلى أن نشر قوات الحرس الوطني في عدد من المدن الأميركية لم يحقق تأثيرًا ملموسًا في خفض معدلات الجريمة.

وتأتي المواجهة في وقت تتزايد فيه حدة الصدام بين إدارة ترامب ومؤسسات بحثية وإعلامية وقانونية تنتقد سياساتها، فيما يثير استخدام الدعاوى والتهديدات القانونية ضد الخصوم السياسيين والمنتقدين أسئلة أوسع بشأن حدود السلطة التنفيذية وحرية التعبير في الولايات المتحدة.

تقرير أشعل المواجهة

بدأت القصة بتقرير نشره مركز التقدم الأميركي في 13 يوليو 2026م، درس تأثير نشر قوات الحرس الوطني في واشنطن العاصمة ولوس أنجلوس وممفيس على معدلات الجريمة.

وخلص التقرير إلى عدم وجود دليل إحصائي واضح على أن نشر القوات أدى إلى انخفاض ملموس في معدلات الجرائم العنيفة، مشيرًا إلى أن الاتجاه النزولي في الجريمة كان قد بدأ قبل وصول إدارة ترمب إلى السلطة في يناير 2025م .

كما قدر التقرير أن استمرار عمليات الانتشار حتى نهاية عام 2026م، قد يكلف دافعي الضرائب الأميركيين أكثر من 1.7 مليار دولار.

واعتبر المركز أن الإدارة تسعى إلى تقديم الانخفاض العام في معدلات الجريمة باعتباره نتيجة مباشرة لسياساتها، بينما تشير البيانات التي حللها الباحثون إلى أن التراجع كان قائمًا بالفعل قبل انتشار قوات الحرس الوطني.

ترمب يرد بالتهديد

لم يمر التقرير مرورًا هادئًا داخل البيت الأبيض، فبعد أن تناولت إحدى البرامج التلفزيونية نتائج الدراسة، هاجم ترمب المركز عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف التقرير بأنه محاولة من «اليسار الراديكالي» للنيل من إدارته، ولوّح بمقاضاة المركز وعدد من الجهات التي تموله، ومن بينها الملياردير جورج سوروس.

ثم انتقلت التهديدات من التصريحات السياسية إلى المسار القانوني، ففي رسالة أرسلها محامي ترمب، أليخاندرو بريتو، إلى رئيسة المركز ومديرته التنفيذية نيرا تاندن وعدد من أعضاء مجلس إدارته، طالب المركز بسحب التقرير والاعتذار عن مضمونه، مهددًا برفع دعوى تشهير تصل قيمتها إلى 5 مليارات دولار إذا لم يستجب لهذه المطالب.

المركز يرفض التراجع

لكن مركز التقدم الأميركي لم يتراجع، وقالت تاندن إن المركز لن يخضع للتهديدات القانونية، ودافعت عن التقرير باعتباره قائمًا على البحث والتحليل القائم على الأدلة.

ورد محامي المركز كيفن ميتز على رسالة محامي ترمب مؤكدًا أن الحقيقة والتحليل لا يمكن أن يشكلا في حد ذاتهما أساسًا للتشهير، بل ذهب إلى القول إن المركز يرحب بإتاحة الفرصة أمام القضاء لبحث القضية والحصول خلال إجراءات التقاضي على مزيد من المعلومات المتعلقة بانتشار قوات الحرس الوطني.

وهنا تتحول القضية من خلاف حول تقييم أداء الحرس الوطني إلى مواجهة أوسع حول السؤال التالي: هل يمكن استخدام دعوى التشهير لإرغام مؤسسة بحثية على التراجع عن تحليل سياسي لا يرضي الرئيس؟

ماذا قال التقرير عن الحرس الوطني؟

ركزت الدراسة على ثلاثة نماذج رئيسية هي واشنطن العاصمة ولوس أنجلوس وممفيس، وقارنت اتجاهات الجريمة قبل وبعد نشر قوات الحرس الوطني.

واعتمد الباحثون على بيانات تتعلق بجرائم القتل والجرائم العنيفة والتعرض لإطلاق النار، بهدف معرفة ما إذا كان وصول القوات قد أدى بالفعل إلى تغيير إحصائي في اتجاهات الجريمة.

وبحسب النتائج التي أوردتها التقارير عن الدراسة، لم يظهر فارق إحصائي واضح يمكن نسبته إلى انتشار الحرس الوطني، بينما كانت معدلات الجريمة في اتجاه هبوطي قبل التدخل العسكري.

وبالتالي، فإن جوهر الخلاف ليس حول ما إذا كانت الجريمة قد تراجعت، وإنما حول من يملك حق نسب هذا التراجع إلى سياساته.

فالإدارة ترى أن إجراءاتها الأمنية ساهمت في تحقيق النتائج، بينما يقول مركز الأبحاث إن البيانات المتاحة لا تثبت وجود علاقة سببية واضحة بين انتشار القوات والانخفاض في الجريمة.

لماذا تصل قيمة الدعوى إلى 5 مليارات دولار؟

الرقم الضخم الذي طرحه فريق ترامب لا يعني أن المحكمة حكمت بهذا المبلغ، بل يتعلق بالتهديد بإقامة دعوى والمطالبة بتعويضات بهذا الحجم.

وهذه نقطة مهمة؛ فالقضية، حتى الآن، ليست حكمًا قضائيًا ضد مركز التقدم الأميركي، وإنما إنذار قانوني باللجوء إلى القضاء إذا لم يتم سحب التقرير والاعتذار.

كما أن مجرد رفع دعوى لا يعني بالضرورة نجاحها أمام المحكمة، إذ ستحتاج القضية إلى اجتياز عدد من الاختبارات القانونية المتعلقة بالتشهير، وطبيعة العبارات الواردة في التقرير، وما إذا كانت تتعلق بوقائع قابلة للإثبات أم بآراء وتحليلات سياسية، إضافة إلى وضع الرئيس باعتباره شخصية عامة.

جبهة جديدة في معركة ترامب مع منتقديه

لا تأتي هذه المواجهة بمعزل عن سلسلة من النزاعات القانونية التي خاضها ترامب وإدارته ضد مؤسسات إعلامية وجامعات ومكاتب محاماة ومؤسسات أخرى.

وقد سبق للرئيس أن استخدم الدعاوى القضائية أو التهديد بها ضد مؤسسات إعلامية اتهمها بالتشهير به، في إطار استراتيجية أوسع للرد على ما يعتبره تغطية أو مواقف عدائية تجاهه.

وفي المقابل، واجهت بعض هذه التحركات عقبات داخل المحاكم، إذ لم تتحول التهديدات السياسية والقانونية بالضرورة إلى انتصارات قضائية.

وتشير هذه السابقة إلى أن القيمة السياسية للدعوى قد تكون أحيانًا أكبر من قيمتها القانونية؛ فمجرد تهديد مؤسسة بدعوى باهظة قد يفرض عليها تكاليف قانونية، ويضعها تحت ضغط إعلامي، ويدفع مؤسسات أخرى إلى التفكير مليًا قبل نشر دراسات أو تحليلات تصطدم بالرئيس.

مراكز أبحاث من اليمين واليسار تدخل على الخط

المفارقة أن الدفاع عن مركز التقدم الأميركي لم يأتِ فقط من المؤسسات المحسوبة على التيار الليبرالي، فبيتر غوتلر، الرئيس التنفيذي لمعهد كاتو ذي التوجه التحرري، أعلن أن المؤسسات البحثية المستقلة، بصرف النظر عن توجهاتها السياسية، يجب أن تكون قادرة على تقديم تحليلاتها وانتقاد أصحاب السلطة دون خوف من الانتقام القانوني.

وهذا الموقف يكشف أن القضية بدأت تتجاوز حدود الصراع الحزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين.

فإذا أصبحت الدعاوى القضائية وسيلة لمعاقبة مراكز الأبحاث بسبب نتائج دراسات لا تعجب الإدارة القائمة، فإن الخاسر المحتمل لا يكون مركزًا ليبراليًا بعينه، وإنما البيئة التي تسمح للمؤسسات المستقلة بفحص سياسات الحكومة وانتقادها.

من الحرس الوطني إلى حرية التعبير

في ظاهرها، تبدو القضية خلافًا حول فعالية قوات الحرس الوطني في مكافحة الجريمة، لكن جوهرها السياسي والقانوني أوسع بكثير.

فالمركز يقول إن لديه تحليلًا قائمًا على بيانات، بينما يقول فريق ترمب إن التقرير يتضمن ادعاءات كاذبة ومسيئة للرئيس.

وبين الروايتين يقف التعديل الأول للدستور الأميركي، الذي يحمي حرية التعبير والصحافة، ويجعل إثبات التشهير ضد الشخصيات العامة أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنقاش سياسي عام.

ولهذا فإن المعركة المرتقبة، إذا وصلت إلى المحكمة، لن تكون مجرد مواجهة بين ترامب ومركز أبحاث، وإنما اختبارًا جديدًا لحدود استخدام القانون في النزاعات السياسية الأميركية.

السؤال الذي يتجاوز ترامب

القضية تطرح في النهاية سؤالًا يتجاوز شخص دونالد ترمب نفسه:

هل تستطيع مؤسسات البحث والتحليل الأميركية أن تنتقد سياسات الرئيس من دون أن تتحول كل دراسة غير مواتية إلى معركة قضائية؟

بالنسبة إلى إدارة ترامب، يتعلق الأمر بالدفاع عن سجلها في ملف الأمن والجريمة، وبمنع ما تعتبره معلومات مضللة عن سياساتها.

أما بالنسبة إلى مركز التقدم الأميركي وحلفائه، فالقضية تتعلق بحق المؤسسات المستقلة في تحليل أداء الحكومة، حتى عندما تكون نتائج التحليل محرجة للسلطة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *