نهاية مهمة التحالف الدولي في العراق.. إغلاق فصل عسكري بدأ بالغزو وعاد مع صعود تنظيم الدولة

US Army soldiers stand outside their armored vehicle on a joint base with Iraqi army south of Mosul Iraq.Photo Khalid MohammedAP 850x560 1

يقترب العراق من إغلاق واحد من أطول فصول الوجود العسكري الأمريكي على أراضيه. فبحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026 (19 ربيع الآخر 1448هـ)، يُفترض أن تنتهي رسميًا المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة في العراق، بعد عملية انسحاب وتسليم للمواقع العسكرية نُفذت على مراحل بموجب التفاهم الذي توصلت إليه بغداد وواشنطن عام 2024. وأكدت الحكومة العراقية أن الموعد «نهائي وثابت»، فيما أكدت واشنطن التزامها بإتمام الانتقال في الموعد نفسه.

ولا تعني الخطوة، بدقة، انقطاع العلاقات العسكرية والأمنية بين الولايات المتحدة والعراق؛ بل انتهاء مهمة التحالف بصيغتها الحالية والانتقال إلى تعاون أمني ثنائي بين بغداد وواشنطن. وهذه نقطة مهمة لأن وصف التطور بأنه «نهاية الوجود الأمريكي في العراق بعد أكثر من عشرين عامًا» يحتاج إلى هذا التفصيل.

من غزو بغداد إلى الانسحاب الأول

image 237

بدأ الفصل الأكبر من الوجود العسكري الأمريكي في العراق في 20 مارس/آذار 2003، عندما قادت الولايات المتحدة وبريطانيا غزو العراق لإسقاط نظام صدام حسين. وفي 9 أبريل/نيسان سقطت بغداد، لتبدأ مرحلة احتلال وصراع مسلح طويل غيّر بنية الدولة العراقية والتوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.

ووصل عدد القوات الأمريكية في العراق خلال ذروة العمليات العسكرية عام 2007 إلى أكثر من 170 ألف جندي. وبعد سنوات من الحرب والتمرد المسلح والعنف الطائفي، انسحبت القوات القتالية الأمريكية الرئيسية في ديسمبر/كانون الأول 2011.

لكن الانسحاب لم يكن نهاية القصة.

تنظيم الدولة يعيد القوات الأمريكية إلى العراق

في صيف 2014، اجتاح تنظيم الدولة مساحات واسعة من شمال وغرب العراق، وسيطر على الموصل ومدن ومناطق أخرى، في واحدة من أكبر الانهيارات التي تعرضت لها القوات العراقية بعد 2003.

وطلبت الحكومة العراقية مساعدة دولية لمواجهة التنظيم، فعادت القوات الأمريكية إلى العراق وتشكل التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، الذي شاركت فيه عشرات الدول، وتولى تنفيذ ضربات جوية وتقديم التدريب والاستشارات والمعلومات الاستخباراتية للقوات العراقية وقوات البيشمركة.

وبعد فقدان تنظيم الدولة سيطرته الإقليمية الواسعة، انتهت العمليات القتالية للتحالف في العراق رسميًا عام 2021، لكن المستشارين والقوات الداعمة ظلوا موجودين لمساندة القوات العراقية في مواجهة خلايا التنظيم.

اتفاق 2024 يرسم طريق الخروج

في سبتمبر/أيلول 2024، أعلنت بغداد وواشنطن خطة انتقالية لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف، على مراحل، مع التحول لاحقًا إلى علاقة أمنية ثنائية.

وكان التصور الأصلي يتضمن إنهاء مهمة التحالف داخل العراق، مع استمرار استخدام بعض المواقع العراقية لفترة إضافية لدعم العمليات ضد تنظيم الدولة في سوريا. ومع تطورات لاحقة، أصبح 30 سبتمبر/أيلول 2026 الموعد النهائي المعلن لإنهاء مهمة التحالف ومغادرة قواته المتبقية.

وتسارعت عملية الانسحاب خلال الأشهر الأخيرة. وكانت القوات الأمريكية قد انسحبت من معظم قواعد المناطق الخاضعة مباشرة للحكومة الاتحادية، بينما بقي وجود للتحالف في إقليم كردستان قبل بدء المرحلة الأخيرة من الانسحاب. وفي أغسطس غادرت آخر القوات الألمانية أربيل، بالتزامن مع تحركات لنقل المعدات والقوات الأمريكية من الإقليم.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت اللجنة العسكرية العليا العراقية إتمام إخلاء جميع القواعد والمقار العسكرية في المناطق الاتحادية من مستشاري التحالف الدولي.

وقبل أيام من الموعد النهائي، شهد الملف خطوة رمزية أخرى، بتوقيع اتفاق لتسليم موقع الدعم الدبلوماسي المجاور لمطار بغداد الدولي إلى الحكومة العراقية.

ماذا سيحدث بعد 30 سبتمبر؟

image 238

هنا تكمن أهم نقطة في قراءة التطور.

فانتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني بالضرورة انتهاء التعاون العسكري الأمريكي–العراقي. إذ اتفقت بغداد وواشنطن على الانتقال من إطار التحالف متعدد الجنسيات إلى علاقات أمنية ثنائية أكثر تقليدية، يمكن أن تشمل التدريب والتعاون الاستخباراتي والتسليح والتنسيق الأمني وفق اتفاقات بين الدولتين.

كما أن انتهاء مهمة التحالف لا يعني انتهاء خطر تنظيم الدولة. فقد أكدت واشنطن أن القوات الأمنية العراقية والبيشمركة ستتولى المسؤولية الأساسية عن مكافحة التنظيم داخل العراق بعد انتهاء المهمة الدولية.

وتقول الحكومة العراقية إن قواتها باتت قادرة على تولي هذه المهمة، وتقدم انتهاء وجود التحالف باعتباره انتقالًا إلى مرحلة تكون فيها المسؤولية الأمنية والعسكرية بيد الدولة العراقية.

ملف آخر ينتظر بغداد: السلاح خارج الدولة

يتزامن خروج قوات التحالف مع اختبار داخلي أكثر تعقيدًا يتعلق بالفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

فقد جعلت الحكومة العراقية 30 سبتمبر أيضًا موعدًا لحصر السلاح بيد الدولة، لكن بعض الفصائل المسلحة عارضت التخلي عن أسلحتها، وطالبت بضمان خروج أمريكي دائم وإنهاء أشكال النفوذ الأمريكي الأخرى. وذكرت رويترز هذا الشهر أن الحكومة تواجه صعوبة في تنفيذ خطتها بسبب مقاومة عدد من الجماعات المسلحة القوية المرتبطة بإيران.

وهكذا، فإن انتهاء مهمة التحالف يزيل أحد أبرز المبررات التي استخدمتها تلك الجماعات للاحتفاظ بسلاحها خارج المؤسسات الرسمية، لكنه يضع الحكومة العراقية في الوقت نفسه أمام سؤال أصعب: هل تستطيع الدولة فرض احتكارها للسلاح بعد رحيل القوات الأجنبية؟

أكثر من عقدين من الحضور العسكري الأمريكي

من غزو عام 2003، إلى انسحاب 2011، ثم العودة عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة، وصولًا إلى انتهاء مهمة التحالف في سبتمبر/أيلول 2026، مر الوجود العسكري الأمريكي في العراق بمراحل شديدة الاختلاف.

ولهذا فإن ما يحدث اليوم ليس «انسحابًا أمريكيًا» بالمعنى نفسه الذي شهده العراق عام 2011، ولا قطيعة أمنية بين بغداد وواشنطن.

إنه نهاية الإطار العسكري الذي أعاد القوات الأمريكية وحلفاءها إلى العراق لمحاربة تنظيم الدولة عام 2014، والانتقال إلى صيغة جديدة من العلاقات الأمنية الثنائية.

وبعد أكثر من عقدين من الغزو الأول، يصبح الاختبار التالي عراقيًا بالدرجة الأولى: قدرة القوات العراقية على منع عودة تنظيم الدولة، وضبط الحدود، وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وإدارة علاقات أمنية خارجية لا تعيد إنتاج وجود عسكري أجنبي واسع على الأراضي العراقية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *