الروهينجا يعودون إلى واجهة الأمم المتحدة.. ماليزيا تطالب بتقاسم الأعباء وبنغلاديش تضغط من أجل العودة

OIP 1

عادت أزمة الروهينجا بقوة إلى واجهة اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، مع مطالبة ماليزيا المجتمع الدولي بتحمل حصة أكبر من أعباء استضافة اللاجئين، وتحرك بنغلاديشي مكثف للدفع نحو حل يعيد أكثر من مليون روهينجي إلى ميانمار، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن الظروف اللازمة لعودة آمنة وطوعية وكريمة لا تزال غير متوافرة.

وجاءت التحركات الدبلوماسية بالتزامن مع استمرار وصول الروهينجا الفارين من القتال في ميانمار إلى بنغلاديش، ما يزيد الضغط على مخيمات مكتظة أصلًا بالسكان، بينما تواجه الاستجابة الإنسانية نقصًا في التمويل ومخاطر متزايدة من الانهيارات الأرضية والكوارث الطبيعية.

ماليزيا: الدول المستضيفة لا ينبغي أن تتحمل الأزمة وحدها

دعت ماليزيا، الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026 (13 ربيع الآخر 1448هـ)، إلى تقاسم دولي أكبر للأعباء والمسؤوليات المرتبطة بأزمة الروهينجا، مؤكدة أن الدول التي تستضيف اللاجئين لا ينبغي أن تتحمل تداعيات الأزمة وحدها.

وقال وزير الخارجية الماليزي محمد حسن، خلال الاجتماع التنسيقي السنوي لوزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، إن أي حل مستدام لأزمة الروهينجا يجب أن يعالج أسبابها الجذرية، بما فيها وضع المواطنة، وأن يهيئ الظروف لعودتهم الآمنة والطوعية والكريمة إلى ولاية أراكان في ميانمار.

وقال حسن إن هناك حاجة ملحة إلى «تقاسم أكبر للأعباء والمسؤوليات الدولية» لدعم البلدان التي تستضيف اللاجئين الروهينجا.

وأكد أن ماليزيا مستمرة في دعم جهود المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان بحق الروهينجا، بما في ذلك القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار أمام محكمة العدل الدولية.

ورحبت كوالالمبور بانتهاء جلسات المرافعات المتعلقة بموضوع القضية أمام المحكمة في يناير/كانون الثاني 2026، وقالت إنها تنتظر حكم المحكمة. كما أكد وزير الخارجية أن بلاده تساهم في صندوق منظمة التعاون الإسلامي الخاص بالروهينجا، ودعا بقية الدول الأعضاء إلى زيادة مساهماتها.

لكن خطة ماليزية لإعادة الروهينجا تثير اعتراضًا حقوقيًا

وتأتي الدعوة الماليزية لتقاسم الأعباء في وقت تواجه فيه كوالالمبور انتقادات حقوقية بشأن خطتها لإعادة أعداد من الروهينجا الموجودين على أراضيها إلى ميانمار.

ففي بيان نُشر في 25 سبتمبر/أيلول 2026 (14 ربيع الآخر 1448هـ)، أعربت 166 منظمة مجتمع مدني وأكثر من 140 فردًا من ماليزيا وخارجها عن قلقهم من مقترح رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم للتعاون مع سلطات ميانمار من أجل إعادة الروهينجا الموجودين في ماليزيا.

وكان أنور قد أعلن في وقت سابق عزمه دعوة قائد ميانمار مين أونغ هلاينغ إلى ماليزيا لمناقشة ملف إعادة الروهينجا، بعد إعلان ميانمار استعدادها لاستقبال خمسة آلاف منهم في مرحلة أولى.

وترفض المنظمات الحقوقية أي إعادة قسرية، معتبرة أن الظروف داخل ميانمار لا توفر حتى الآن ضمانات لعودة آمنة.

وهذا الموقف يتقاطع مع تقييم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، التي أكدت في 23 سبتمبر أن الظروف اللازمة لعودة الروهينجا بصورة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة «غير موجودة في الوقت الحالي» بسبب استمرار الصراع في ميانمار.

بنغلاديش تضغط في نيويورك لإنهاء النزوح

OIP 2

وبالتوازي مع التحرك الماليزي، وضعت بنغلاديش أزمة الروهينجا في صدارة تحركاتها خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وأكد رئيس الوزراء البنغلاديشي طارق رحمن أمام الجمعية العامة أن بلاده تستضيف أكثر من 1.2 مليون من الروهينجا منذ سنوات، محذرًا من الضغوط الكبيرة التي يفرضها استمرار الأزمة على موارد بنغلاديش وبيئتها وأمنها والمجتمعات المحلية المضيفة.

وطالب المجتمع الدولي بمواصلة المساعدات الإنسانية والعمل من أجل تهيئة الظروف التي تسمح بعودة الروهينجا بأمان إلى ميانمار.

كما ناقش رحمن القضية خلال اجتماعاته في نيويورك مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب عدد من القادة والمسؤولين الدوليين. وقال مكتب رئيس الوزراء إن أزمة الروهينجا كانت من الملفات البارزة في الاجتماعات الثنائية التي عقدها رحمن خلال زيارته.

وكان رئيس الوزراء قد طرح في 23 سبتمبر خطة من خمس نقاط لإنهاء الأزمة، تشمل وضع خارطة طريق موثوقة للعودة الآمنة والطوعية والكريمة، ووقف العنف ضد المدنيين في ميانمار، وضمان تمويل إنساني كافٍ، وتعزيز العدالة والمساءلة، وتوسيع التعاون لمواجهة الاتجار بالبشر والجريمة العابرة للحدود.

الأمم المتحدة: العودة ليست ممكنة الآن

لكن الدفع السياسي نحو إعادة اللاجئين يصطدم بالواقع الأمني داخل ميانمار.

وقال مفوض الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح خلال الفعالية الدولية بشأن الروهينجا في نيويورك إن نحو 1.2 مليون روهينجي لا يزالون لاجئين في بنغلاديش بعد تسع سنوات من موجة النزوح الكبرى عام 2017.

وأكد أن جيلًا كاملًا ينشأ في المنفى، في وقت تستمر فيه الصراعات داخل ميانمار وتتراجع الموارد الإنسانية.

وكان موقف المفوضية واضحًا بأن الظروف الحالية لا تسمح حتى الآن بعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة للروهينجا.

وبذلك يظهر فارق مهم بين هدف العودة الذي تتفق عليه بنغلاديش وماليزيا باعتباره الحل الدائم للأزمة، وبين توقيت العودة وشروطها، إذ ترى الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية أن الظروف الحالية داخل ميانمار لا توفر الضمانات المطلوبة لتنفيذها.

150 ألف روهينجي جديد منذ 2024

وفي الوقت الذي تناقش فيه الدول كيفية إعادة اللاجئين، لا تزال حركة النزوح تسير في الاتجاه المعاكس.

وتقول الأمم المتحدة إن نحو 150 ألف روهينجي جديد وصلوا إلى بنغلاديش منذ مطلع 2024 نتيجة استمرار الصراع في ميانمار، ما فرض ضغوطًا إضافية على المخيمات والموارد الإنسانية المحدودة.

ويعيش نحو 1.2 مليون من الروهينجا حاليًا في بنغلاديش، معظمهم في منطقة كوكس بازار، التي تضم واحدة من أكبر تجمعات اللاجئين في العالم.

وكشف تقرير حديث نشر في 25 سبتمبر أن المخيمات أصبحت أكثر عرضة لخطر الانهيارات الأرضية بسبب الاكتظاظ والبناء على المنحدرات وإزالة الغطاء النباتي والأمطار الموسمية.

ويضطر استمرار وصول اللاجئين إلى توسيع مناطق السكن داخل مساحة محدودة أصلًا، الأمر الذي يزيد الضغط على التلال والمنحدرات الهشة المحيطة بالمخيمات.

710 ملايين دولار فقط لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات

ويأتي ازدياد أعداد اللاجئين في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية أزمة تمويل.

وطلبت الأمم المتحدة وشركاؤها 710.5 ملايين دولار لعام 2026 لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحًا للروهينجا والمجتمعات البنغلاديشية المضيفة. ويستهدف البرنامج ما يصل إلى 1.56 مليون شخص.

لكن الأمم المتحدة تؤكد أن هذا النداء أقل بنسبة 26% عن خطة 2025، ولا يغطي سوى الحد الأدنى من المساعدات الضرورية لإنقاذ الحياة.

ويتضمن نحو 247.3 مليون دولار للغذاء، و128 مليونًا للمأوى، و61.2 مليونًا للمياه والصرف الصحي والنظافة، و52.7 مليونًا للتعليم، ونحو 49.9 مليونًا للصحة.

ومنذ 2017 وحتى نهاية 2025، قدم المجتمع الدولي نحو 5.42 مليارات دولار لتمويل الاستجابة الإنسانية للروهينجا، لكن تراجع التمويل العالمي بات يهدد الخدمات المقدمة للاجئين.

أزمة تعود إلى الواجهة.. لكن الحل لا يزال بعيدًا

تكشف تحركات الأيام الأخيرة في نيويورك عن محاولة لإعادة قضية الروهينجا إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من النزوح وتراجع التمويل.

فبنغلاديش، التي تستضيف العدد الأكبر منهم، تقول إنها لم تعد قادرة على تحمل الأزمة إلى أجل غير مسمى، بينما تطالب ماليزيا بتقاسم أكبر للأعباء بين الدول، وتتمسك الدولتان في نهاية المطاف بعودة الروهينجا إلى موطنهم باعتبارها الحل الدائم.

لكن هذه العودة تظل مرتبطة بسؤال لم يجد حلًا حتى الآن: هل يستطيع الروهينجا العودة إلى ميانمار مع ضمان أمنهم وحقوقهم ومواطنتهم؟

فبينما تدعو الحكومات إلى تسريع الحل السياسي، تؤكد الأمم المتحدة أن شروط العودة الآمنة غير متوافرة حاليًا، فيما لا يزال روهينجا جدد يعبرون الحدود إلى بنغلاديش بدل العودة منها.

وهكذا تستمر الأزمة في مسارين متعاكسين: دبلوماسية دولية تبحث عن طريق لإعادة الروهينجا إلى وطنهم، وواقع ميداني لا يزال يدفع مزيدًا منهم إلى النزوح خارجه.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *