«أفضل أن أموت على أن أعود إلى هناك».. بهذه الكلمات يلخص فتى فلسطيني تجربة استمرت قرابة عشرة أشهر داخل السجون الإسرائيلية، في وقت تشير فيه البيانات إلى ارتفاع حاد في أعداد الأطفال الفلسطينيين المحتجزين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تحقيق نشرته مجلة +972 Magazine الإسرائيلية-الفلسطينية، في 30 سبتمبر/أيلول 2026، يوثق من خلال شهادات أطفال وعائلاتهم ومحامين ومنظمات حقوقية، ظروف اعتقال قاصرين فلسطينيين، بدءًا من مداهمة منازلهم والتحقيق معهم، وصولًا إلى السجون والمحاكم العسكرية.
وفي قلب التحقيق قصة فتى أطلق عليه اسم مستعار هو زيد، اعتقل عندما كان يبلغ 15 عامًا، وقضى نحو تسعة أشهر ونصف في السجن. ويقول إنه تعرض خلال تلك الفترة للضرب والتجويع والمرض، بينما حُرم تقريبًا من التواصل مع أسرته.
خمسون جنديًا لاعتقال فتى في الخامسة عشرة
بدأت قصة زيد في منتصف ليل 15 فبراير/شباط 2025، عندما داهم نحو 50 جنديًا إسرائيليًا منزل أسرته قرب رام الله في الضفة الغربية المحتلة.
وبحسب شهادة والديه للمجلة، طالب الجنود برؤية ابنهما البالغ 15 عامًا. وعندما شاهد أحد الضباط الفتى، استغرب أن يكون هو المطلوب لصغر سنه وحجمه.
لكن زيد كان الشخص الذي جاؤوا لاعتقاله.
تقول أسرته إن الجنود ضربوه عندما قاوم اعتقاله، ثم سحبوه خارج المنزل ووضعوه داخل مركبة عسكرية، من دون أن يخبر الضابط المسؤول والديه بسبب الاعتقال أو المكان الذي سيُنقل إليه.
وبعد حصول الأسرة على تمثيل قانوني، اكتشفت أن ابنها اعترف بإلقاء الحجارة. لكن زيد ينفي ذلك الآن بشدة، ويقول إنه أدلى بالاعتراف بعدما تعرض لساعات من الضرب أثناء التحقيق.
وبناء على هذا الاعتراف، وجه الادعاء العسكري الإسرائيلي إليه اتهامات رسمية، ليبدأ احتجاز استمر نحو تسعة أشهر ونصف.
«توقف عن الكلام.. فقط وقّع»

يقول زيد إن التحقيق معه في قاعدة بيت إيل العسكرية تحول إلى ضرب عنيف بعدما لم يقتنع أحد القادة بروايته عما كان يفعله يوم اعتقاله.
ووفق شهادته، اكتشف لاحقًا أن اثنين من أضلاعه تعرضا للكسر.
ويقول إنه عندما أصبح الألم شديدًا لدرجة أنه لم يعد يستطيع التنفس، أخبر المحققين بما أرادوا سماعه واعترف بإلقاء الحجارة، فتوقف الضرب.
بعد ذلك، وُضع أمامه مستند للتوقيع عليه.
يقول زيد إنه أخبر المحققين بأنه لا يتحدث العبرية وسألهم عما هو مكتوب في الورقة، فجاءه الرد، بحسب روايته: «لا تتكلم، فقط وقّع».
وتقول منظمة «أنقذوا الأطفال» إن لديها تقارير متعددة عن أطفال أُجبروا على توقيع وثائق مكتوبة بلغات لا يفهمونها، ومن دون حضور محامٍ.
فتى آخر يتحدث عن حرقه بسيجارة
ويورد التحقيق شهادة فتى فلسطيني آخر يدعى، باسم مستعار، إبراهيم، ويبلغ 15 عامًا وينحدر من مخيم العروب.
يقول إبراهيم إن جنودًا اقتحموا منزل أسرته وحطموا أثاثًا قبل نقله إلى قاعدة عسكرية في مستوطنة قريبة.
وبحسب شهادته، اتهمه المحققون بإلقاء زجاجة حارقة، وضربوه أثناء التحقيق، وأجبروه على خلع ملابسه حتى بقي بملابسه الداخلية، ومنعوه من استخدام المرحاض.
ويروي أن أحد الجنود عرض عليه سيجارة، ثم أطفأها في ذراعه.
وطلب منه المحققون التوقيع على اعتراف باللغة العبرية، لكنه رفض لأنه لا يفهمها. وعندما قدموا إليه نسخة بالعربية، أخبرهم بأنه لا يستطيع القراءة. وأُطلق سراحه في اليوم التالي.
مئات الأطفال خلف القضبان

قصة زيد ليست حالة منفردة.
بحسب بيانات نقلها التحقيق عن منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان، كانت مصلحة السجون الإسرائيلية تحتجز، في نهاية يونيو/حزيران 2026، 376 قاصرًا فلسطينيًا على خلفية ما تصفه إسرائيل بقضايا أمنية، بالإضافة إلى 94 قاصرًا بسبب وجودهم داخل إسرائيل بصورة غير قانونية.
وتشير المقارنة مع بيانات الأمم المتحدة قبل ثلاث سنوات إلى ارتفاع كبير في عدد القاصرين الفلسطينيين المحتجزين منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويظهر الارتفاع بصورة أكثر وضوحًا في الاعتقال الإداري، الذي يسمح باحتجاز الأشخاص من دون توجيه اتهامات أو محاكمة، استنادًا إلى أدلة سرية في كثير من الحالات، مع إمكانية تجديد أوامر الاعتقال.
وبحسب أرقام منظمة «آباء ضد احتجاز الأطفال» التي أوردها التحقيق، بلغ عدد القاصرين الفلسطينيين الخاضعين للاعتقال الإداري 191 طفلًا في مارس/آذار 2026، مقارنة بـ103 أطفال قبل عام.
وكان 50 منهم محتجزين لأكثر من عام، مقابل ستة فقط في الفترة نفسها من العام السابق.
داخل سجن مجدو

قضى زيد معظم فترة اعتقاله في سجن مجدو شمالي إسرائيل.
ويقول إنه كان يعيش في زنزانة مع عشرة فتيان آخرين، بينما ظلت الأضواء مشتعلة طوال اليوم والليل.
ولم يتحدث إلى محامٍ للمرة الأولى إلا بعد أربعة أيام من اعتقاله، أثناء جلسة قضائية. ثم توالت الجلسات، لكن كل جلسة تقريبًا انتهت بتأجيل جديد وتمديد فترة احتجازه.
وبحسب والده، عقدت 12 جلسة قضائية في القضية.
ويتحدث زيد كذلك عن الجوع باعتباره جزءًا من الحياة اليومية داخل السجن، قائلًا إن إدارة السجن كانت تقدم في بعض الأحيان طبقًا واحدًا من الأرز لعشرة سجناء.
وجاء شهر رمضان بعد نحو أسبوعين من اعتقاله. ويقول إن الطعام كان يقدم نهارًا بينما كان الفتيان صائمين، وعند حلول المغرب يكون قد بقي لساعات، حتى أصبح قاسيًا وفي بعض الأحيان فاسدًا، بحسب روايته.
ويقول إن عددًا من الفتيان أصيبوا بمشكلات في المعدة، كما أصيب هو وآخرون بالجرب.
وفاة وليد أحمد
وكان من بين المحتجزين مع زيد الفتى الفلسطيني وليد أحمد، البالغ 17 عامًا.
وبحسب التحقيق، عانى وليد لأسابيع من إسهال حاد ودوار وقيء، بينما قال زيد إنه لم يحصل على العلاج رغم طلباته المتكررة.
وفي 22 مارس/آذار، وبعد نحو شهر من اعتقال زيد، انهار وليد أثناء خروج المعتقلين إلى ساحة السجن.
يقول زيد إن الفتى ارتطم بعمود وسال الدم من وجهه، بينما أخذ المعتقلون يصرخون طلبًا للمساعدة.
وتوفي وليد لاحقًا، وأشار التحقيق إلى أن طبيبًا إسرائيليًا خلص إلى أنه كان يعاني سوء تغذية شديدًا، مع فقدان حاد للوزن وضمور في العضلات.
ووفق +972، يعد وليد حتى الآن القاصر الفلسطيني الوحيد المعروف أنه توفي داخل الاحتجاز الإسرائيلي.
«التعذيب أصبح ممنهجًا»

وتقول ساري باشي، المديرة التنفيذية لـ«اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل»، إن التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة أصبحت، بحسب تقييم منظمتها، ممنهجة بحق المعتقلين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال.
وفي يونيو/حزيران 2026، قالت الأمم المتحدة إن الاعتقالات والاحتجاز ساعدا في خلق شعور واسع باليأس بين الأطفال الفلسطينيين.
أما خالد قزمار، الرئيس السابق للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين، فيرى أن اعتقال الأطفال يؤثر في الأسرة بأكملها، إذ يفقد الطفل تعليمه وتتضرر صحته وحياته، بينما تتحمل أسرته تبعات الاعتقال المستمرة.
أطفال غزة ونظام احتجاز مختلف
ولا تقتصر القضية على أطفال الضفة الغربية.
فالأطفال الفلسطينيون في غزة يخضعون لإطار قانوني مختلف، ويمكن احتجاز المشتبه بمشاركتهم في أعمال قتالية ضد إسرائيل بموجب ما يسمى «قانون المقاتلين غير الشرعيين»، الذي يسمح بالاحتجاز من دون محاكمة.
وقالت المديرة التنفيذية لمنظمة «آباء ضد احتجاز الأطفال»، تيتي كارمل، إن بيانات مصلحة السجون المتاحة للمنظمة تشير إلى وجود نحو خمسة إلى سبعة أطفال من غزة محتجزين حاليًا بموجب هذا القانون داخل منشآت مصلحة السجون، لكنها قالت إن المنظمة لا تعرف ما إذا كان أطفال آخرون محتجزين في منشآت عسكرية.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، احتجزت إسرائيل نحو 4,000 شخص من غزة بموجب هذا القانون، بينهم عدد غير معروف من القاصرين، وفق أرقام أوردتها اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل.
ويورد التحقيق شهادة جمعها محققون أمميون من فتى من غزة يبلغ 15 عامًا، قال إنه اعتُقل خلال حملة اعتقالات جماعية في ديسمبر/كانون الأول 2023.
وبحسب شهادته، قُيد وعُصبت عيناه ونُقل إلى مكان مجهول، وحُرم من الماء وتعرض للضرب والتعري والاستجواب بشأن حركة حماس وهجمات 7 أكتوبر.
وقال إنه تعرض خلال 54 يومًا من الاحتجاز لأشكال متعددة من التعذيب، بينها صدمات كهربائية، قبل إطلاق سراحه عبر معبر كرم أبو سالم.
أطفال معزولون عن عائلاتهم
وتقول منظمات حقوقية إن أحد أشد جوانب الاعتقال تأثيرًا على الأطفال هو فصلهم شبه الكامل عن أسرهم.
وبحسب تيتي كارمل، لم تعد هناك منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول زيارات عائلية أو حتى اتصالات هاتفية لهؤلاء الأطفال.
وكان زيد لا يستطيع إيصال أخباره إلى أسرته إلا عبر فتيان يُطلق سراحهم، على أمل أن يصلوا إلى عائلات المعتقلين الآخرين.
أما والداه، فلم يتمكنا من رؤيته إلا خلال جلسات المحكمة، حيث كانا يجلسان في غرفة منفصلة ويتابعانه عبر شاشة.
وتقول والدته إنها عندما شاهدته للمرة الأولى بعد أسبوع من اعتقاله، لاحظت آثار ضرب على وجهه وخدوشًا على رقبته.
وفي نهاية المطاف، وبعد 12 جلسة وتأجيلًا متكررًا، عُرض على زيد الاعتراف بالذنب مقابل الاكتفاء بالفترة التي قضاها في السجن. وافق، وأُطلق سراحه في اليوم التالي.
«أفضل أن أموت على أن أعود»

عاد زيد إلى أسرته، وأصبح الآن في السابعة عشرة من عمره، والتحق بمدرسة مهنية ليتدرب على العمل ميكانيكيًا.
لكن السجن، بحسب أسرته، لم ينتهِ لحظة خروجه من بوابته.
تقول والدته إن شخصيته تغيرت، وإن الفتى الهادئ الذي عرفته قبل الاعتقال أصبح سريع الغضب، بينما يقول والده إن ابنه يعاني كوابيس متكررة.
وأصبحت الأسرة تحاول إبعاده عن الجنود والحواجز، وتتصل به ليعود إلى المنزل كلما اقتحم الجيش القرية.
أما زيد نفسه فيحاول، كما يقول، ألا يفكر كثيرًا فيما حدث.
لكن عندما سأله معد التحقيق ماذا سيفعل إذا جاء الجنود لاعتقاله مرة أخرى، كان جوابه كاشفًا لحجم ما تركته التجربة داخله:
«سأهرب حتى يطلقوا النار عليّ.. أفضل أن أموت على أن أعود إلى هناك».
وقالت مجلة +972 إنها تواصلت مع مصلحة السجون الإسرائيلية للحصول على تعليق بشأن ما ورد في التحقيق، وإنها ستضيف ردها عند تلقيه.






اترك تعليقاً