من يملك «الذهب الأخضر»؟ الزراعة المغربية بين عطش السكان وتمدد الشركات الإسرائيلية

34919c96 eebe 4544 b10a a8aa236f9914

لم تكن صورة أشجار الأفوكادو المقتلعة في المغرب بحاجة إلى كثير من الكلمات كي تثير الغضب. وعلى مواقع التواصل، سرعان ما قُدمت القصة باعتبارها نموذجًا صارخًا لما وصل إليه النفوذ الإسرائيلي بعد التطبيع: فلاحون مغاربة لا يستطيعون زراعة الأفوكادو لأن شركة إسرائيلية باتت تحتكر زراعته وتصديره إلى أوروبا.

لكن التدقيق يكشف أن هذه الرواية، بصيغتها المتداولة، لم يظهر ما يثبت أن اقتلاع الأشجار المتداول في التواصل تم لمصلحة شركة «مهادرين» الإسرائيلية أو بسبب منافسة معها.

غير أن نقد مصداقية هذا الخبر لا يُسقط القضية نفسها. بل يكشف وراءها سؤالًا أكبر وأكثر جدية: إلى أين يتجه القطاع الزراعي المغربي مع توسع الشركات الإسرائيلية في واحدة من أكثر موارده حساسية: الأرض والماء والغذاء؟

من التطبيع إلى الحقول

بعد استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب والاحتلال الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول 2020، انتقل التعاون الاقتصادي من علاقات كانت قائمة بأشكال مختلفة إلى شراكات مباشرة ومعلنة. وفي فبراير/شباط 2022، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة المغربية رسميًا وضع معالم للتعاون المغربي الإسرائيلي في التجارة والاستثمار والابتكار والتكنولوجيا.

وكان القطاع الزراعي من أبرز المستفيدين من هذا الانفتاح.

ففي 2021 أعلنت شركة Mehadrin الإسرائيلية، وهي من كبار منتجي ومصدري الفواكه، مشروعًا مشتركًا في المغرب لإقامة مزرعة أفوكادو على نحو 455 هكتارًا باستثمار يقارب تسعة ملايين دولار. وكانت الشركة الإسرائيلية صاحبة حصة أغلبية في المشروع، بنسبة 51% وفق التقارير المنشورة آنذاك.

واللافت هو الهدف التجاري المعلن للمشروع نفسه.

فقد أوضح الرئيس التنفيذي للشركة حينها أن الإنتاج في المغرب يتيح لها الوصول إلى العملاء الأوروبيين بسهولة أكبر بفضل القرب الجغرافي وانخفاض تكاليف الإنتاج. أي أن الأرض المغربية لم تكن تُقرأ فقط بوصفها سوقًا محلية، بل منصة إنتاج قريبة من أوروبا.

ثم استمر التوسع. ففي 2026 ظهرت تقارير اقتصادية عن اتفاقات وقعتها «مهادرين» خلال 2025 لاستغلال نحو 500 هكتار من الأراضي الزراعية في المغرب، ضمن استراتيجية لنقل جزء من نشاطها إلى مناطق أقل تكلفة. ومن العوامل التي جذبت الشركة، بحسب هذه التقارير، انخفاض تكاليف العمالة والري والقرب من السوق الأوروبية.

وهنا تحديدًا تبدأ المفارقة المغربية.

ماء مغربي.. وسوق أوروبية

المغرب ليس بلدًا غنيًا بالمياه يبحث عن استثمار فائض موارده.

إنه بلد يخوض منذ سنوات معركة حقيقية مع الجفاف وتراجع الموارد المائية. وفي الوقت نفسه أصبحت زراعة الأفوكادو، الموجهة أساسًا إلى التصدير، واحدة من أسرع الزراعات نموًا.

ووفق بيانات أوردها سؤال رسمي في البرلمان المغربي، تجاوز إنتاج الأفوكادو 130 ألف طن في موسم 2024–2025، بينما تحتاج زراعته إلى ما يقدر بنحو 4,000 إلى 8,000 متر مكعب من المياه للهكتار سنويًا. والسؤال البرلماني نفسه وضع المسألة في إطار «العدالة الاجتماعية»، متسائلًا عن دعم المحاصيل التصديرية في وقت تعاني فيه مناطق من البلاد نقص مياه الري والشرب.

وليست المسألة سجالًا سياسيًا فقط.

فقد وثقت لوموند توسع الأفوكادو المغربي من نحو 15 ألف طن في 2015 إلى نحو 130 ألفًا في 2024، وأشارت إلى اعتماد مزارع في منطقة الغرب على المياه الجوفية، بينما يعيش المغرب أصلًا حالة إجهاد مائي. وذكرت الصحيفة أن الاستثمارات الأجنبية، ومنها الإسرائيلية، أصبحت جزءًا من طفرة هذا القطاع.

هنا يصبح السؤال أوسع من جنسية المستثمر:

من يتحمل الكلفة البيئية لزراعة تُستهلك مياهها في المغرب، بينما تُجنى نسبة مهمة من عوائدها عبر أسواق التصدير الأوروبية؟

ليست «مهادرين» وحدها

الحضور الإسرائيلي في الزراعة المغربية لا يقتصر على إنتاج الأفوكادو.

شركة Netafim، التي تأسست في “إسرائيل” وتعد من أكبر الأسماء عالميًا في الري بالتنقيط والزراعة الدقيقة، افتتحت في مارس/آذار 2023 مصنعها الأول في شمال أفريقيا في القنيطرة. والشركة نفسها وصفت المغرب بأنه مركز زراعي مهم، وأشارت إلى موقعه الذي يسمح بشحن المحاصيل عالية القيمة بسهولة إلى الأسواق الأوروبية.

كما ظهرت شركات إسرائيلية أخرى مرتبطة بتكنولوجيا الري والمراقبة الزراعية والبذور، ما دفع باحثين وأكاديميين مغاربة إلى إثارة مخاوف تتعلق بالتبعية التقنية.

وفي تحقيق نشرته لوموند عام 2024، تحدث أستاذ مغربي عن اعتماد كبير على الشركات الإسرائيلية في بعض البذور ومعدات الري، وسمّى شركات مثل «نتافيم» و«هازيرا» و«مهادرين».

والخطر الذي يستحق النقاش ليس قصة مبسطة تقول إن «الإسرائيلي أصبح وحده مسموحًا له بزراعة الأفوكادو»، وإنما احتمال نشوء اعتماد متزايد على رأس المال والتكنولوجيا والمدخلات والشبكات التجارية الخارجية في قطاع يرتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي المغربي.

الفلاح الصغير أمام نموذج زراعي ضخم

المشكلة هنا لا تبدأ بكيان “إسرائيل” ولا تنتهي به.

فالزراعة المغربية نفسها تحولت خلال عقود باتجاه نموذج يقوم بدرجة كبيرة على المحاصيل عالية القيمة والتصدير إلى أوروبا. والاتحاد الأوروبي هو أصلًا الشريك التجاري الأول للمغرب؛ وفي 2025 بلغت وارداته من المنتجات الزراعية المغربية نحو 3.7 مليارات يورو.

لذلك فإن دخول الشركات الإسرائيلية لا ينشئ هذا النموذج من الصفر، لكنه يضيف إليه لاعبًا جديدًا يمتلك رأس المال والتكنولوجيا وشبكات التسويق الدولية.

وهنا يصبح الفارق هائلًا بين فلاح صغير يواجه كلفة الأرض والمياه والطاقة وتقلب المناخ والأسعار، وبين شركة عابرة للحدود تستطيع توزيع إنتاجها بين دول مختلفة والوصول مباشرة إلى كبار المشترين الأوروبيين.

واللافت أن موسم 2025–2026 كشف هشاشة القطاع نفسه. فقد تراجعت صادرات الأفوكادو المغربية بشدة مقارنة بالموسم السابق بسبب الظروف المناخية والمنافسة والأسعار، بعدما كان موسم 2024–2025 قد سجل مستويات قياسية.

أي أن المواطن المغربي قد يتحمل في النهاية الكلفة المائية والبيئية لنموذج تصديري لا تخلو أرباحه نفسها من التقلب والمخاطر.

السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغاربة

السؤال الأجدر بالمغاربة هو: من يحدد أولويات الأرض والماء في بلد يعاني الإجهاد المائي؟

ومن يحصل على الأراضي والمياه والتسهيلات؟ وما مقدار القيمة التي تبقى داخل المغرب؟ وكم يستفيد العامل والفلاح المغربي؟ وهل يجري نقل حقيقي للمعرفة والتكنولوجيا، أم تتحول البلاد إلى قاعدة إنتاج منخفضة التكلفة مرتبطة بالسوق الأوروبية؟ وما الضمانات التي تمنع الشركات الكبرى، إسرائيلية كانت أو غير إسرائيلية، من اكتساب نفوذ اقتصادي يجعل المنتج المحلي الصغير الطرف الأضعف؟

ثم هناك السؤال السياسي الذي لا يمكن فصله عن الاقتصاد: لقد فتح التطبيع منذ 2020 الباب أمام تعاون معلن ومتسارع مع الشركات والمؤسسات الإسرائيلية، بينما ظل جزء معتبر من المجتمع المغربي معارضًا لهذا المسار، وازدادت الاحتجاجات عليه بعد حرب غزة. ومن هنا فإن توسع الشركات الإسرائيلية في قطاعات حساسة كالفلاحة والمياه لا يُقرأ داخل المغرب باعتباره استثمارًا أجنبيًا عاديًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من نقاش أوسع حول حدود التطبيع ومن يستفيد منه ومن يتحمل تكلفته.

قصة الأفوكادو الحقيقية، إذن، ليست أن مغربيًا يحتاج إلى إذن شركة إسرائيلية كي يغرس شجرة في أرضه.

إنها أكثر تعقيدًا: مغرب يعاني العطش، وزراعة تصديرية تستهلك موردًا شديد الندرة، وشركات دولية وإسرائيلية ترى في الأرض المغربية واليد العاملة والموقع الجغرافي فرصة للوصول بتكلفة أقل إلى أوروبا، فيما يبقى على الدولة أن تجيب عن السؤال الأصعب: أين يقف حق المواطن والفلاح المغربي في معادلة الأرض والماء والاستثمار؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *