أذربيجان.. حين يصبح الحجاب عائقًا أمام التعليم: طالبات يُمنعن من المدارس ومعلمات يُخيّرن بين الحجاب والعمل

mekteb 75 900x675 1

أثارت إجراءات جديدة لتنظيم الزي المدرسي في أذربيجان موجة من الاحتجاجات والانتقادات، بعدما منعت إدارات مدارس حكومية طالبات محجبات من دخول الفصول الدراسية، وسط تقارير عن تعرض معلمات لضغوط لخلع الحجاب أو الاستقالة من وظائفهن، في بلد يشكل المسلمون الغالبية العظمى من سكانه.

ولم تقتصر تداعيات القرارات على الطالبات والمعلمات المتضررات؛ إذ شهدت إحدى مدارس العاصمة باكو احتجاجًا تضامنيًا رفض خلاله طلاب حضور دروسهم، مطالبين بالسماح لزميلاتهم المحجبات بمواصلة تعليمهن.

وتأتي هذه التطورات في أعقاب تعديلات حكومية أُقرت خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026، لتنظيم ملابس الطلاب والمعلمين في المؤسسات التعليمية الحكومية، دون أن تتضمن نصًا صريحًا يحظر الحجاب، لكنها تشترط الالتزام بما تسميه السلطات «الطابع العلماني للتعليم».

طالبات يغادرن المدارس باكيات

بدأت القضية تكتسب اهتمامًا واسعًا عقب تداول مقاطع مصورة لطالبات محجبات يُمنعن من دخول مدارسهن، وأخريات يغادرن المباني التعليمية وهن يبكين.

وفي 28 سبتمبر/أيلول، أفادت تقارير محلية بمنع طالبات محجبات من دخول المدرسة الثانوية رقم 6 بمدينة سومقاييت، شمال العاصمة باكو، بسبب ارتدائهن الحجاب.

ونشرت شبكة الجزيرة، في 30 سبتمبر، مقطعًا مصورًا يظهر طالبات يبكين بعد منعهن من دخول المدرسة، ما أثار تساؤلات بشأن مدى مشروعية حرمان الأطفال من التعليم بسبب لباسهم الديني.

وتكررت الشكاوى في مناطق أخرى، بينها جليل آباد جنوبي البلاد، حيث أظهرت مقاطع متداولة طالبات يُطلب منهن مغادرة المدرسة لارتدائهن الحجاب.

وبينما تواصلت المطالبات بالسماح للفتيات بالدراسة، لم يتضح عدد الطالبات المتضررات على مستوى البلاد، أو ما إذا كانت جميع المدارس تطبق التعليمات بالطريقة نفسها.

احتجاج طلاب مدرسة رقم 69 في باكو

في تطور لافت، شهدت المدرسة رقم 69 في بلدة بالاخاني بضواحي باكو، يوم الجمعة 9 أكتوبر/تشرين الأول، احتجاجًا طلابيًا تضامنًا مع فتيات قيل إن إدارة المدرسة رفضت السماح لهن بالدخول بسبب الحجاب.

ووفقًا لما نشرته منصة «ميدان تي في» الأذربيجانية، رفض عدد من الطلاب حضور الحصص الدراسية، مطالبين بإعادة زميلاتهم المحجبات إلى الفصول.

وأظهرت مقاطع متداولة طلابًا يقفون أمام المدرسة ويرفعون لافتة كُتب عليها: «الحجاب ليس عائقًا أمام التعليم».

ويمثل هذا الاحتجاج انتقال القضية من اعتراضات فردية للأسر المتضررة إلى تحركات تضامنية داخل الوسط المدرسي نفسه، حيث أصبح استمرار الطالبات في التعليم محورًا للخلاف بين بعض إدارات المدارس وأولياء الأمور والطلاب.

قرار سبتمبر.. حظر دون ذكر الحجاب

تعود أحدث التطورات إلى 21 سبتمبر/أيلول 2026، عندما أصدر مجلس الوزراء الأذربيجاني القرار رقم 309، الذي أدخل تعديلات على قواعد الزي المدرسي في مؤسسات التعليم العام الحكومية.

وبموجب التعديلات، يُمنع ارتداء ملابس أو إضافات تخالف الزي المدرسي الموحد أو تتعارض مع مبدأ علمانية التعليم العام.

كما تُحمّل القواعد أولياء الأمور مسؤولية ضمان التزام أبنائهم بالزي المعتمد، وتُسند إلى المجالس التربوية في المدارس معالجة المسائل المتعلقة بتطبيق هذه المتطلبات.

وكان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف قد وقّع في يوليو/تموز الماضي تعديلات على قانون التعليم العام، عززت الإطار القانوني لتنظيم ملابس الطلاب والمعلمين، وأكدت مبدأي الهوية الوطنية والعلمانية في النظام التعليمي.

المعلمات أيضًا.. الحجاب أم الوظيفة؟

لم تعد القضية مقتصرة على التلميذات، إذ امتدت إلى المعلمات بعد صدور قرار جديد عن مجلس الوزراء في 6 أكتوبر/تشرين الأول، حمل الرقم 325، ونظم متطلبات لباس العاملين في التدريس بالمؤسسات التعليمية الحكومية.

وتنص المادة 1.6 من القرار على ضرورة توافق لباس المعلمين، بما في ذلك العناصر الإضافية، مع مبدأ علمانية التعليم العام، بينما تتولى إدارات المدارس مراقبة الالتزام بهذه الشروط.

وفي أعقاب القرار، أفادت تقارير محلية بأن معلمات في مدارس بمدينة سومقاييت والمدرسة رقم 90 بمنطقة رامانا في باكو تلقين تعليمات بخلع الحجاب أو تقديم استقالاتهن.

ولم يصدر تأكيد رسمي مستقل بشأن جميع هذه الحالات، كما لم تُعلن وزارة العلوم والتعليم موقفًا تفصيليًا يوضح ما إذا كان الحجاب محظورًا على المعلمات بموجب القرار الجديد.

وتطرح هذه الشكاوى تساؤلًا إضافيًا حول حق المرأة المسلمة في العمل؛ فالمعلمة التي ترتدي الحجاب لا تواجه في هذه الحالة خلافًا بشأن ملابسها فحسب، بل احتمال فقدان مصدر رزقها ومهنتها إذا تمسك المسؤولون بتفسير يمنعها من التدريس بحجابها.

السلطات تتمسك بعلمانية التعليم

في المقابل، يدافع مؤيدو القواعد الجديدة عن توحيد الزي المدرسي باعتباره وسيلة للحفاظ على الانضباط والمساواة داخل المؤسسات التعليمية، ومنع التمييز بين الطلاب بناء على الخلفيات الاجتماعية أو الدينية.

وقال النائب الأذربيجاني جيهون محمدوف إن التعديلات تهدف إلى إزالة الفوارق الدينية والعرقية والاجتماعية والاقتصادية داخل المؤسسات التعليمية.

وفي 9 أكتوبر، أعلنت إدارة التعليم في باكو متابعة الالتزام بقواعد الزي المدرسي، مؤكدة مسؤولية إدارات المدارس والمجالس التربوية عن تطبيقها، ومسؤولية أولياء الأمور عن التزام أبنائهم.

غير أن البيان، وفق ما نقلته تقارير محلية، لم يقدم توضيحًا مباشرًا بشأن شكاوى منع الطالبات المحجبات من الدراسة أو الآليات التي تكفل استمرار تعليمهن عند وقوع خلاف حول الزي.

وفي 10 أكتوبر، أثار التلفزيون الحكومي الأذربيجاني «AzTV» جدلًا جديدًا بعدما نشر مقطعًا مصممًا بالذكاء الاصطناعي يقارن بين مدرستين، إحداهما تظهر بزي موحد، والأخرى بملابس مختلفة، مع إظهار طالبات محجبات ضمن المشهد الثاني.

وأرفق التلفزيون المقطع بسؤال عن المدرسة التي يفضل المشاهد الدراسة فيها، في خطوة أثارت نقاشًا حول الطريقة التي يُعرض بها الحجاب في الخطاب الإعلامي الرسمي.

هل تتعارض علمانية التعليم مع حرية ارتداء الحجاب؟

يفتح الجدل الحالي نقاشًا قانونيًا يتجاوز مسألة الزي المدرسي إلى العلاقة بين علمانية الدولة والحريات الدينية الفردية.

فالدستور الأذربيجاني ينص في المادة 18 على فصل الدين عن الدولة، وأن يكون نظام التعليم الحكومي ذا طابع علماني.

لكنه يكفل في المادة 48 حرية الضمير والمعتقد، وحق الأفراد في اعتناق الدين والتعبير عن معتقداتهم، فيما تضمن المادة 42 الحق في التعليم.

ومن هنا تنشأ الإشكالية الأساسية: هل يعني التزام المؤسسة التعليمية بالعلمانية ضرورة منع الطالبات من إظهار معتقداتهن الدينية، أم يمكن للدولة أن تحافظ على حياد مؤسساتها دون تقييد المظاهر الدينية الفردية؟

ويرى منتقدو القيود أن منع الطالبة من الدخول إلى الفصل بسبب حجابها يضع حقها في التعليم في مواجهة معتقدها الديني، وأن تطبيق قواعد الزي يجب ألا يؤدي إلى استبعاد الأطفال من المدارس.

كما يثير غياب النص الصريح بشأن الحجاب مخاوف من تفاوت التطبيق بين مدرسة وأخرى، بحسب تفسير الإدارات المحلية للقواعد، وهو ما يجعل الحاجة إلى توضيح قانوني رسمي أكثر إلحاحًا.

ليست المرة الأولى.. أزمة تعود إلى عام 2010

لا تمثل قضية الحجاب في المؤسسات التعليمية الأذربيجانية خلافًا جديدًا.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2010، أعلن وزير التعليم آنذاك، مصير مردانوف، عدم السماح للطالبات بارتداء الحجاب في المدارس، استنادًا إلى متطلبات الزي الموحد والطابع العلماني للتعليم.

وأثار الإعلان احتجاجات واسعة، بينها تجمعات أمام وزارة التعليم في باكو، شهد بعضها توقيف متظاهرين.

ووفقًا لتقرير سابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، تسببت القيود التي فُرضت حينها في انقطاع آلاف الطالبات عن الدراسة.

ويكشف تجدد الأزمة بعد نحو 16 عامًا أن الخلاف المتعلق بالحجاب في التعليم لم يُحسم بصورة تكفل التوفيق بين التنظيم المدرسي والحقوق الدينية، وأن استمرار الغموض في القواعد قد يؤدي إلى تجدد المواجهة كلما صدرت تعليمات جديدة.

احتجاجات تتجاوز أسوار المدارس

امتدت الاعتراضات على الإجراءات الأخيرة إلى أوساط حقوقية وإعلامية داخل أذربيجان وخارجها.

فقد شهدت إسطنبول وقفة احتجاجية أمام القنصلية الأذربيجانية، دعا المشاركون فيها إلى رفع القيود المفروضة على المحجبات.

وفي تطور آخر، أعلن الصحفي الأذربيجاني المسجون بولاد أصلانوف بدء إضراب عن الطعام في 8 أكتوبر، احتجاجًا على ما اعتبره انتهاكًا لحقوق الطالبات والمعلمات المحجبات.

وقال أصلانوف، في بيان نقلته زوجته، إن القيود تضع المحجبات أمام الاختيار بين التعليم أو المهنة وبين التمسك بالحجاب، معتبرًا أنها تتعارض مع الضمانات الدستورية لحرية المعتقد.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاعتراض، وتحول القضية من إجراءات إدارية داخل المدارس إلى مسألة حقوقية تحظى باهتمام متزايد.

مستقبل الطالبات بين قرارات المدارس وحق التعليم

في ظل استمرار الجدل، لا تزال أسئلة أساسية دون إجابات واضحة: هل ستصدر وزارة التعليم تفسيرًا رسميًا يحدد موقفها من الحجاب؟ وهل ستُسمح للطالبات اللواتي مُنعن من دخول المدارس بالعودة إلى فصولهن؟ وما مصير المعلمات اللواتي أفدن بتلقيهن أوامر بخلع الحجاب أو الاستقالة؟

ولا تتوفر حتى 10 أكتوبر/تشرين الأول معلومات موثقة تسمح بتحديد إجمالي عدد الطالبات والمعلمات المتضررات، كما لم يُعلن عن حل شامل ينهي الخلاف في المدارس التي شهدت حالات منع.

وبينما تواصل السلطات التأكيد على علمانية التعليم وتوحيد الزي، يرى معارضو القيود أن حرمان فتاة من الدراسة بسبب غطاء رأسها يتجاوز مسألة الانضباط المدرسي إلى المساس بحق أساسي.

وتبقى القضية، في جوهرها، مرتبطة بقدرة المؤسسات التعليمية على استيعاب الطالبات على اختلاف معتقداتهن، دون أن يصبح الزي سببًا في انقطاعهن عن الدراسة أو حرمانهن من فرص التعليم.

فالسؤال الذي تطرحه مشاهد الطالبات الباكيات أمام أبواب المدارس ليس متعلقًا بالحجاب وحده، بل بما إذا كانت المدرسة ستظل مكانًا متاحًا لجميع الأطفال، أم ستصبح حرية المعتقد سببًا لإقصاء بعضهم من مقاعد الدراسة.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *