حين ينادي أطفال محمد سعيد والدهم إلى مائدة الطعام، يخبرهم أحيانًا بأنه شبع، رغم أنه لم يأكل شيئًا.
«لم نعد نأكل ثلاث وجبات. ربما وجبتين، وأحيانًا وجبة واحدة»، يقول المدرس اليمني البالغ من العمر 46 عامًا، مختصرًا واقعًا يعيشه ملايين اليمنيين مع دخول الحرب مرحلة جديدة من التصعيد العسكري والنزوح والجوع.
محمد، الذي لم يتقاض راتبه منذ سنوات، نزح ثلاث أو أربع مرات منذ اندلاع الحرب. واليوم يعيش مع زوجته وأطفاله الخمسة في غرفة واحدة بمدينة تعز، بينما تراكم عليه إيجار المنزل لأكثر من عام.
لم يبدأ جوع أسرته مع جولة القتال الأخيرة، لكن التصعيد الجديد الذي اندلع مطلع سبتمبر/أيلول 2026 جعل الوضع أكثر قسوة، بعدما أجبر نحو 134 ألف شخص على النزوح من منازلهم، بينهم ما يقدر بنحو 73 ألف طفل، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف».
ومع اتساع رقعة القتال وتغير خطوط المواجهة وتعطل الطرق والموانئ، تجد آلاف الأسر نفسها اليوم أمام سؤال يومي بسيط وقاسٍ: أي وجبة يمكن الاستغناء عنها؟
حرب تعيد رسم خطوط السيطرة

جاءت الأزمة الإنسانية الجديدة بالتزامن مع تغيرات ميدانية كبيرة في الحرب اليمنية المستمرة منذ أكثر من عقد.
فمنذ سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على صنعاء وعدة محافظات عام 2014، انقسم اليمن فعليًا بين مناطق يسيطر عليها الحوثيون في الشمال والغرب، حيث يعيش معظم السكان، ومناطق تسيطر عليها الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية بصورة أساسية في الجنوب والشرق.
وفي 3 سبتمبر/أيلول، اندلعت جولة جديدة من المعارك عندما شن الحوثيون هجومًا واسعًا غربي محافظة تعز.
وخلال أيام، دخل مقاتلو الحوثيين مدينة المخا، ووفق تقرير الجزيرة، تمكنوا خلال العمليات اللاحقة من السيطرة على معظم الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر وصولًا إلى منطقة باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وردت السعودية بمئات الغارات الجوية، بينما أطلق الحوثيون صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه الأراضي السعودية.
ولم تقتصر نتائج التصعيد على الخريطة العسكرية.
فبحسب منظمة الصحة العالمية، قُتل 838 شخصًا وأصيب أكثر من 3,600 آخرين منذ مطلع أغسطس/آب، عندما بدأ الحوثيون مهاجمة القوات الحكومية.
وسُجلت غالبية هذه الخسائر بعد بدء الهجوم البري في 3 سبتمبر، فيما شهد الأسبوع المنتهي في 26 سبتمبر وحده مقتل 164 شخصًا.
كما تحققت «يونيسف» من مقتل 15 طفلًا على الأقل وإصابة 14 آخرين منذ 3 سبتمبر، بينما أُبلغ عن فقدان ثلاثة أطفال آخرين.
«تركنا كل شيء»
في مخيم الشقادف قرب مدينة تعز، تبدأ قصة أخرى من المكان الذي انتهت فيه حياة أسرة كاملة في منزلها.
رقية سعيد، البالغة من العمر 25 عامًا والأم لثمانية أطفال، فرت من زغر في منطقة مقبنة غربي تعز، حيث بدأ الهجوم الحوثي.
وتصف رقية لحظة الفرار بأنها كانت محاطة بالصواريخ والقذائف والخوف من الألغام في الوقت نفسه.
وتقول:
«تركنا منازلنا، وتركنا مواشينا والحمار والدجاج.. تركنا كل شيء على الله».
لكن الوصول إلى المخيم لم يكن نهاية المعاناة.
تقول رقية إنه لم تصل إلى أسرتها مساعدات غذائية من أي منظمة إغاثية، وإنها تعتمد على ما يقدمه لها أهل الخير.
واضطرت إلى اقتراض المال لشراء غطاء بلاستيكي تستخدمه مأوى للأسرة، لكن مياه الأمطار اخترقته مرتين بالفعل وبللت ملابسهم.
والأخطر هو وضع أطفالها الصحي.
«الأطفال مصابون بالإسهال والزكام والدوسنتاريا. لا يوجد لدينا ماء لهم، ولا حتى مياه نظيفة»، تقول رقية.
والدوسنتاريا عدوى معوية يمكن أن تنتقل عبر المياه الملوثة وسوء خدمات الصرف الصحي، وقد تصبح شديدة الخطورة على الأطفال بسبب الجفاف.
وتضيف الأم: «لا توجد بطانيات للتدفئة. نعالجهم في المنزل فقط بالماء والملح والسكر».
ولا توجد مراحيض في المخيم، بحسب رقية، ولذلك تنتظر النساء حلول الليل قبل الذهاب إلى سفح الجبل أو البحث عن مكان منعزل لقضاء حاجتهن.
أكثر من 18 مليون يمني يواجهون انعدام الأمن الغذائي

هذه الحالات الفردية تأتي ضمن أزمة غذائية تمتد إلى ما يقارب نصف سكان اليمن.
فمن بين نحو 43 مليون نسمة، يواجه أكثر من 18.3 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي خلال 2026، وفق الأمم المتحدة.
والأطفال هم من أكثر الفئات تعرضًا للخطر.
وحتى قبل جولة القتال الأخيرة، كان من المتوقع أن يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد خلال العام الجاري.
ومن بينهم أكثر من نصف مليون طفل يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أخطر أشكال سوء التغذية، وفق ما قالته لويز واتريدج من «يونيسف» للجزيرة.
وتحذر المنظمة من أن الحرب والجوع يغذي أحدهما الآخر؛ فالصراع يدفع المزيد من الناس نحو الجوع، والجوع بدوره يجعل الأطفال أكثر ضعفًا أمام آثار الحرب.
الأزمة تتفاقم في مناطق الحكومة
وتظهر بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC» أن الأزمة شديدة أيضًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
فبين مارس/آذار ومايو/أيار، واجه نحو خمسة ملايين شخص، أي قرابة نصف السكان في تلك المناطق، مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي أو ما هو أسوأ، بينهم 1.4 مليون شخص يعيشون ظروفًا مصنفة في مرحلة «الطوارئ».
وكانت التوقعات تشير إلى تفاقم الوضع خلال موسم الشح بين يونيو/حزيران وسبتمبر/أيلول، ليصل عدد من يواجهون مستوى «الأزمة» أو أسوأ إلى 5.3 مليون شخص، بينهم 1.6 مليون في مرحلة الطوارئ.
وحتى بعد موسم الحصاد، لا يتوقع حدوث تحسن كبير؛ إذ تشير التقديرات إلى بقاء 5.4 مليون شخص عند مستوى الأزمة أو أعلى خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول.
«عندما وصلت القذائف إلى المنازل اضطررنا للرحيل»
إيناس عبدالله عبده، البالغة من العمر 23 عامًا، هي واحدة من عشرات الآلاف الذين غير القتال حياتهم خلال أسابيع.
فرت إيناس من حذران مع أطفالها الثلاثة في اليوم الثاني للمعارك.
وتقول إن القصف والاشتباكات كانا يشتدان ساعة بعد أخرى.
«كل ساعة كان القصف والاشتباكات علينا يزدادان، وعندما وصلت القذائف في النهاية إلى المنازل اضطررنا إلى المغادرة».
لم تعد السيارات قادرة على الوصول إليهم، فبدأت الأسرة السير على الأقدام حتى عثرت على وسيلة نقل.
خرجوا من منزلهم بلا شيء تقريبًا.
لا أدوات للمطبخ، ولا فرش، ولا بطانيات، ولا بطاريات للإضاءة.
ومنذ نحو شهر، يعيش قرابة 15 شخصًا من خمس أسر، هم أشقاء إيناس وأزواجهم وأطفالهم، داخل منزل صغير متضرر في النشمة.
وتقول: «إذا هطل المطر، فإنه يهطل علينا وعلى الأطفال وعلى ملابسنا».
وإذا لم تجد الأسرة مكانًا أوسع، فقد تضطر إلى العودة للعيش في مخيم للنازحين.
مساعدة واحدة لا تكفي
تلقت الأسرة مساعدة من إحدى المنظمات بلغت 270 ألف ريال يمني، أي نحو 170 دولارًا، لكن المبلغ أُنفق سريعًا على الاحتياجات الأساسية، ومنها أسطوانات الغاز وعدد محدود من البطانيات.
وما تزال الأسرة تفتقر إلى الغذاء والفرش والأدوية.
وعندما يمرض الأطفال، لا تكون المراكز الصحية قادرة دائمًا على توفير العلاج كاملًا، بينما تفوق تكلفة شراء بقية الأدوية قدرة الأسرة المالية.
وتقول إيناس:
«أحيانًا نذهب إلى المراكز الصحية ولا نجد العلاج كاملًا، فنضطر إلى العودة إلى المنزل وإعطائهم مسكنات عادية».
الحرب تصل إلى المدارس
وللنزوح ثمن آخر لا يظهر في أرقام القتلى والمصابين: التعليم.
فمن بين خمسة أو ستة أطفال في أسرة إيناس الممتدة كانوا يذهبون إلى المدارس قبل النزوح، لم يتمكن من العودة إلى الدراسة سوى ثلاثة أو أربعة.
أما الآخرون، فلم يتمكنوا حتى من إحضار سجلاتهم المدرسية معهم أثناء الفرار.
وبالنسبة إلى إيناس، ليست هذه أول خسارة تسببها الحرب؛ فقد فقدت شقيقًا لها خلال جولة سابقة من القتال، كما فقدت والديها بسبب المرض.
واليوم تحاول حماية أطفالها من حرب أجبرتها على ترك منزلها من دون أن تعرف متى، أو إن كانت، ستعود إليه.
الجوع كان موجودًا.. والحرب جعلته أشد

تكشف شهادات محمد ورقية وإيناس أن الأزمة الحالية لا تبدأ عند خطوط المواجهة ولا تنتهي عند المخيمات.
فاليمن دخل جولة التصعيد الأخيرة وهو يعاني أصلًا من سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي وتوقف الرواتب والنزوح وانعدام الأمن الغذائي وضعف الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي.
ومع انتقال عشرات الآلاف من منازلهم خلال أسابيع، ازدادت الضغوط على المجتمعات المضيفة والمخيمات ومصادر الغذاء والمياه والخدمات الطبية.
بالنسبة إلى محمد سعيد، تظهر كل هذه الأرقام الدولية في صورة أكثر بساطة عندما يجلس أطفاله إلى المائدة.
هو مدرس، لكنه لم يحصل على راتبه منذ سنوات. نزح مرات عدة، وتأخر أكثر من عام في دفع الإيجار، ويعيش سبعة أفراد من أسرته داخل غرفة واحدة.
وعندما يكون الطعام غير كافٍ للجميع، يصبح الحل أحيانًا أن يتظاهر الأب بأنه ليس جائعًا.
يناديه أطفاله: «تعال يا أبي، كل معنا».
فيجيبهم بأنه شبع.
لكن الحقيقة، كما يقول، هي أن أسرته لم تعد تعرف ثلاث وجبات في اليوم.
في اليمن اليوم، لا تقاس آثار الجولة الجديدة من الحرب فقط بعدد المواقع التي تغيرت السيطرة عليها أو بعدد الصواريخ والغارات، بل أيضًا بعدد الأسر التي تركت منازلها، والأطفال الذين انقطعوا عن مدارسهم، والمرضى الذين لا يجدون دواءً، والآباء الذين يتخلون عن وجباتهم حتى يجد أطفالهم ما يأكلونه.
المصدر الجزيرة، بتصرف.





اترك تعليقاً