إضراب عن الطعام في سجن رومية.. مئات السجناء يواجهون تدهورًا صحيًا احتجاجًا على تعليق قانون العفو

2020 10 05T125857Z 633373354 RC2CCJ91V3ZW RTRMADP 3 HEALTH CORONAVIRUS LEBANON 1790752789

دخل مئات السجناء في سجن رومية، أكبر السجون اللبنانية، يومهم الثامن عشر من الإضراب عن الطعام، احتجاجًا على تعليق تنفيذ قانون العفو العام الذي أقره البرلمان في أغسطس/آب الماضي، وسط تحذيرات من تدهور الحالة الصحية لعشرات المضربين ونقل سجناء بسيارات الإسعاف بصورة شبه يومية.

وبحسب المحامي اللبناني محمد صبلوح، مدير مركز حقوق السجناء في نقابة المحامين بطرابلس، يشارك نحو 400 سجين في الإضراب، فيما وصل بعضهم إلى مرحلة صحية وصفها بأنها «خطيرة».

وقال صبلوح إن سيارات الإسعاف تدخل السجن يوميًا لنقل عشرات الحالات، مضيفًا أن المضربين يرفضون الطعام والدواء والمياه.

وبدأ الإضراب في 12 سبتمبر/أيلول 2026، بعد تعليق قانون العفو الذي كان يمكن أن يشمل محكومين وموقوفين قيد المحاكمة، بينما شهدت مدينة طرابلس، ذات الغالبية السنية، احتجاجات تضامنًا مع السجناء ورفضًا لتعليق القانون.

«18 يومًا بلا طعام أو دواء»

من داخل سجن رومية، تحدث جاسم سعد الدين للجزيرة عن ظروف الإضراب.

جاسم محتجز منذ نحو عشر سنوات، ويقول إنه لم يصدر بحقه حكم حتى الآن، بعدما اعتُقل على خلفية اتهامه بتهريب أسلحة وأدوية إلى سوريا خلال الحرب.

وقال:

«نحن مضربون عن الطعام منذ 18 يومًا، لا دواء ولا رعاية طبية ولا شيء».

وأضاف أن مدة احتجازه وصلت إلى نحو عشر سنوات ونصف السنة من دون صدور حكم بحقه، منتقدًا استمرار احتجازه طوال هذه المدة.

وتأتي شهادته في ظل مشكلة أوسع تعاني منها السجون اللبنانية، حيث يقضي آلاف المحتجزين فترات طويلة خلف القضبان قبل المحاكمة أو صدور الأحكام.

قانون عفو أقره البرلمان ثم عُلّق

أقر لبنان قانون العفو في 12 أغسطس/آب 2026، وكان أحد أهدافه معالجة أزمة الاكتظاظ الشديد في السجون.

لكن التيار الوطني الحر تقدم بطعن أمام المجلس الدستوري، بسبب اعتراضات تتعلق بإمكانية استفادة أشخاص متهمين في قضايا مصنفة على أنها «إرهابية»، من بينها الاعتداء على الجيش اللبناني والتخطيط لتفجيرات.

وأدى الطعن إلى تعليق القانون في انتظار قرار المجلس الدستوري، المتوقع صدوره خلال أكتوبر/تشرين الأول.

وبالنسبة إلى السجناء الذين كانوا يأملون أن يشملهم العفو، أعاد تعليق القانون ملفهم إلى نقطة الانتظار، لتبدأ بعد ذلك حركة الإضراب داخل رومية.

غالبية المضربين من السنة

بحسب تقرير الجزيرة، فإن غالبية المشاركين في الإضراب من السجناء السنة الذين اعتقل عدد منهم على خلفية دعمهم للثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، الذي سقط في ديسمبر/كانون الأول 2024.

وتحول ملف هؤلاء المعتقلين على مدى سنوات إلى قضية سياسية وطائفية داخل لبنان، خصوصًا في مناطق ذات غالبية سنية مثل طرابلس.

وقال جاسم إن دعم الثورة السورية كان أحد الأسباب الأساسية التي أدت إلى سجن عدد كبير منهم.

وأضاف:

«دعمنا للثورة السورية سبب أساسي في سجن بعض شبابنا، بل غالبية من هم معنا».

حزب الله والتيار الوطني الحر

بحسب التقرير، كان حزب الله قد أيد قانون العفو في البداية على أمل استفادة سجناء من الطائفة الشيعية منه، لكن كتلته السياسية لم تصوت لصالح مشروع القانون، في ظل اعتراضها على إطلاق سراح سجناء سنة ارتبطت ملفات عدد منهم بالحرب السورية.

وكان حزب الله حليفًا لنظام بشار الأسد خلال الحرب السورية، وأرسل آلاف المقاتلين إلى سوريا للقتال إلى جانب قوات النظام.

أما التيار الوطني الحر، فقد اتجه إلى المجلس الدستوري للطعن في القانون بسبب مخاوفه المتعلقة بالعفو عن أشخاص متهمين بالاعتداء على الجيش أو التخطيط لأعمال تفجير.

ويتهم جاسم الحزب والتيار باستخدام القضية لتحقيق مكاسب سياسية، وهو اتهام يعكس موقفه من النزاع حول القانون وليس حكمًا قضائيًا على دوافع الطرفين.

وقال:

«إنهم يتعاملون معها باعتبارها فرصة سياسية. يريدون الاستفادة من القضية أو ربما الحصول على شيء مقابلها، والله وحده يعلم ما هو بالضبط».

قضية قانونية تتحول إلى انقسام طائفي

يرى الباحث والمستشار المستقل جو ماكرون أن ملف العفو تحول إلى قضية شديدة التعقيد ذات أبعاد طائفية وسياسية.

فمن جانب، هناك شعور بالظلم لدى قطاع من السنة بشأن ما يعرف بملف «الموقوفين الإسلاميين»، ومن جانب آخر، توجد لدى قوى مسيحية اعتراضات على فكرة العفو عن أشخاص اتهموا بمهاجمة جنود لبنانيين.

ويقول ماكرون إن هذا الانقسام يفرض على القوى السياسية مواقف تتلاءم مع جمهورها الانتخابي.

لكن موقف حزب الله، بحسب الباحث، أكثر تعقيدًا في المرحلة الحالية؛ إذ لا يرغب الحزب في فتح مواجهة سياسية جديدة بشأن قضية حساسة في وقت يواجه فيه لبنان توترات في الجنوب، بالتزامن مع محاولة إدارة علاقة مختلفة مع سوريا في مرحلة ما بعد الأسد.

أما الحكومة اللبنانية، فيرى ماكرون أن أحد اهتماماتها الرئيسية يتمثل في تطبيع العلاقات مع دمشق.

ولذلك، فإن قرار المجلس الدستوري بشأن قانون العفو قد يتحول إلى اختبار جديد للتوازنات السياسية والطائفية في لبنان بعد سقوط نظام الأسد.

اكتظاظ يتجاوز 330 بالمئة

لكن خلف الصراع السياسي حول العفو توجد أزمة أعمق داخل السجون اللبنانية.

يبلغ عدد السجناء في لبنان حاليًا أكثر من 6,200 شخص، بينما تعاني المؤسسات العقابية من مستويات اكتظاظ شديدة.

ويقول صبلوح إن نسبة الاكتظاظ في السجون اللبنانية تتجاوز 330 بالمئة من قدرتها الاستيعابية الفعلية.

ويصف الوضع بأنه لم يعد قادرًا على تحمل أزمة إضافية.

وقال:

«الوضع في السجون اللبنانية مأساوي فعلًا، ولم يعد يحتمل أي صدمة أو أي تراجع عن قانون العفو».

ولا تقتصر المشكلة على ضيق المساحات، بل تمتد إلى الرعاية الصحية وطول فترات التوقيف والمحاكمات.

أكثر من 40 سجينًا توفوا خلال 2025

وبحسب صبلوح، توفي أكثر من 40 سجينًا خلال عام 2025.

وقال إن بعض الوفيات وقعت نتيجة الإهمال الطبي، بينما توفي آخرون، بحسب روايته، تحت التعذيب، وسجلت أيضًا حالات انتحار ربطها بطول المحاكمات والتأجيلات المتكررة.

وهذه الأسباب وردت على لسان صبلوح في تقرير الجزيرة ولا يقدم النص المرسل تفاصيل عن تحقيقات قضائية مستقلة تثبت سبب كل حالة وفاة.

ويلقي المحامي جانبًا كبيرًا من المسؤولية عن أزمة الاكتظاظ على بطء القضاء، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من المحتجزين دخلوا السجون في قضايا بسيطة ثم طالت فترات توقيفهم.

سنوات من التوقيف من دون حكم

يشير صبلوح بصورة خاصة إلى المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، التي تضع حدودًا للتوقيف الاحتياطي.

وبحسب ما أورده، تحدد المادة التوقيف في الجنح بشهرين قابلين للتجديد لمدة مماثلة، وفي الجنايات بستة أشهر قابلة للتجديد لمدة مماثلة، أي بما يصل إلى عام في الحالات المشمولة بهذه القيود.

لكن واقع بعض السجناء، وفق التقرير، مختلف تمامًا.

وجاسم سعد الدين مثال على ذلك؛ فهو يقول إنه قضى عشر سنوات ونصف السنة في الاحتجاز دون صدور حكم بحقه.

وتشكل مثل هذه الحالات أحد الأسباب التي جعلت قانون العفو يُطرح باعتباره وسيلة لتخفيف الضغط على منظومة السجون، لكنها في الوقت نفسه جعلته ملفًا سياسيًا حساسًا بسبب طبيعة الاتهامات الموجهة إلى بعض من قد يستفيدون منه.

انتظار قرار المجلس الدستوري

وبينما تتجادل القوى السياسية والقانونية بشأن من ينبغي أن يشمله العفو ومن يجب استثناؤه، يدخل المضربون في رومية مرحلة أكثر خطورة من احتجاجهم.

فنحو 400 سجين يواصلون الإضراب، بحسب صبلوح، بينما تتدهور الحالة الصحية لعشرات منهم وتدخل سيارات الإسعاف إلى السجن بصورة يومية.

وفي الخارج، وصلت القضية إلى الشارع، خصوصًا في طرابلس، حيث نُظمت تحركات احتجاجية للمطالبة بتنفيذ قانون العفو.

أما الحسم القانوني، فيبقى بيد المجلس الدستوري اللبناني، الذي يُنتظر أن يصدر قراره خلال أكتوبر/تشرين الأول.

وحتى ذلك الحين، يستمر الإضراب داخل سجن يعاني أصلًا اكتظاظًا يتجاوز ثلاثة أضعاف طاقته، فيما يلخص جاسم سعد الدين الوضع من زنزانته بعبارة قصيرة:

«لا دواء، لا رعاية طبية، لا شيء».

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *