العودة إلى الخرطوم.. ملايين السودانيين يعودون إلى عاصمة أنهكتها الحرب ولا تزال الحياة فيها شديدة القسوة

Screenshot 2026 09 28 160026

عاد ملايين السودانيين إلى الخرطوم بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة العام الماضي، لكن العودة التي انتظرها كثيرون تحولت بالنسبة إلى بعض الأسر إلى مواجهة يومية مع مدينة لا تزال تحمل آثار الحرب: انقطاعات طويلة للكهرباء والمياه، مبانٍ مدمرة، ذخائر غير منفجرة، نقص في الأدوية وفرص العمل، وارتفاع مستمر في تكاليف المعيشة.

وكان نحو أربعة ملايين شخص قد فروا من الخرطوم بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023. ومنذ استعادة الجيش العاصمة، عاد إليها ما يقدر بنحو 2.7 مليون شخص، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.

لكن العودة إلى المنزل لم تكن بالنسبة إلى كثيرين نهاية رحلة النزوح.

«إعادة عائلتي كانت خطأ»

في وسط الخرطوم، لا تزال المباني المحترقة والمدمرة تحيط بالعائدين. وبينما أعاد الجيش تشغيل المطار للرحلات الداخلية وأُصلحت أجزاء من البنية التحتية، يمكن أن تنقطع الكهرباء والمياه لأيام متتالية.

وقال رجل الأعمال عماد خالد، البالغ من العمر 43 عامًا، إنه قرر إعادة أسرته إلى مصر بينما يبقى هو في الخرطوم بسبب عمله.

وقال: «إعادة عائلتي كانت خطأ».

وليس وحده في ذلك؛ إذ قال عدد من الموظفين الحكوميين الذين طُلب منهم العودة إلى العاصمة إنهم تركوا أسرهم خارج السودان، في انعكاس للفجوة بين استئناف مؤسسات الدولة عملها وبين قدرة المدينة على توفير حياة مستقرة للعائلات.

فالأسواق عادت إلى العمل في مناطق مختلفة من العاصمة، لكن البطالة ونقص السيولة يعنيان أن كثيرًا من السكان لا يملكون القدرة الشرائية الكافية، في وقت ترتفع فيه أسعار الاحتياجات الأساسية.

خطر الحرب باقٍ حتى بعد توقف المعارك

ولا يقتصر الخطر على نقص الخدمات.

فحتى يونيو/حزيران، كانت الأمم المتحدة قد اعتبرت 1% فقط من الخرطوم آمنة، في ظل انتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة والفخاخ المتفجرة التي خلفتها سنوات القتال.

وقد قُتل وأصيب عشرات الأطفال بسبب مخلفات الحرب الموجودة بين المنازل والجدران وعلى جوانب الطرق، ما يجعل العودة إلى بعض الأحياء محفوفة بالمخاطر حتى في غياب المواجهات المباشرة.

وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا بين أحياء العاصمة. فالأحياء الشعبية استقبلت أعدادًا كبيرة من العائدين، بينما بقيت مناطق أكثر ثراءً، مثل الخرطوم 2، شبه مهجورة، إذ يستطيع كثير من سكانها السابقين تحمل تكاليف البقاء خارج البلاد.

وفي شوارع بعض هذه المناطق، لا تزال الفلل خالية، والنوافذ محطمة، وأجزاء من المباني مهدمة بفعل القصف.

المستشفيات تعود.. لكن الدواء لا يعود معها

تمثل الرعاية الصحية أحد أكبر التحديات التي تواجه العائدين.

فمع بدء موجات العودة، عملت جمعيات ومبادرات سودانية على إعادة تأهيل مستشفيات دمرتها الحرب أو توقفت عن العمل، ويقول عاملون في القطاع الصحي إن بعض المنشآت أصبحت في حالة أفضل مما كانت عليه سابقًا.

لكن إعادة بناء المستشفى لا تعني بالضرورة توافر العلاج.

وتقول الطبيبة هيفاء عمر إن بعض الأدوية والمستلزمات ببساطة غير متوفرة، ما يضطر الأطباء إلى مطالبة المرضى بشرائها على نفقتهم الخاصة رغم معرفتهم بصعوبة أوضاعهم الاقتصادية.

أما أستاذ الجامعة إمام بابكر، فيقول إنه قد يضطر إلى زيارة عشر صيدليات بحثًا عن دواء ضغط الدم لوالده، فيما تتغير الأسعار باستمرار.

وتصبح المشكلة أخطر بالنسبة إلى الأدوية التي تحتاج إلى التبريد. فقد اشترى بابكر ثلاجة لحفظ الأنسولين الخاص بوالدته المصابة بالسكري، لكن انقطاع الكهرباء لنحو 12 ساعة يوميًا يؤدي إلى تلفه.

وهكذا يتحول انقطاع الكهرباء من مشكلة خدمية إلى خطر صحي مباشر.

نصف مليون عادوا من مصر

762983935602e32a8d7686b0fc4cd325 1

ومن أبرز مسارات العودة إلى السودان الطريق القادم من مصر، حيث عاد نحو نصف مليون سوداني بعد أن كان نحو 1.5 مليون قد لجؤوا إليها خلال الحرب.

لكن قرار العودة لا يعني بالضرورة أن الخرطوم أصبحت الخيار الأفضل؛ فبعض العائدين وجدوا أنفسهم عالقين بين صعوبة الحياة في دول اللجوء وصعوبة إعادة بناء حياتهم في العاصمة.

فمن يعود إلى الخرطوم قد يجد منزله منهوبًا أو مدمرًا، وعمله متوقفًا، والكهرباء والمياه غير مستقرتين، والخدمات الطبية محدودة.

وقالت إحدى العائدات إن ثلاجتها سُرقت خلال الحرب، وإنها لا تستطيع شراء أخرى، ولذلك تضطر إلى شراء الخضروات واللحوم يوميًا بدل تخزينها، بينما ترتفع الأسعار بصورة مستمرة.

عاصمة تستعيد سكانها قبل أن تستعيد عافيتها

image 240

استعادة الجيش السوداني للخرطوم سمحت بعودة مؤسسات حكومية وإعادة تشغيل المطار والأسواق وبعض المستشفيات والخدمات، لكنها لم تُنهِ آثار حرب استمرت سنوات داخل واحدة من أكبر المناطق الحضرية في البلاد.

كما أن الحرب نفسها لم تنتهِ؛ فلا تزال المواجهات مستمرة في مناطق أخرى من السودان، ولا سيما دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

لذلك تحمل عودة نحو 2.7 مليون شخص إلى العاصمة مفارقة قاسية: السكان يعودون بوتيرة أسرع من قدرة المدينة على التعافي.

فالخرطوم التي يعودون إليها ليست المدينة التي غادروها؛ أجزاء منها ركام، والبنية التحتية لا تزال هشة، والدواء والعمل والمياه والكهرباء ليست مضمونة، ومخلفات الحرب لا تزال مختبئة بين المنازل والشوارع.

وبالنسبة إلى كثير من السودانيين، لم يعد السؤال فقط: متى نعود إلى الخرطوم؟ بل أصبح: هل يمكن بالفعل العيش فيها بعد العودة؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *