أتر برديش.. لماذا تتكرر فيها قضايا هدم المساجد والمنازل؟

6goCB6 SHtD6WJy3qExqGo7ppz0MReAj 766ntvMEFi2RjtWpTE5OgquLcDTtqBtH0zQUMBd0LaTu8 HaLHWdhLPRkiETNo1sj5m582o0P36e2C k2QvvEBKWIhi32AJ7w0AMmKg8Xa26FCVQY7silXbz 9DsU687WlQU0c2tnAqKuSnTGFTRPBjCg49ZmH1

من هدم منزل ناشط مسلم في مدينة براياجراج بعد احتجاجافبرت عام 2022م، الموافق 1443هـ، إلى إزالة مساجد ومدارس دينية في سامبال خلال عامي 2025م، الموافق 1446هـ، و2026م، الموافق 1447هـ، وصولًا إلى هدم مسجد داخل مجمع الإدارة المحلية في سهارنبور في سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق ربيع الأول 1448هـ، أصبحت مشاهد الجرافات وهي تهدم مباني مرتبطة بالمسلمين مشهدًا متكررًا في ولاية أتر برديش، أكثر ولايات الهند سكانًا.

تقول حكومة الولاية إن ما يجري ليس استهدافًا دينيًا، وإنما تطبيق لقوانين البناء واسترداد الأراضي الحكومية وإزالة التعديات والمنشآت غير المرخصة. لكن منظمات حقوقية ومعارضين ومحامين يتحدثون منذ سنوات عن ظاهرة مختلفة أطلق عليها في الهند اسم «عدالة الجرافات» أو Bulldozer Justice، معتبرين أن أدوات التخطيط العمراني وإزالة المخالفات استُخدمت في بعض الحالات كوسيلة للعقاب خارج القضاء، وكان المسلمون من أبرز المتضررين منها.

وقد وصل الجدل إلى المحكمة العليا الهندية، التي تدخلت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024م، الموافق جمادى الأولى وجمادى الآخرة 1446هـ، ووضعت ضوابط على عمليات الهدم، مؤكدة أن الدولة لا تستطيع هدم منزل شخص لمجرد اتهامه أو حتى إدانته بارتكاب جريمة، وأن تحديد العقوبة من اختصاص القضاء لا السلطة التنفيذية.

فلماذا تتكرر عمليات الهدم تحديدًا في أتر برديش؟ وكيف انتقلت الجرافة من أداة لإزالة المباني المخالفة إلى أحد أبرز رموز السياسة في الولاية؟

أتر برديش.. ولاية يعيش فيها عشرات الملايين من المسلمين

لفهم القضية، لا بد أولًا من فهم طبيعة أتر برديش نفسها.

تقع الولاية شمالي الهند، ويزيد عدد سكانها على 200 مليون نسمة، ما يجعلها أكبر الولايات الهندية من حيث السكان. ووفق آخر تعداد سكاني هندي مكتمل، الصادر عام 2011م، الموافق 1432هـ، كان المسلمون يمثلون نحو 19% من سكانها؛ أي عشرات الملايين من الأشخاص.

وفي مناطق غرب الولاية ترتفع نسبتهم بصورة أكبر، خصوصًا في مدن ومقاطعات مثل رامبور ومراد آباد وسهارنبور وبجنور وأمروها وسامبال.

ولذلك فإن أي سياسة تتعلق بالمساجد أو الأوقاف أو الأحياء القديمة أو النزاعات على الأراضي تمس عددًا كبيرًا من المسلمين بصورة مباشرة.

لكن العامل الديموغرافي وحده لا يفسر الظاهرة.

فأتر برديش أصبحت خلال السنوات الماضية أيضًا أحد أهم مختبرات السياسة القومية الهندوسية في الهند.

صعود يوغي أديتياناث

منذ عام 2017م، الموافق 1438هـ، يتولى رئاسة حكومة أتر برديش يوغي أديتياناث، القيادي في حزب بهاراتيا جاناتا ورجل الدين الهندوسي المعروف بخطابه القومي الهندوسي.

وفي عهده أصبحت الجرافة رمزًا سياسيًا واضحًا.

بدأت الحكومة باستخدام عمليات الهدم بصورة واسعة ضمن حملاتها المعلنة ضد البناء غير القانوني والاستيلاء على الأراضي وممتلكات من تصفهم السلطات بالمجرمين والعصابات.

ومع مرور الوقت اكتسب أديتياناث نفسه في الإعلام الهندي لقب «Bulldozer Baba» أو «بابا الجرافة»، وأصبحت الجرافات تظهر أحيانًا في التجمعات السياسية بوصفها رمزًا للحزم وفرض القانون.

لكن المشكلة بدأت عندما أصبحت عمليات الهدم تقع أيضًا عقب احتجاجات أو اضطرابات، ويكون المستهدفون أشخاصًا تتهمهم الشرطة بالمشاركة فيها.

هنا ظهر السؤال: هل تهدم الدولة المبنى لأنه مخالف فعلًا، أم أن المخالفة العمرانية أصبحت وسيلة لمعاقبة صاحبه على فعل آخر لم يصدر بشأنه حكم قضائي؟

براياجراج 2022.. القضية التي أصبحت رمزًا

من أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في يونيو/حزيران 2022م، الموافق ذي القعدة وذي الحجة 1443هـ.

شهدت مدن هندية احتجاجات للمسلمين عقب تصريحات مسيئة للنبي محمد ﷺ أدلت بها نوبور شارما، التي كانت آنذاك مسؤولة في حزب بهاراتيا جاناتا.

وفي براياجراج بأتر برديش، اندلعت أعمال عنف خلال الاحتجاجات، واتهمت السلطات الناشط المسلم جاويد محمد بأنه من مدبريها.

وفي اليوم التالي تقريبًا لتحول القضية إلى قضية سياسية وأمنية كبيرة، وصلت الجرافات إلى المنزل الذي كانت أسرته تقيم فيه وهدمته السلطات، قائلة إن المبنى مخالف لقواعد البناء.

وقدمت حكومة أتر برديش لاحقًا إفادة أمام القضاء قالت فيها إن عملية الهدم كانت إجراءً مستقلًا ضد بناء غير قانوني ولا علاقة لها بالاحتجاجات، وإن سلطات التنمية اتبعت القانون. أما عائلة جاويد فاتهمت السلطات بعدم اتباع الإجراءات القانونية اللازمة.

تحولت القضية إلى أحد أشهر الأمثلة على ما بات يسمى «عدالة الجرافات».

والسبب بسيط: حتى إذا كان المنزل يحتوي على مخالفات إنشائية، فإن توقيت الهدم بعد اتهام أحد أفراد الأسرة في الاحتجاجات أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت قوانين البناء تُستخدم لتحقيق عقوبة لم يحكم بها القضاء.

ماذا وجدت منظمة العفو الدولية؟

في 2024م، الموافق 1445–1446هـ، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقًا موسعًا بشأن عمليات الهدم في الهند.

درست المنظمة هدم 128 عقارًا في خمس مناطق وولايات هي أتر برديش وآسام وغوجارات وماديا برديش ودلهي، في أعقاب احتجاجات وأحداث عنف طائفي وقعت بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2022م، الموافق رمضان إلى ذي القعدة 1443هـ.

وقالت إن العمليات أثرت في ما لا يقل عن 617 شخصًا.

وخلصت المنظمة إلى أن ممتلكات لمسلمين، من منازل ومحال وأماكن عبادة، تعرضت لما وصفته بعمليات هدم عقابية وتعسفية، وقالت إن السلطات استخدمت في حالات وثقتها مخالفات البناء والتعدي على الأراضي مبررًا للهدم، لكنها لم تلتزم بالضمانات القانونية اللازمة في عدد من الحالات.

وتحدث التقرير كذلك عن استهداف أحياء ذات كثافة مسلمة، وعن حالات قالت المنظمة إن ممتلكات لمسلمين استُهدفت فيها بينما بقيت ممتلكات أخرى مجاورة.

الحكومة الهندية وحكومات الولايات المعنية رفضت بصورة عامة توصيف عمليات الهدم بأنها عقاب للمسلمين، وتقول السلطات إن الإجراءات تستهدف المنشآت المخالفة بصرف النظر عن هوية أصحابها.

وهذه نقطة مهمة في فهم القضية: وجود مخالفة بناء في بعض الحالات لا يحسم وحده الجدل حول قانونية الهدم أو دوافعه؛ إذ يدور النزاع أيضًا حول الانتقائية، والتوقيت، والإشعار، وحق الاعتراض، ومنح السكان الوقت الكافي للجوء إلى القضاء.

لماذا توجد أصلًا كل هذه النزاعات على الأراضي؟

هناك جانب آخر من القضية أقل ظهورًا في الصور المتداولة.

كثير من مدن أتر برديش قديمة للغاية، وتوجد فيها أحياء ومساجد ومدارس دينية ومقابر ومنشآت عمرها عقود، وبعضها أقيم في أوقات لم تكن فيها سجلات الأراضي والتراخيص الحديثة بالصورة الموجودة اليوم.

وعندما تبدأ السلطات بمراجعة ملكية الأرض، قد يظهر نزاع بين عدة أنواع من السجلات: سجلات الإيرادات الحكومية، وبيانات البلديات، ووثائق لجان المساجد، وسجلات الأوقاف، وشهادات السكان بشأن الاستخدام التاريخي للمكان.

لذلك لا ينبغي افتراض أن كل مسجد هُدم في أتر برديش يمثل الحالة القانونية نفسها.

فبعض القضايا تتعلق فعلًا ببناء قالت المحاكم أو السلطات إنه قائم على أرض حكومية، وبعضها يتعلق بجزء من بناء متجاوز للحدود المسموح بها، وبعضها بنزاعات ملكية، بينما أثارت حالات أخرى اعتراضات قضائية وحقوقية بسبب طريقة تنفيذ الهدم أو غياب الإجراءات القانونية الكافية.

سامبال.. مركز جديد لعمليات الهدم

برزت مقاطعة سامبال بصورة خاصة خلال عامي 2025م و2026م (1446- 1447هـ).

في أكتوبر/تشرين الأول 2025م، الموافق ربيع الآخر وجمادى الأولى 1447هـ، هدم سكان ولجنة مسجد في قرية راوا بوزورغ مسجدًا بأنفسهم بعد أن اعتبرت الإدارة أنه مقام على أرض عامة، وبعد عدم حصولهم على الحماية التي سعوا إليها أمام محكمة الله آباد العليا.

ثم توسعت حملات إزالة التعديات.

وفي أبريل/نيسان 2026م، الموافق شوال وذي القعدة 1447هـ، أعلنت إدارة سامبال إزالة منشآت دينية قالت إنها شُيدت بصورة غير قانونية على أراضٍ عامة في قريتين، وشملت مسجدًا ومدارس دينية وإمام بارا ومنشآت مرتبطة بمصلى للعيد. وقالت الإدارة إن الإجراءات جاءت ضمن توجيهات حكومية لإخلاء الأراضي العامة من التعديات.

وفي يونيو/حزيران جاءت قضية أخرى أكثر إثارة للجدل، عندما هدمت السلطات مسجد مصطفى قادري في قرية كاسيروا.

قالت الإدارة إن المسجد أقيم على أرض حكومية مخصصة للمقبرة، وإن الطعون القانونية التي قدمتها لجنة المسجد رُفضت قبل تنفيذ الإزالة. بينما قال سياسيون من حزب ساماجوادي المعارض إن اللجنة والسكان حاولوا قانونيًا وقف الهدم وإن السلطات لم تمنحهم فرصة كافية.

وبذلك لم تعد عمليات الهدم في سامبال أحداثًا منفردة، وإنما جزءًا من حملة أوسع تقول الحكومة إنها تستهدف التعديات على الأراضي العامة.

المسلمون في الهند خلال عهد مودي.. تصاعد المخاوف بشأن الحقوق والحريات

سهارنبور.. مسجد يُهدم داخل مجمع حكومي

image 57

وفي 5 سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق 23 ربيع الأول 1448هـ، عادت القضية إلى الواجهة بقوة.

دخلت الجرافات إلى مجمع مقر إدارة مقاطعة سهارنبور، وسط انتشار أمني كثيف، وهدمت مسجدًا قائمًا داخل المجمع.

قالت السلطات إن المسجد كان منشأة غير مرخصة أقيمت على نحو 315 مترًا مربعًا من الأرض الحكومية، وإن قاضي المدينة أصدر في يوليو/تموز 2026م، الموافق ذي الحجة 1447هـ، أمرًا بإخلاء الموقع، قبل أن ترفض محكمة المقاطعة في 2 سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق 20 ربيع الأول 1448هـ، الطعن المقدم من لجنة المسجد. وبعد ثلاثة أيام، نُفذ الهدم في 5 سبتمبر/أيلول 2026م، الموافق 23 ربيع الأول 1448هـ.

لكن لجنة المسجد اعترضت على رواية الإدارة.

وقال متولي المسجد تنوير أحمد إن المسجد قديم وإن الإجراءات القانونية لم تُستكمل، وإن قرار المحكمة الأخير رفض الطعن لكنه لم يصدر أمرًا صريحًا بهدم المسجد. وأعلنت اللجنة نيتها اللجوء إلى القضاء الأعلى.

وهذه الحالة مهمة لأنها توضح تعقيد الظاهرة: فالإدارة تستند إلى قرار قانوني باعتبار إشغال الأرض غير مصرح به، وفي المقابل يدور النزاع حول ما إذا كان ذلك يجيز الطريقة والتوقيت اللذين نُفذ بهما الهدم.

المحكمة العليا تتدخل: «الجرافة» ليست محكمة

مع اتساع الظاهرة في عدد من الولايات الهندية، وصلت القضية إلى المحكمة العليا.

وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2024م، الموافق 11 جمادى الأولى 1446هـ، أصدرت المحكمة حكمًا مهمًا وضعت فيه قواعد موحدة لعمليات الهدم.

أكدت المحكمة أن مجرد اتهام شخص بارتكاب جريمة لا يعطي السلطة التنفيذية حق هدم منزله، وأن الدولة لا تستطيع أن تحل محل القضاء وتحدد العقوبة بنفسها.

وطالبت السلطات، في الحالات التي تشملها الضوابط، بتوجيه إشعار مسبق قبل الهدم، ومنح صاحب العقار فرصة للاعتراض، وتوثيق عملية الهدم بالفيديو، والالتزام بالإجراءات القانونية.

وكان جوهر الحكم أن هدم منزل أسرة بأكملها بسبب اتهام أحد أفرادها لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة للعقاب الجماعي.

لكن المحكمة استثنت من بعض هذه الضمانات حالات التعدي الواضح على الأماكن العامة، مثل الطرق والشوارع والأرصفة وخطوط السكك الحديدية والمسطحات المائية، وكذلك الحالات التي يكون فيها الهدم صادرًا بأمر من محكمة.

ولهذا بقي الباب مفتوحًا أمام عمليات إزالة التعديات القانونية، لكن ضمن حدود وإجراءات أوضح.

المحكمة تدين السلطات في أتر برديش نفسها

ولم يبق تحذير القضاء نظريًا.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024م، الموافق جمادى الأولى 1446هـ، انتقدت المحكمة العليا سلطات أتر برديش في قضية هدم منزل في منطقة ماهاراجغانج لتوسعة طريق دون اتباع الإجراءات اللازمة، ووصفت ما حدث بأنه «خروج عن القانون»، وأمرت بدفع تعويض قدره 2.5 مليون روبية لصاحب المنزل.

ثم جاءت قضية أكثر دلالة في أبريل/نيسان 2025م، الموافق شوال وذي القعدة 1446هـ.

إذ نظرت المحكمة في هدم ستة منازل في براياجراج، واعتبرت طريقة التنفيذ «غير إنسانية وغير قانونية» وقالت إنها «تصدم ضميرنا»، بعدما رأت أن السكان لم يحصلوا على فرصة معقولة للدفاع عن موقفهم.

وأمرت هيئة تنمية براياجراج بدفع مليون روبية لكل واحد من ستة متضررين، أي ستة ملايين روبية إجمالًا، مؤكدة أن الحق في المأوى جزء من الحق في الحياة الذي تحميه المادة 21 من الدستور الهندي.

هذه الأحكام مهمة لأنها تثبت أن الجدل بشأن عمليات الهدم ليس سياسيًا أو إعلاميًا فقط؛ فقد وجدت أعلى محكمة في الهند نفسها في بعض الحالات أن سلطات أتر برديش تجاوزت القانون.

لكن ذلك لا يعني، في المقابل، أن كل عملية هدم تجري في الولاية غير قانونية؛ فهناك حالات استندت فيها الإدارة إلى قرارات قضائية أو إلى نزاعات مثبتة بشأن أراض حكومية.

لماذا تتكرر الظاهرة إذن؟

يمكن اختصار الأسباب في تداخل عدة عوامل.

أولها أن حكومة أتر برديش جعلت إزالة التعديات والبناء غير القانوني جزءًا بارزًا من خطابها الأمني والسياسي، وأصبحت الجرافة رمزًا معلنًا للحزم.

وثانيها أن الولاية تضم عشرات الملايين من المسلمين، وبينهم تجمعات كبيرة في مدن قديمة تتداخل فيها مشكلات الملكية والتخطيط والأوقاف والأراضي الحكومية.

وثالثها أن السلطات تستخدم مجموعة واسعة من قوانين التخطيط العمراني والأراضي والممتلكات العامة لتنفيذ عمليات الإزالة. فعلى سبيل المثال، يسمح قانون التخطيط والتنمية الحضرية في أتر برديش باتخاذ إجراءات ضد البناء الذي تم من دون تصريح، لكنه ينص كذلك على إجراءات وإشعارات وفترات زمنية وحق في الاستئناف.

أما العامل الرابع والأكثر إثارة للجدل فهو تزامن بعض عمليات الهدم مع اتهامات جنائية أو احتجاجات أو توترات طائفية.

وهذا هو ما حول القضية من مسألة بلدية تتعلق بالبناء إلى قضية حقوقية وسياسية على مستوى الهند.

المسجد والمنزل والقضية نفسها

image 58

قد يبدو للوهلة الأولى أن هدم مسجد بسبب نزاع على أرض حكومية يختلف تمامًا عن هدم منزل شخص متهم بالمشاركة في احتجاج.

قانونيًا، هما بالفعل قضيتان مختلفتان. لكن اجتماعهما تحت عنوان واحد في أتر برديش يعود إلى السؤال الذي يطرحه منتقدو الحكومة باستمرار:

هل تطبق قوانين البناء والأراضي بالطريقة نفسها على الجميع، أم أنها تطبق بصورة انتقائية وأكثر صرامة عندما يتعلق الأمر بالمسلمين أو بمعارضي الحكومة؟

الحكومة تقول إن القانون واحد، وإن الانتماء الديني لا علاقة له بالإجراءات.

أما منظمة العفو الدولية ومعارضون وجماعات حقوقية فيقولون إن النمط الذي وثقوه، والتوقيت السياسي لبعض العمليات، وخطاب بعض المسؤولين، يشير إلى استخدام الهدم بصورة تمييزية أو عقابية في حالات معينة.

وبين الموقفين، أصبحت المحاكم ساحة حاسمة للفصل في كل حالة على حدة.

أكثر من مجرد مبانٍ

تترك عمليات الهدم أثرًا يتجاوز خسارة الجدران.

عندما يهدم منزل، قد تفقد أسرة في دقائق المكان الذي عاشت فيه سنوات، وقد تضيع معها وثائق وممتلكات ومصدر رزق. وعندما يهدم متجر، يمكن أن تفقد الأسرة دخلها. وعندما يتعلق الأمر بمسجد أو مدرسة دينية، يتحول النزاع من مسألة عقارية إلى قضية دينية واجتماعية شديدة الحساسية.

ولهذا ركزت المحكمة العليا الهندية في أحكامها على مفهوم «الحق في المأوى» وكرامة الإنسان، وليس فقط على ملكية الأرض.

كما أن هذا يفسر القوة الرمزية للجرافة في الهند المعاصرة: فهي بالنسبة لمؤيدي حكومة أتر برديش رمز لسلطة الدولة في مواجهة المخالفات والجريمة؛ وبالنسبة لمنتقديها أصبحت رمزًا لعقوبة سريعة يمكن أن تسبق المحكمة.

من براياجراج إلى سهارنبور

ما حدث في سهارنبور في سبتمبر/أيلول 2026 (ربيع الأول 1448هـ) ليس إذن حادثة ظهرت من فراغ.

فهو يأتي بعد سنوات أصبحت خلالها عمليات الهدم واحدة من أكثر أدوات الإدارة إثارة للجدل في أتر برديش، وبعد تدخلات متكررة من المحاكم، وتقارير حقوقية، ونزاعات حول المساجد والأوقاف والأراضي العامة.

لكن الصورة الأوسع تظل أكثر تعقيدًا.

فالسؤال الذي يلاحق «سياسة الجرافة» في أتر برديش ليس ما إذا كانت الدولة تملك حق إزالة بناء غير قانوني؛ بل السؤال هو: من يُستهدف؟ ومتى؟ ولماذا؟ وهل يحصل صاحب المنزل أو المسجد على الإشعار والوقت وحق الاعتراض والمحاكمة نفسها التي يضمنها القانون؟

ولهذا فإن الجدل حول هدم المساجد والمنازل في أتر برديش هو، في جوهره، جدل حول حدود سلطة الدولة نفسها: هل تبقى الجرافة أداة لتنفيذ حكم القانون، أم تتحول إلى عقوبة تسبق الحكم؟ عقوبة لكونك مسلم في الهند!

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *