تشهد الحدود السودانية التشادية ارتفاعًا حادًا في أعداد اللاجئين الفارين من الحرب في السودان، وسط شهادات مروعة لنساء وفتيات عن تعرض مدنيين للاختطاف والعنف الجنسي والاغتصاب خلال رحلات الهروب، في وقت تواجه فيه مناطق الاستقبال شرقي تشاد ضغطًا متزايدًا ونقصًا حادًا في المياه والمأوى والخدمات الأساسية.
وبحسب ما نقلته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ارتفع معدل عبور السودانيين إلى شرق تشاد خلال أسبوع واحد بنحو 20 ضعفًا، ليصل إلى أكثر من 400 شخص يوميًا عبر نقطتي أدري وتيني الحدوديتين.
وتربط المفوضية موجة النزوح الجديدة بتصاعد الاشتباكات والغارات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وهي مناطق شهدت خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا عسكريًا دفع مزيدًا من المدنيين إلى البحث عن الأمان خارج البلاد.
نحو مليون سوداني فروا إلى تشاد
تظهر الأرقام حجم الضغط الذي باتت تواجهه تشاد؛ فقد تجاوز عدد اللاجئين السودانيين الذين وصلوا إليها خلال عام 2026 وحده 55 ألف شخص، بينما اقترب العدد الإجمالي لمن عبروا إلى البلاد فرارًا من الحرب منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023 من مليون لاجئ.
لكن الوصول إلى الحدود لا يعني أن رحلة اللاجئين كانت آمنة.
فقد أبلغت نساء وفتيات وصلن إلى مراكز الاستقبال الحدودية عن عمليات اختطاف واعتداءات جنسية واغتصاب تعرض لها مدنيون أثناء فرارهم، بحسب المفوضية، التي وصفت التدهور في أوضاع الحماية على طرق النزوح بأنه بالغ الخطورة.
وقال مامادو ديان بالدي، المنسق الإقليمي لشؤون اللاجئين لأزمة السودان، إن الشهادات التي يجمعها العاملون من الوافدين الجدد تكشف الكلفة الإنسانية الكارثية للحرب، مشيرًا إلى إعطاء الأولوية لتوفير الخدمات الطبية والنفسية وخدمات الحماية للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
آلاف اللاجئين عالقون عند الحدود

ولا تتوقف الأزمة عند الانتهاكات التي يتعرض لها الفارون؛ إذ أصبحت البنية التحتية المحدودة أصلًا في المناطق الحدودية التشادية عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة.
ففي تيني، يستضيف مركز عبور مؤقت أكثر من 4,300 شخص، رغم أنه أُنشئ أساسًا لاستقبال اللاجئين لفترات قصيرة، ما أدى إلى نقص حاد في مياه الشرب ومرافق الصرف الصحي وأماكن الإقامة الآمنة، ولا سيما للنساء والأطفال.
وفي أنحاء شرق تشاد، لا يزال أكثر من 190 ألف لاجئ عالقين في مواقع غير رسمية بانتظار نقلهم إلى مناطق داخلية أكثر ملاءمة، فيما تفتقر نحو 31 ألف أسرة إلى مأوى مناسب.
وتزداد خطورة الوضع مع أزمة المياه؛ إذ يحصل معظم اللاجئين في هذه المناطق على أقل من نصف الحد الأدنى اليومي المعترف به دوليًا من المياه.
11.3 مليون سوداني اقتلعتهم الحرب من ديارهم
المشهد على الحدود التشادية ليس سوى جزء من أزمة نزوح أوسع داخل السودان وخارجه.
فقد أدت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى نزوح نحو 11.3 مليون شخص، بينهم نحو 6.4 ملايين نازح داخل السودان و3.5 ملايين شخص عبروا الحدود إلى دول أخرى، لتظل الأزمة السودانية واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
وتحذر الأمم المتحدة من أن تدهور ظروف الحماية ونقص المساعدات في دول اللجوء الأولى لا يهددان حياة اللاجئين هناك فحسب، بل يدفعان بعضهم إلى مواصلة رحلة النزوح باتجاه أوروبا.
ووفقًا لبالدي، ارتفع عدد السودانيين الذين وصلوا إلى أوروبا بحرًا من 4,094 شخصًا في 2024 إلى 14,104 أشخاص في 2025، أي بزيادة بلغت نحو 245%.
أزمة تتفاقم والتمويل لا يتجاوز 20%

تأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه الاستجابة الإنسانية من فجوة تمويلية كبيرة. فخطة الأمم المتحدة الإقليمية للاستجابة للاجئين لعام 2026، البالغة قيمتها 1.6 مليار دولار، لم تحصل سوى على نحو 20% من التمويل المطلوب.
ومع استمرار القتال داخل السودان وارتفاع أعداد الفارين يوميًا، تواجه تشاد، وهي بالفعل من أكبر الدول المستقبلة للاجئين السودانيين، تحديًا متزايدًا في توفير أبسط الاحتياجات لعشرات الآلاف من الوافدين الجدد.
والأخطر أن الأزمة لم تعد تقتصر على الفرار من القتال؛ فالشهادات التي تصل إلى مراكز الاستقبال ترسم صورة لرحلة نزوح يصبح فيها الطريق نفسه مصدرًا للخطر، خصوصًا للنساء والفتيات، بين الاختطاف والعنف الجنسي والحرمان من المياه والمأوى، قبل الوصول إلى حدود لا تتوافر خلفها حتى الآن الموارد الكافية لاستقبال موجة النزوح المتسارعة.





اترك تعليقاً