يواجه تسعة مسلمين سُنّة في مدينة تالديكورغان، عاصمة إقليم جيتيسو جنوب شرقي كازاخستان، محاكمة جنائية بتهمة المشاركة في أنشطة «جماعة التبليغ»، التي حظرتها السلطات الكازاخستانية وصنفتها منظمة متطرفة منذ عام 2013، في قضية تعتمد بصورة رئيسية على تسجيلات سرية لمحادثات دينية داخل منزل أحد المتهمين وتحليلات أجرتها جهات بتكليف من أجهزة الأمن.
ووفق تقرير نشرته منظمة «فورم 18» المعنية بحرية الدين والمعتقد في 24 سبتمبر/أيلول 2026 (13 ربيع الآخر 1448هـ)، بدأت محاكمة الرجال التسعة أمام محكمة مدينة تالديكورغان في يونيو/حزيران الماضي، برئاسة القاضي أليبك عبديخاييف، فيما تأجلت جلساتها أو تعطلت عدة مرات خلال الصيف. وكان مقررًا أن تستأنف المحكمة النظر في القضية يوم الجمعة 25 سبتمبر/أيلول (14 ربيع الآخر)، ولا تتوفر حتى الآن معلومات موثوقة منشورة عن نتيجة تلك الجلسة.
عقوبة قد تصل إلى عامين
تتهم النيابة الرجال التسعة بموجب الجزء الثاني من المادة 405 من القانون الجنائي الكازاخستاني، الذي يعاقب المشاركة في نشاط جمعية أو منظمة سبق أن صدر حكم قضائي بحظرها بسبب ارتباط السلطات بينها وبين «التطرف أو الإرهاب».
ويواجه المتهمون، في حال إدانتهم، غرامة أو عقوبة قد تصل إلى عامين في السجن، إلى جانب إمكانية منعهم من ممارسة أنشطة معينة لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. ولا يوجد أي من الرجال التسعة حاليًا في الحبس الاحتياطي، لكنهم ممنوعون من مغادرة البلاد، وفقًا لأحد المتهمين.
وتضم القضية كلًا من جاكيببيك أورمانوف، وأيدوس ألبييف، وناريمان أمانوف، وإستاي دجاكاييف، ودوبك بوزوف، ودومان كابدولدانوف، وجينيسكالي نورالين، وجومارت بيغوجانوف، وألبيسباي تليوبايف. ويعيش ثمانية منهم في إقليم جيتيسو، بينهم خمسة في تالديكورغان، بينما يقيم المتهم التاسع في إقليم ألماتي المجاور.
كاميرا وميكروفونات سرية داخل منزل
ومن أبرز جوانب القضية أن الأدلة التي قدمتها السلطات تستند إلى عملية مراقبة سرية نفذتها لجنة الأمن القومي الكازاخستانية داخل منزل المتهم جاكيببيك أورمانوف، البالغ من العمر 49 عامًا.
وبحسب لائحة الاتهام التي اطلعت عليها «فورم 18»، وافقت نيابة إقليم جيتيسو على اتخاذ ما وُصف بـ«إجراءات خاصة» ضد أورمانوف، شملت تركيب كاميرا مخفية وتسجيل المحادثات داخل منزله في تالديكورغان. وتشير الوثائق إلى أن التسجيل السري بدأ في 8 يوليو/تموز 2025 واستمر خلال أجزاء من العام، وشمل أحاديث بين المتهمين حول مسائل دينية وغيرها.
وطلب محقق في لجنة الأمن القومي، المقدم نوربول جانانوف، إجراء تحليلات دينية ونفسية ولغوية لتلك التسجيلات. وخلص أحد التقارير الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى وجود مؤشرات مرتبطة بـ«جماعة التبليغ»، بينما اعتبر تحليل ديني آخر في 20 فبراير/شباط 2026 أن المحادثات تضمنت «دعاية للأيديولوجية الدينية» للجماعة.
وتضمنت العناصر التي استند إليها التحليل استخدام مصطلحات تتصل بالاجتماعات الدينية والدعوة ومشاركة الإيمان، وهي تعبيرات قالت الجهات الخبيرة إنها تُستخدم داخل «جماعة التبليغ». وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، فتشت جهات أمنية منزل أورمانوف، وعثرت على نسخة واحدة من كتاب كانت السلطات قد حظرته في أغسطس/آب 2016.
المتهمون ينفون الانتماء للجماعة

وينفي الرجال التسعة بصورة قاطعة انتماءهم إلى «جماعة التبليغ». وقال محاميهم أغيسبيك توليغينوف، والخبير الديني ورئيس مؤسسة «ليبرتي» العامة غاليم أغيليوف، خلال مؤتمر صحفي عُقد في ألماتي في 21 سبتمبر/أيلول 2026 (10 ربيع الآخر 1448هـ)، إن المتهمين يرفضون اتهامات النيابة بانتمائهم إلى الحركة.
كما دعا محامو الدفاع إلى مراجعة القضية بصورة دقيقة وشاملة. وأعلن المكتب الكازاخستاني الدولي لحقوق الإنسان وسيادة القانون، الذي استضاف المؤتمر الصحفي، أن الدفاع يقول إن المتهمين لم تصدر عنهم شخصيًا أعمال أو تصريحات متطرفة.
ولم يرد المحقق نوربول جانانوف على أسئلة «فورم 18» بشأن الأسباب التي تدفعه إلى اعتبار الرجال التسعة «متطرفين»، أو بشأن الأشخاص الذين يُعتقد أنهم ألحقوا بهم ضررًا.
مسؤولة حكومية: «لم يقتلوا أحدًا»
وزادت تصريحات صادرة عن مسؤولة في مؤسسة حكومية دينية من الجدل المحيط بالقضية. فعندما سألت «فورم 18» نائبة مدير مركز أبحاث القضايا الدينية وإعادة التأهيل التابع لسلطات إقليم جيتيسو عمن يكون المتهمون قد ألحقوا به الضرر، قالت إنهم «لم يقتلوا أحدًا» وإنهم «لم يدعوا إلى قتل أحد».
وأضافت المسؤولة أنها لا تستطيع القول ما إذا كانت «جماعة التبليغ» خطرة، كما رفضت إبداء موقف بشأن ما إذا كان قرار حظر الحركة في كازاخستان عام 2013 مبررًا، موضحة أن ذلك ليس من اختصاصها.
أربع حالات سابقة بين المتهمين

وتكشف القضية كذلك أن أربعة من الرجال التسعة سبق أن واجهوا إجراءات قضائية مرتبطة بالنشاط الديني.
فقد سبق أن خضع ناريمان أمانوف لقضية تتعلق بحيازة مواد دينية قبل الإفراج عنه بموجب عفو عام عام 2012، بينما حُكم على إستاي دجاكاييف عام 2016 بالسجن ثلاث سنوات بموجب المادة نفسها تقريبًا.
وفي فبراير/شباط 2024، حُكم على كل من أيدوس ألبييف وألبيسباي تليوبايف بسنة من «تقييد الحرية»، مع منعهما لمدة ثلاث سنوات من بعض الأنشطة العامة والتعليمية والدينية المرتبطة باستخدام الإنترنت. وتعتبر لائحة الاتهام الحالية أن استمرار نشاط هؤلاء بعد أحكامهم السابقة دليل على استمرار ارتباطهم بالفكر المحظور، وهو ما ينازع فيه الدفاع.
ليست القضية الأولى

وتأتي المحاكمة الجديدة بعد أقل من عام من قضية مشابهة في كازاخستان. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، قضت محكمة في إقليم ألماتي بسجن 12 مسلمًا لمدد تراوحت بين سنة وخمس سنوات على خلفية اتهامات متعلقة بالانتماء إلى «جماعة التبليغ».
وحظرت محكمة في أستانا «جماعة التبليغ» عام 2013، ومنذ ذلك الحين تستخدم المادة 405 في ملاحقة أشخاص تتهمهم السلطات بالاستمرار في نشاط الجماعة. وفي المقابل، تثير منظمات حقوقية قضايا متكررة بشأن نطاق تطبيق تشريعات «التطرف» على النشاط الديني السلمي في البلاد.
وتجعل قضية تالديكورغان الحالية هذا الجدل أكثر وضوحًا، إذ لا تركز الأدلة المنشورة حتى الآن على أعمال عنف منسوبة إلى المتهمين، بل على أحاديث دينية مسجلة سرًا، ومصطلحات اعتبر خبراء استعانت بهم الدولة أنها تدل على تبني أفكار الجماعة المحظورة. وفي ظل إصرار المتهمين على نفي عضويتهم فيها، يبقى الحكم القضائي النهائي هو الذي سيحدد مصير الرجال التسعة.






اترك تعليقاً