تكشف مشاهد الاحتجاجات التي اجتاحت فرنسا يوم السبت 17 أكتوبر 2026م، الموافق 6 جمادى الأولى 1448هـ، عن مفارقة أخلاقية تستحق التأمل؛ فبينما خرج مئات الآلاف احتجاجًا على غلاء المعيشة وتدهور الخدمات وسياسات الحكومة، تحولت شوارع في مدن فرنسية إلى ساحات للنهب والتخريب، وأصبح الاعتراض على فساد السلطة يمنح المحتجين رخصة للاعتداء على ممتلكات الآخرين!
في باريس، وثّق مراسلو وكالة فرانس برس مجموعات من الشبان الملثمين يعطّلون كاميرات المراقبة قبل تحطيم واجهات المتاجر واقتحامها ونهب محتوياتها. ولم تسلم من ذلك محلات المواد الغذائية والصيدليات ومتاجر الملابس والإلكترونيات. ونقلت صحيفة «لوموند» مشهد صاحب متجر للذهب يحاول إصلاح بابه الحديدي المحطم، حزينًا أمام الخراب الذي لحق بمحله، بينما كان آخرون يبحثون عن متاجر فاخرة لاقتحامها وسرقتها.
وامتدت مشاهد الفوضى إلى مدن أخرى؛ ففي ليموج تعرّض مبنى البلدية التاريخي لحريق هائل، وفي ليون أُحرق مكتب السياحة، وفي مرسيليا اقتحم مخربون مبنى البلدية وعبثوا بمحتوياته، فضلًا عن أعمال نهب وتكسير طالت المحلات والمرافق العامة في مدن متعددة.
لكن السؤال الأهم هنا ليس عن حجم الخسائر، بل عن طبيعة التربية التي تجعل الإنسان الفرنسي يطالب بالعدالة وهو يعتدي على حقوق غيره!
كيف يحتج الفرنسي على تدهور معيشته، ثم يحطم متجر فرنسي آخر يعيش من رزقه؟ وكيف يرفض الظلم الواقع عليه، ثم يمارس الظلم بنفسه؟ وما قيمة شعارات العدالة والحرية إذا كانت تنهار أمام أول فرصة للسرقة والاعتداء؟
إن سلوك المجموعات التي مارست النهب يكشف خللًا أخلاقيًا وتربويًا عميقًا، حين يغيب الضابط الداخلي الذي يمنع الفرنسي من الاعتداء حتى عندما تسنح له الفرصة، وحين تتحول المطالب المشروعة إلى غطاء للفوضى والجشع.
وهنا تبرز العبرة: لا يُقاس صلاح المجتمعات وتقدمها وتحضرها، بمجرد رفع شعارات "قيم الجمهورية الفرنسية" التي يتباهى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ولا حتى في قدرتها على الثورة على الظلم، وإنما بقدرتها على اجتناب الظلم حين تمتلك فرصة ممارسته. فالمجتمع الذي لم يتربَّ أفراده على الأمانة والعدل واحترام حقوق الآخرين، قد ينجح في إسقاط حكومة فاسدة، لكنه لن يضمن أن يكون من يحل محلها أصلح منها.
لقد وثّقت الاحتجاجات في فرنسا أن الحكومة الفرنسية أمام تحدٍّ كبير وأزمة عميقة، تمتد لأجيال .. وأن امتهان السخرية من الإسلام والقول بأنه يعاني الأزمات لم تكن سوى محاولة لتضليل العالم عن حقيقة "متلازمة الأزمات" التي تعاني منها فرنسا. قيادة وشعبا.
"قيم الجمهورية" في الاحتجاجات الفرنسية!
لم يُحفظ التغيير. اسمح للمتصفح بتخزين بيانات الموقع، ثم حاول مرة أخرى.




