أنسنة الجدران.. الوثنية القانونية وصناعة الرعب البنيوي

محكمة1

أي منطق يستوعب اتهام مواطن بجرح مشاعر “إدارة”؟ وهل تملك المؤسسات، بصفتها كائنات اعتبارية وجدران إسمنتية ومكاتب وظيفية، “مشاعرها وقلوبا” قابلة للإهانة والخدش؟

الجواب عن هذه الإشكالات يُلخص في عبارة دقيقة منحوثة تاريخيا في محاضر نقاشات قانون 1298هـ (1881م) الفرنسي: الوثنية القانونية. إذ في التفتيش في كواليس القانون يتبين أن المشرعين كانوا واعين بأنهم يمارسون مسرحية تشريعية؛ كانوا يعلمون يقينا أن “المؤسسة” هي مجرد هيكل وظيفي أصم وُجد لخدمة المرفق العام، ومع ذلك، تعمّدوا إسقاط الصفات البشرية والنفسية على أركان مادية – مناصب إدارية، آلات، جدران ومكاتب خشبية – وكأنها تملك كرامة شخصية يمكن أن تجرحها الكلمة أو تخدشها التدوينة.

هذا الارتداد نحو البدائية التشريعية يمارس عملية قلب مفاهيمية خبيثة؛ تحول المؤسسة (التي هي صناعة بشرية ومجاز قانوني) إلى كائن حي يملك وعياً وكبرياءً مجروحاً، في حين تحول الإنسان الحي (المواطن من لحم ودم) إلى جماد صامت لا قيمة له. فالمنظومة تصنع «ضحية وهمية» (الإدارة المجروحة) لتبرر بطشاً واقعياً (سجن المواطن).

وحين ينتقد مواطن أداء وزارة أو مسؤول، فهو يقيّم وظيفة عامة ممولة من ضرائبه وينتقد أداء المنصب السياسي (كالوزير بصفته الاعتبارية)، دون أن يمس أو يستهدف الذات الشخصية أو الحياة الخاصة للمسؤول نفسه.

اغتيال المحاسبة.. “خصخصة المنافع وتأميم النقد”

في الأنظمة السلطوية تعتبر هذه الأنسنة سياسة ممنهجة لاغتيال مفهوم “المحاسبة”. كأن ترتبط بظاهرة “دمج الثروة بالسلطة”؛ حيث تصبح المؤسسات واجهات لصفقات النخب النافذة ومصالحها الاقتصادية.

هنا، يمارس الاستبداد استراتيجية خبيثة للاختباء خلف الرمز، محولاً المؤسسة من فضاء للخدمة العامة إلى “مخبأ تشريعي” يفلت عبره الفاشلون والفاسدون من العقاب. تمارس الأنظمة هنا “خصخصة للمنافع” (حيث يستفيد المسؤول من امتيازات المنصب كأنه ملكه الخاص)، لكنها تمارس فوراً “تأميماً للنقد”؛ فحين ينتقده مواطن، لا يدافع المسؤول عن نفسه كشخص، بل يرفع شعار “الدولة والمرفق العام” ليحتمي خلفه.

وبناءً على هذه الحيلة، تنقل المعركة عمداً من ساحة “تقييم الأداء والسياسات الفاشلة” إلى زنزانة “المساس بالثوابت وإهانة الرموز”.

إذا رصدتَ بالدليل مستشفى عاماً يفتقر لأبسط التجهيزات الطبية ويموت على عتباته الفقراء، لن تجيبك السلطة عن ميزانية القطاع، بل ستتهمك بـ “إهانة قطاع الصحة وتشويه جهود الدولة”. وإذا فضحتَ قراراً إدارياً جائراً يفوح برائحة الزبونية، لن تُفتح محاسبة للمسؤول، بل ستُفتح لك أبواب السجن بتهمة “الطعن في مصداقية المرفق العام”.

هكذا، تُفرغ المحاسبة من أصلها المعرفي؛ حيث يصبح كشف الفساد الإداري والمالي “جرأة غير محمودة” على أصنام هلامية صُنعت خصيصاً لتكون فوق النقد.

ويكمن الخبث التشريعي الأكبر هنا في “السيولة الدلالية الكامنة” لـفظة الإهانة في المتون القانونية؛ إذ يتعمد المشرع ترك هذا المفهوم بلا أي تحديد إجرائي أو تعريف منضبط، مستعيراً عبارات مطاطية من سياقات الأخلاق الشخصية والآداب العامة—مثل “الحط من القدر” أو “النيل من الاحترام”—وإقحامها عمداً في حقل العمل السياسي والإداري.

هذا الفراغ الدلالي المقصود يتحول إلى “فخ قانوني” ومنطقة رمادية واسعة، تمنح جهاز الأمن والجهة القضائية سلطة تقديرية مطلقة لتكييف أي تساؤل مشروع، أو كشف لصفقة مشبوهة، أو حتى تعبير ساخر، كجريمة مكتملة الأركان تستوجب العقاب وحجب المساءلة.

فضلاً عن ذلك، تشكل هذه الممارسات خرقاً صريحاً لمبدأ المساواة أمام القانون؛ فالمواطن نفسه الذي يعاني التسويف وسوء المعاملة اليومية داخل الإدارات، لا يملك لمواجهتها سوى قضاء إداري تعويضي تتسم مساطره بالبطء الشديد—هذا إن لم يعزف أساساً عن سلوك هذا المسار جهلاً بحقوقه، أو خوفاً، أو إدراكاً منه لمشقة مسار يستهلك الجهد والوقت دون جدوى ملموسة.

وفي المقابل، سرعان ما تُسَلّط عليه المساءلة الجنائية بتهمة «إهانة المؤسسة» بمجرد توجيهه انتقاداً صادقاً ومبرراً لأداء الإدارة—وهي المفارقة الدستورية الخطيرة التي سنفكك كواليسها لاحقاً في هذه السلسلة.

اقرأ أيضا: جينوم “إهانة المؤسسات”.. كيف استورد الاستبداد العربي لاهوت الإقطاع النصراني؟

سيكولوجية التابع و”التأثير التجميدي”

يمتد خطر هذا الوضع ليرسّخ الخضوع النفسي لدى المواطن عبر إنتاج ما يُعرف بـ «سيكولوجية التابع» داخل المجتمع. فالمنظومة التشريعية—بإقحامها لهذه المصطلحات الفضفاضة—تُحوّل الوظيفة العمومية من كونها علاقة تعاقدية محضة (أنا أدفع الضرائب وأنت تقدم الخدمة)، إلى علاقة أبوية؛ تستشعر الإدارة من خلالها الاستحقاق في ألا يُقال لها «أُفٍّ»، وأن يُبَرَّ بها «أبناؤها» (المواطنون)، فتتحسس من كل نقد، وتُحرّم عليهم مجرد رفع الصوت في وجهها.

إذن، وإلى جانب اغتيال آليات المحاسبة، فإن الهدف المضمر وراء بث الشعور في الأركان المادية هو صناعة «تأثير تجميدي وترهيبي» (Chilling effect) على المجتمع بأكمله؛ وهو المفهوم العميق الذي بنت عليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها التاريخي عام 1434هـ (2013م) في قضية الناشط الفرنسي الذي رفع لافتة عفوية ساخرة في وجه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.

فقد أكدت المحكمة بوضوح، في الفقرتين (61 و68) من الحكم، أن اللجوء إلى العقوبات الجنائية في قضايا النقد السياسي ومساءلة المؤسسات يُحدث «شلالاً من الخوف» يُجمّد حرية التعبير بأكملها، ويصنع مناخاً عاماً يمنع أي عين صحفية من التفتيش وراء السياسات العامة.
وهو التهافت الذي هدمته المنظومة الأممية نفسها في تعليقها العام رقم 34 (المتعلق بالمادة 19 من العهد الدولي)، حين أقفلت اللعب وقررت بشكل قاطع: لا يجوز جنائياً حماية الكائنات الاعتبارية من النقد لأنها لا تملك كرامة شخصية قابلة للخدش، والحماية يجب أن تقتصر حصراً على البشر الطبيعيين.

ختاماً، إن استمرار قطار هذا الانقلاب التشريعي سيهدم سكة الحياة اليومية للمواطنين؛ إذ لا يُعقل أن يُحاكم الإنسان الحي دفاعاً عن كرامة «المكتب»، بينما تُهدر كرامته وتُنتهك حقوقه كل يوم على عتبات جدران صامتة!

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *