بعد مكة المكرمة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، والمدينة المنورة، دار الهجرة وعاصمة الدولة الإسلامية الأولى، تصل خريطة «حواضر الإسلام عبر التاريخ» إلى مدينة لا تشبه سواها.. مدينة اجتمع فيها تاريخ الأنبياء، وارتبط اسمها بالإسراء، وكانت قبلة المسلمين الأولى، ثم أصبحت عبر القرون مسرحًا لصراع طويل على الأرض والهوية والذاكرة.

القدس.. مدينة الأنبياء وبوابة الإسراء

تقع القدس في قلب فلسطين، وتحتل مكانة خاصة في العقيدة والتاريخ الإسلامي.

فإليها أُسري بالنبي محمد ﷺ، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، ومنها ارتبطت رحلة المعراج في الذاكرة الإسلامية.

ولهذا لم تكن القدس مدينة فتحها المسلمون ثم مضوا، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من الجغرافيا الدينية للمسلمين.

المسجد الأقصى

الفتح الإسلامي.. حين دخل عمر بن الخطاب القدس

في 15هـ/636م حقق المسلمون انتصارًا حاسمًا على البيزنطيين في معركة اليرموك، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ بلاد الشام.

وبعدها أصبحت القدس في رحاب الدولة الإسلامية التي تُدار من المدينة المنورة، حتى تم فتح المدينة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في 16هـ/637م أو 17هـ/638م - بحسب اختلاف الروايات والتأريخات.

وترتبط عملية الفتح في المصادر الإسلامية بحضور عمر رضي الله عنه إلى القدس، حيث تسلم مفاتيح المدينة من بطريركها صفرونيوس.

وكان دخول القدس نقطة تحول كبرى، إذ أصبحت المدينة جزءًا من الدولة الإسلامية، وانضمت إلى المجال الحضاري الذي كان يتشكل آنذاك في بلاد الشام.

الأمويون.. حين تحولت القدس إلى حاضرة إسلامية

لم يكتف المسلمون بالحفاظ على القدس، بل شهدت المدينة في العصر الأموي واحدة من أهم مراحلها العمرانية.

ففي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان شُيدت قبة الصخرة، واكتمل بناؤها في 72هـ/691م تقريبًا، لتصبح واحدة من أعظم روائع العمارة الإسلامية المبكرة.

ولم تكن قبة الصخرة مجرد بناء معماري، حيث حملت حضورًا دينيًا وسياسيًا وحضاريًا بالغًا، وأصبحت مع الزمن أحد أشهر رموز القدس والعالم الإسلامي. وتشير إدارة أوقاف القدس إلى أن بناءها تم في العصر الأموي بأمر عبد الملك بن مروان، بإشراف رجاء بن حيوة ويزيد بن سلام.

ثم شهد المسجد الأقصى توسعات وبناءً في العصر الأموي، فأصبحت المنطقة المقدسة في القدس واحدة من أبرز مراكز العمارة الإسلامية المبكرة.

وهنا بدأت القدس تأخذ شكل الحاضرة الإسلامية التي تجمع الدين والعمران والعلم والسياسة.

القدس.. مدينة العلم والرباط

لم تكن أهمية القدس مرتبطة بالحرم وحده، فقد كانت مقصدًا للعلماء والعباد والرحالة، واحتضنت حلقات العلم والرواية.

كما احتفظت المدينة بموقعها على طرق القوافل والحجاج بين مصر والشام والحجاز، فأصبحت نقطة اتصال بين أقاليم العالم الإسلامي.

وفي العصور الإسلامية اللاحقة، خصوصًا في العصرين الأيوبي والمملوكي، ازدادت المؤسسات العلمية والدينية حول المسجد الأقصى، وانتشرت المدارس والربط والزوايا.

الاحتلال الصليبي.. سقوط المدينة المقدسة

بعد أكثر من أربعة قرون من الحكم الإسلامي، دخلت القدس مرحلة شديدة القسوة، ففي 492هـ/1099م سقطت المدينة في يد الصليبيين خلال الحملة الصليبية الأولى، بعد حصار عسكري طويل.

وكان سقوط القدس صدمة كبيرة في العالم الإسلامي.. ليس فقط بسبب فقدان مدينة استراتيجية، وإنما بسبب مكانتها الدينية المرتبطة بالمسجد الأقصى.

وأصبحت استعادة القدس هدفًا حاضرًا في خطاب عدد من العلماء والقادة المسلمين، وتدريجيًا بدأ مشروع سياسي وعسكري لإعادة توحيد القوى الإسلامية في مواجهة الإمارات الصليبية.

نور الدين زنكي.. بداية الطريق إلى التحرير

قبل صلاح الدين، كان هناك مشروع بدأه نور الدين محمود زنكي، حيث عمل نور الدين على توحيد أجزاء واسعة من بلاد الشام، ومواجهة الوجود الصليبي، كما ارتبط اسمه بالاهتمام بالقدس حتى قبل استعادتها.

وهكذا لم يكن تحرير القدس قرارًا مفاجئًا اتخذه قائد في لحظة عابرة، بل كان نتيجة تراكم سياسي وعسكري وفكري امتد لسنوات.

المسجد الأقصى قبل التوسع العمراني

حطين.. المعركة التي فتحت الطريق إلى القدس

جاءت اللحظة الحاسمة في 24 ربيع الآخر 583هـ/4 يوليو 1187م، عندما انتصر جيش صلاح الدين الأيوبي على القوات الصليبية في معركة حطين.

كان الانتصار نقطة تحول كبرى؛ فقد انهارت بعدها القوة العسكرية الأساسية لمملكة القدس، واستعاد المسلمون عددًا كبيرًا من المدن والحصون، وأصبح الطريق إلى القدس مفتوحًا.

وتشير المصادر إلى أن صلاح الدين تحرك نحو القدس في رجب 583هـ/1187م، بعد استعادة مناطق واسعة من فلسطين.

صلاح الدين يستعيد القدس

في 27 رجب 583هـ/2 أكتوبر 1187م دخل المسلمون القدس بعد حصار ومفاوضات انتهت بتسليم المدينة.

كان المشهد مختلفًا جذريًا عن دخول الصليبيين إليها قبل نحو تسعة عقود، فقد اختار صلاح الدين التسوية وإعطاء الأمان لمن داخل المدينة وفق شروط الفدية، بدل تكرار المذبحة التي وقعت عند سقوطها في 492هـ/1099م.

وكانت عودة القدس إلى الحكم الإسلامي واحدة من أبرز لحظات التاريخ الأيوبي، وأصبح صلاح الدين مرتبطًا في الذاكرة الإسلامية باستعادة المدينة بعد عقود من الاحتلال الصليبي.

القدس في العصر الأيوبي والمملوكي

بعد استعادتها، دخلت القدس مرحلة جديدة من البناء والرعاية، حيث أعيد تنظيم مؤسساتها الدينية، وأُنشئت المدارس، وازداد حضور العلماء والفقهاء، وأصبحت المدينة جزءًا مهمًا من شبكة المدن العلمية في بلاد الشام.

ثم جاء المماليك، فشهدت القدس توسعًا في المدارس والمنشآت الدينية، وأصبحت المدينة عامرة بالعلماء والطلاب والحجاج.

وبذلك حافظت القدس على مكانتها حتى عندما انتقلت مراكز الحكم الكبرى إلى مدن أخرى مثل دمشق والقاهرة.

ما الذي يجعل القدس حاضرة إسلامية استثنائية؟

لأن القدس تجمع بين عناصر لا تجتمع في مدينة أخرى بهذه الصورة.

مكانة دينية: المسجد الأقصى وارتباط المدينة بالإسراء.

مكانة تاريخية: الفتح في عهد عمر بن الخطاب، ثم التحرير على يد صلاح الدين.

مكانة علمية: المدارس وحلقات العلم والعلماء الذين ارتبطوا بالمدينة.

مكانة حضارية: قبة الصخرة والمسجد الأقصى والمدارس والأسواق والأسوار.

مكانة رمزية: أصبحت القدس رمزًا لصراع طويل حول الأرض والمقدسات والهوية.

ولهذا لم تكن القدس يومًا مجرد مدينة في خريطة الشام، كانت دائمًا مدينة تتجاوز حدود الجغرافيا.

ومن مكة إلى المدينة، ثم إلى القدس، تكتمل أول ثلاث محطات في خريطة «حواضر الإسلام عبر التاريخ».. ثلاث مدن صنعت البدايات الكبرى: مكة مهد الوحي، والمدينة عاصمة الدولة، والقدس بوابة الإسراء وأرض المقدسات.