«خاباروفسك» و«بوسيدون».. سلاح روسي تحت الماء يعيد سباق الردع النووي إلى الواجهة

images 1 3

لم تعد المنافسة النووية بين روسيا والولايات المتحدة تدور فقط حول الصواريخ الباليستية العابرة للقارات أو الغواصات النووية التقليدية، إذ تدفع موسكو منذ سنوات نحو تطوير منظومات قادرة على تغيير مسارات الهجوم نفسها.

وفي أحدث حلقات هذا المسار، ظهرت غواصة «خاباروفسك» في البحر، لتدخل رسميًا في دائرة الاهتمام الاستراتيجي باعتبارها منصة مصممة لحمل وإطلاق الطوربيدات النووية المسيرة «بوسيدون»، أحد أكثر الأسلحة الروسية إثارة للجدل.

وجاء هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية للأمن النووي العالمي، بعد انتهاء معاهدة «نيو ستارت» بين روسيا والولايات المتحدة في فبراير 2026م، لتصبح الترسانتان النوويتان الأكبر في العالم أمام مرحلة أكثر غموضًا من حيث القيود والضوابط الاستراتيجية.

«خاباروفسك».. غواصة صُممت لمهمة مختلفة

على خلاف الغواصات النووية الهجومية التقليدية، صُممت «خاباروفسك» أساسًا لتكون منصة بحرية قادرة على حمل مركبات مسيرة تعمل بالطاقة النووية، وعلى رأسها «بوسيدون».

وتشير التقارير إلى أن الغواصة تستطيع حمل ما يصل إلى ستة طوربيدات من هذا النوع، وهو ما يمنحها وظيفة استراتيجية تتجاوز مفهوم الغواصة التقليدية التي تعتمد على إطلاق الصواريخ من تحت الماء.

وبحسب ما أوردته تقارير روسية، فإن خروج الغواصة إلى البحر يمثل أول اختبار عملي بارز لها منذ بدء بنائها عام 2014م، الموافق 1435هـ، بعد سنوات من التأخير في برنامجها.

وهذا التأخير لا يلغي أهمية الخطوة بالنسبة إلى موسكو، إذ يعني انتقال المشروع من مرحلة التطوير والبناء إلى الاختبارات البحرية، وهي مرحلة أكثر ارتباطًا بإمكانية إدخال المنظومة إلى الخدمة الفعلية.

سفن عسكرية روسية
الغواصة الروسية

«بوسيدون».. لماذا يوصف بـ«سلاح يوم القيامة»؟

العنصر الأكثر إثارة في قصة «خاباروفسك» ليس الغواصة نفسها، وإنما السلاح الذي صُممت لحمله.

«بوسيدون» عبارة عن مركبة بحرية مسيرة تعمل بالطاقة النووية، ويمكنها التحرك تحت سطح البحر لمسافات شاسعة بدلًا من اتباع المسارات الجوية التقليدية للصواريخ الباليستية.

وتقول روسيا إن المنظومة صُممت لتقطع آلاف الكيلومترات، وبسرعات كبيرة، مع إمكانية العمل على أعماق تجعل رصدها واعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بوسائل الهجوم التقليدية.

ولهذا السبب اكتسب السلاح وصف «سلاح يوم القيامة»، وهو وصف ارتبط بالخطاب الروسي حول قدرته التدميرية الهائلة ودوره المحتمل كأداة ردع قصوى.

لكن هذا الوصف يحمل جانبًا دعائيًا أيضًا، إذ إن بعض القدرات والأرقام المتداولة بشأن «بوسيدون» مصدرها تصريحات أو وسائل إعلام روسية، ولا تتوافر بصورة علنية بيانات مستقلة كافية للتحقق من جميع التفاصيل التشغيلية للمنظومة.

سلاح يتجاوز الدفاعات التقليدية

تكمن الفكرة الأساسية وراء «بوسيدون» في تغيير مسار الهجوم النووي، فالصاروخ الباليستي يعتمد على مسار يمكن رصده بواسطة منظومات الإنذار المبكر والأقمار الصناعية والرادارات بعيدة المدى.

أما المركبة البحرية المسيرة، فتتحرك في بيئة مختلفة تمامًا، وتقترب من الهدف عبر أعماق البحار.

وهذا يمنح موسكو، من الناحية النظرية، مسارًا إضافيًا للردع يمكن أن يصعب التعامل معه بالمنظومات المصممة أساسًا لمواجهة الصواريخ الباليستية.

ومن هنا تنبع القيمة الاستراتيجية لـ«بوسيدون»: ليس بالضرورة من كونه أقوى سلاح نووي روسي، وإنما من كونه يوسع عدد الطرق التي يمكن من خلالها إيصال السلاح النووي إلى الهدف.

ستة «بوسيدون» تحت سطح البحر

تمنح قدرة «خاباروفسك» على حمل ما يصل إلى ستة طوربيدات «بوسيدون» الغواصة دورًا مهمًا في منظومة الردع الروسية.

فوجود هذه الأسلحة على منصة نووية قادرة على العمل في أعماق البحار يعني إمكانية توزيع قدرة الردع بعيدًا عن القواعد البرية، وربطها بالمساحات البحرية الواسعة التي يصعب مراقبتها بصورة مستمرة.

وهذا النوع من المنصات يندرج ضمن فلسفة روسية أوسع تقوم على ضمان قدرة موسكو على توجيه ضربة انتقامية حتى في حال تعرض جزء كبير من قواتها الاستراتيجية لهجوم أول.

ليست «بوسيدون» الورقة الوحيدة

ولا تقتصر أهمية «خاباروفسك» على الطوربيدات النووية المسيرة، فالتقارير التي تناولت الغواصة تشير إلى امتلاكها أو ارتباطها بقدرات تسليحية أخرى، بينها صواريخ كروز بعيدة المدى، بما فيها «كاليبر» و«أونيكس» و«تسيركون» الفرط صوتية.

وهذا يعني أن المنصة يمكن أن تجمع بين قدرات مختلفة: التخفي تحت سطح البحر، والقدرة على حمل منظومات استراتيجية، واستخدام أسلحة تقليدية بعيدة المدى.

وبذلك تصبح الغواصة جزءًا من تصور أوسع لتطوير منصات بحرية متعددة الوظائف، بدل حصر دورها في الردع النووي وحده.

مشروع تأخر سنوات.. لكنه لم يتوقف

بدأ بناء «خاباروفسك» عام 2014م، لكن المشروع واجه تأخيرات طويلة، وكان من المفترض أن تدخل الغواصة الخدمة في وقت أبكر، إلا أن البرنامج امتد لسنوات إضافية، وسط تعقيدات تتعلق بتصميم الغواصة وتطوير منظوماتها، إلى جانب التحديات التي تواجه الصناعات العسكرية الروسية.

غير أن انتقالها إلى مرحلة الاختبارات البحرية في 2026م، يعكس قرار موسكو المضي قدمًا في المشروع رغم هذه التأخيرات.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى البيئة الاستراتيجية التي ظهرت فيها، حيث تتراجع القيود التقليدية على سباق التسلح النووي بين موسكو وواشنطن.

GettyImages 2244060404
خاباروفسك

«خاباروفسك» بعد «نيو ستارت».. توقيت شديد الحساسية

كان انتهاء معاهدة «نيو ستارت» في فبراير 2026م، محطة مفصلية في مستقبل الردع النووي، فالمعاهدة كانت آخر إطار رئيسي يضع قيودًا على الترسانتين النوويتين الاستراتيجيتين لروسيا والولايات المتحدة.

ومع غياب هذا الإطار، يصبح تطوير منظومات جديدة للردع أكثر أهمية، خصوصًا تلك التي تسعى إلى تجاوز الوسائل التقليدية لاكتشاف الصواريخ واعتراضها.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى «خاباروفسك» باعتبارها مشروعًا بحريًا منفصلًا، بل باعتبارها جزءًا من مسار روسي طويل لتطوير أسلحة استراتيجية قادرة على اختراق منظومات الدفاع الموجودة.

من بوتين إلى «الأسلحة الخارقة»

كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن «بوسيدون» عام 2018م، ضمن مجموعة من الأسلحة الاستراتيجية الجديدة التي قدمتها موسكو آنذاك باعتبارها قادرة على تجاوز منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية.

وكان الهدف السياسي والعسكري من الإعلان واضحًا: التأكيد أن تطوير أنظمة دفاعية متقدمة لن يؤدي بالضرورة إلى تحييد القدرة الروسية على توجيه ضربة نووية.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح «بوسيدون» أحد أبرز عناصر الخطاب الروسي حول مستقبل الردع النووي، إلى جانب صواريخ وأنظمة أخرى جرى تقديمها باعتبارها قادرة على التحايل على منظومات الإنذار والاعتراض التقليدية.

هل يستطيع «بوسيدون» صناعة «تسونامي نووي»؟

ارتبط اسم السلاح أيضًا بادعاءات واسعة حول قدرته على إحداث موجات بحرية هائلة أو «تسونامي إشعاعي» عند تفجيره بالقرب من سواحل الخصم.

السلاح كما هو معلن ، مصمم ليكون مركبة نووية مسيرة تحت الماء، وأن الفكرة الاستراتيجية وراءه تقوم على الوصول إلى أهداف ساحلية عبر مسار بحري طويل يصعب اعتراضه بالوسائل التقليدية.

أما الحديث عن سيناريوهات تدمير مدن ساحلية بأمواج هائلة، فيبقى ضمن نطاق الادعاءات والسيناريوهات النظرية أكثر من كونه قدرة مثبتة علنًا.

سباق تسلح في بيئة نووية أكثر خطورة

أهمية «خاباروفسك» لا تتوقف عند حدود روسيا، حيث أن إدخال منظومة من هذا النوع إلى الاختبارات البحرية يأتي في وقت يتزايد فيه التنافس العسكري بين القوى الكبرى، وتتراجع فيه تدريجيًا الاتفاقيات التي كانت تحد من بعض جوانب سباق التسلح.

وتملك الولايات المتحدة بدورها أسطولًا ضخمًا من الغواصات النووية الاستراتيجية، وتعمل على تطوير أنظمة جديدة للردع والإنذار والاستطلاع.

ومن ثم، فإن ظهور سلاح مثل «بوسيدون» يمكن أن يدفع الخصوم إلى تطوير وسائل جديدة لاكتشاف المركبات البحرية المسيرة وتعقبها، بما يفتح مسارًا جديدًا من سباق التسلح تحت سطح البحر.

الرسالة الروسية الحقيقية

قد لا تكون الرسالة الأساسية التي تحملها «خاباروفسك» مرتبطة بقدرتها على استخدام «بوسيدون» في حرب فعلية بقدر ارتباطها بإثبات أن موسكو تمتلك خيارات متعددة للردع.

فالغواصة تقول، عمليًا، إن روسيا لا تريد أن يكون مستقبل الردع النووي محصورًا في الصواريخ الباليستية والغواصات التقليدية، وإنما تسعى إلى امتلاك منصات ومسارات هجوم جديدة يصعب على الخصم توقعها أو تحييدها.

وبينما لا يعني ظهور «خاباروفسك» أن حربًا نووية باتت وشيكة، فإنه يكشف عن اتجاه أكثر إثارة للقلق: انتقال المنافسة النووية من سباق امتلاك السلاح إلى سباق ابتكار طرق جديدة لإيصاله.

وهنا تكمن أهمية الغواصة الروسية الجديدة؛ فهي ليست مجرد قطعة بحرية أخرى في الأسطول الروسي، بل منصة تحمل معها تصورًا مختلفًا لمستقبل الردع، حيث يمكن أن يأتي الخطر النووي من مسار لا تمر به الصواريخ، ومن سلاح يتحرك في صمت تحت آلاف الأمتار من المياه.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *