ليس الإسلام في إثيوبيا وافدًا حديثًا، ولا يمثّل المسلمون جماعة هامشية صغيرة في تركيبة البلاد. فإثيوبيا ارتبطت بالتاريخ الإسلامي منذ سنوات الدعوة الأولى، حين عبر إليها الصحابة رضي الله عنهم في الهجرة إلى الحبشة قبل الهجرة النبوية إلى المدينة، ثم تحولت مناطق واسعة من شرقي البلاد ووسطها إلى مراكز إسلامية وتجارية وعلمية، ونشأت فيها سلطنات ومدن إسلامية تركت آثارًا ما زالت حاضرة حتى اليوم.
وفي العصر الحديث، أظهر آخر تعداد سكاني إثيوبي شامل، الصادر عام 2007م (1428هـ)، أن المسلمين يمثلون 33.9% من السكان، أي أكثر من 25 مليون مسلم آنذاك، وهي نسبة تجعل الإسلام ثاني أكبر ديانة في البلاد بفارق محدود نسبيًا عن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية التي بلغت حصتها 43.5%. ومع عدم إجراء تعداد ديني وطني أحدث، لا توجد اليوم قاعدة موثوقة تسمح بالجزم بعدد المسلمين أو نسبتهم الحالية، وإن كان عددهم المطلق قد ارتفع بلا شك مع النمو السكاني الكبير الذي شهدته إثيوبيا.
غير أن هذا العمق التاريخي والثقل السكاني لم ينعكسا دائمًا على موقع المسلمين في الدولة أو في الرواية الوطنية الإثيوبية. فقد وثقت دراسات أكاديمية مراحل طويلة من التهميش السياسي والاجتماعي، ثم جاءت العقود الأخيرة بتحديات مختلفة، من التدخل الرسمي في إدارة المؤسسات الإسلامية إلى اعتقال ناشطين، واحتجاجات دامية، وهدم مساجد، فضلًا عن أعمال عنف طائفي استهدفت المسلمين ودور عبادتهم في عدد من المناطق. وفي المقابل، يبقى المشهد الإثيوبي أكثر تعقيدًا من اختزاله في صراع ديني متواصل، إذ عرفت البلاد كذلك قرونًا من التعايش ومراحل من الانفتاح والإصلاح القانوني.
الحبشة.. الأرض التي استقبلت المسلمين قبل المدينة
تحتل إثيوبيا موقعًا فريدًا في الذاكرة الإسلامية. ففي نحو عام 615م، أي قرابة سبع سنوات قبل الهجرة النبوية إلى المدينة، غادر عدد من الصحابة مكة فرارًا من اضطهاد قريش، وتوجهوا إلى الحبشة بعدما أخبرهم النبي ﷺ أن فيها ملكًا «لا يُظلم عنده أحد».
وكانت المملكة التي وصل إليها المهاجرون هي مملكة أكسوم النصرانية، إحدى أبرز القوى الإقليمية في ذلك العصر. وتشير الدراسات التاريخية الحديثة إلى أن الاتصال بين الإسلام وإثيوبيا بدأ فعلًا منذ السنوات الأولى للدعوة، وأن هذه الصلة الأولى كانت سلمية وقائمة على منح اللاجئين المسلمين الحماية.
وترتبط بلدة نَجاش، أو النجاشي، في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا بهذه الذاكرة. وفي يناير/كانون الثاني 2026م (رجب 1447هـ)، أدرجت السلطات الإثيوبية قرية نجاش على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو بوصفها موقعًا مرتبطًا بـ«الهجرة الأولى» ومكانًا يحفظ ذاكرة استقرار المسلمين الأوائل في أفريقيا. وتشمل المنطقة مسجد النجاشي ومقبرة تاريخية ترتبط في الرواية المحلية بالمهاجرين الأوائل.
ولهذا فإن وجود المسلمين في إثيوبيا لا يمكن وصفه تاريخيًا بأنه نتيجة هجرات متأخرة من الخارج؛ فالإسلام وصل إلى أرض الحبشة في القرن السابع الميلادي، أي القرن الأول الهجري، وبات جزءًا من تاريخ المنطقة منذ ولادة الحضارة الإسلامية نفسها.
من الهجرة الأولى إلى مجتمعات إسلامية مستقرة
لم تؤدِّ هجرة الصحابة وحدها إلى أسلمة مناطق إثيوبيا، لكن القرون التالية شهدت انتشار الإسلام عبر طرق التجارة الممتدة من البحر الأحمر وخليج عدن إلى الهضبة الإثيوبية، إلى جانب الدعوة والاحتكاك السكاني والهجرات الداخلية.
وتشير البحوث الأثرية إلى أن الإسلام أصبح أكثر رسوخًا في المنطقة بحلول القرن العاشر الميلادي، ثم ظهرت كيانات سياسية إسلامية في شرقي ووسط إثيوبيا. ولم يكن المسلمون جماعة إثنية واحدة؛ بل ضمت المجتمعات الإسلامية شعوبًا ولغات متعددة، وهو تنوع لا يزال سمة أساسية لمسلمي إثيوبيا حتى اليوم.
وفي العصور الوسطى برزت سلطنة إيفات، التي تحكمت في طرق تجارية مهمة بين الداخل الإثيوبي وساحل البحر الأحمر، ثم برزت سلطنة عدل وغيرها من الإمارات الإسلامية. وكانت العلاقة بين الممالك الإسلامية والمملكة النصرانية الإثيوبية تتراوح بين التجارة والتعايش والتنافس السياسي والحروب، ولذلك فإن قراءة تاريخ تلك المرحلة باعتباره صراعًا دينيًا متصلًا بين كتلتين ثابتتين تبسيط شديد لتاريخ أكثر تعقيدًا.
ووصل الصراع إلى ذروته في القرن السادس عشر الميلادي، حين قاد الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي قوات سلطنة عدل في سلسلة حروب بين عامي 1529 و1543م (نحو 935–950هـ)، وسيطرت قواته خلال مراحل من الحرب على مساحات واسعة من المرتفعات الإثيوبية قبل أن تتغير موازين الصراع بعد التدخل البرتغالي إلى جانب المملكة النصرانية ومقتل الإمام أحمد عام 1543م. وقد خلّفت تلك الحرب أثرًا بالغًا في الذاكرة التاريخية لدى الطرفين. وترسخ اسم الإمام أحمد الذي عُرف باسم “أحمد غوري” كقائد مسلم بطل.
هرر.. واحدة من أقدم الحواضر الإسلامية في أفريقيا

إذا كانت نجاش ترمز إلى البدايات الأولى للإسلام في الحبشة، فإن مدينة هرر تمثل مرحلة ازدهاره الحضاري والعلمي والاجتماعي.
تقع هرر شرقي إثيوبيا، وتحتفظ مدينتها المسورة القديمة، المعروفة باسم «هرر جُغُل»، بطابع إسلامي أفريقي فريد. وتقول اليونسكو إن المدينة تضم 82 مسجدًا، وإن ثلاثة من مساجدها تعود إلى القرن العاشر الميلادي، بينما شُيدت أسوارها الحالية بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر. وأدرجت اليونسكو هرر جُغُل على قائمة التراث العالمي عام 2006م (1427هـ).
وتصف اليونسكو المدينة بأنها تحمل «شهادة استثنائية» على تداخل الجذور الإسلامية والأفريقية، كما تشير إلى أن تخطيطها العمراني ونمط منازلها وأسواقها ومساجدها حافظ على قدر كبير من هويته التاريخية.
ولهذا لا تمثل هرر مجرد منطقة يسكنها مسلمون، بل إحدى الحواضر التاريخية للإسلام في القرن الأفريقي، ومركزًا نشأت حوله شبكات من العلماء والتجار والمتصوفة والمجتمعات المحلية التي ربطت الداخل الأفريقي بموانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي.

كم يبلغ عدد مسلمي إثيوبيا؟
تكمن المشكلة الأساسية في أي حديث عن التركيبة الدينية الحالية لإثيوبيا في قِدم البيانات. فقد أجري آخر تعداد وطني شامل عام 2007م (1428هـ)، ولذلك يجب التعامل بحذر مع الأرقام المتداولة اليوم.
بحسب ذلك التعداد، بلغ عدد المسلمين 25,045,550 شخصًا من أصل نحو 73.9 مليون نسمة، أي 33.9% من السكان. وبلغت نسبة الأرثوذكس 43.5%، والبروتستانت 18.6%، والكاثوليك 0.7%.
لكن المتوسط الوطني يخفي وراءه تفاوتًا جغرافيًا كبيرًا. ففي الإقليم الصومالي شكّل المسلمون 98.4% من السكان وفق تعداد 2007، وفي عفر 95.3%، وفي دير داوا 70.9%، وفي إقليم هرر 69%. أما أوروميا، أكبر أقاليم البلاد سكانًا، فبلغت نسبة المسلمين فيها 47.5%، أي قرابة 12.9 مليون شخص في ذلك الوقت وحده. كما شكّل المسلمون 45.4% في بني شنقول-قمز، و17.2% في إقليم أمهرة، و16.2% في أديس أبابا.
وتكشف هذه الأرقام أن الحديث عن «الأقلية المسلمة» في إثيوبيا يحتاج إلى قدر من الدقة. فالمسلمون أقل من نصف سكان الدولة إجمالًا بحسب آخر تعداد، لكنهم يمثلون أغلبية ساحقة في أقاليم كاملة، وجماعة تكاد تعادل نصف سكان أوروميا، فضلًا عن وجودهم التاريخي في أجزاء من أمهرة ووسط البلاد والعاصمة.
كما أن المسلمين الإثيوبيين لا يمثلون قومية واحدة؛ فمن بينهم الأورومو والصوماليون والعفر والهرريون والأرغوبا والسِّلتي وغيرهم، ويتحدثون لغات متعددة ويعيشون في مجتمعات ريفية ومدن تجارية ومراكز حضرية مختلفة. وهذا التنوع يفسر جزئيًا عدم تشكل المسلمين تاريخيًا في كتلة سياسية موحدة رغم ثقلهم السكاني.
عندما صار المسلم مواطنًا على الهامش

مع انتقال مركز الدولة الإثيوبية إلى المرتفعات النصرانية وترسخ ارتباط السلطة الملكية بالكنيسة الأرثوذكسية، عاش المسلمون فترات طويلة في موقع سياسي أدنى من وزنهم السكاني والاقتصادي.
وتذهب دراسات أكاديمية متخصصة بتاريخ مسلمي إثيوبيا إلى أن المسلمين خلال الحقبة الإمبراطورية، ولا سيما قبل ثورة عام 1974م (1394هـ)، واجهوا أشكالًا من التمييز في حيازة الأراضي والوصول إلى الوظائف الحكومية العليا والتعليم والتمثيل السياسي. ويصف الباحث جون أبينك الإسلام بأنه كان، رغم قِدمه، في وضع ديني ثانوي داخل النظام السياسي الإثيوبي التاريخي، وتعرض أتباعه في مراحل مختلفة للقمع والتمييز.
وتشير دراسة للمؤرخ الإثيوبي تيمسغن غِبِيهو بايي إلى أن المسلمين كانوا من الجماعات المهمشة التي لم تتمتع في أجزاء من البلاد بوصول مباشر متكافئ إلى ملكية الأرض قبل ثورة 1974، وأن الثورة أحدثت تغييرات مهمة في وضعهم القانوني والاجتماعي.
المشكلة لم تكن دينية فقط، بل ارتبطت كذلك ببناء الدولة والهوية القومية. فقد ركزت سرديات تاريخية رسمية طويلة على المملكة النصرانية باعتبارها جوهر التاريخ الإثيوبي، بينما ظهرت السلطنات والمراكز الإسلامية غالبًا في سياق «الأطراف» أو الخصوم. ولهذا تناولت دراسات حديثة ما وصفته بشعور قطاعات من المسلمين بأنهم كانوا يُعاملون تاريخيًا بوصفهم «مسلمين يعيشون في إثيوبيا» بدل كونهم جزءًا أصيلًا من تعريف الهوية الإثيوبية نفسها.
ثورة 1974.. نهاية الامتياز الديني ولكن ليس نهاية المشكلة

هيلا سيلاسي
أطاحت الثورة الإثيوبية عام 1974م (1394هـ) بالإمبراطور هيلا سيلاسي وأنهت النظام الملكي القديم، ثم تبنى نظام «الدرغ» توجهًا ماركسيًا علمانيًا.
وقد أضعف ذلك الامتياز السياسي التقليدي للكنيسة الأرثوذكسية، وأدت إصلاحات الأراضي إلى إزالة بعض أوجه التفاوت التي عانى منها المسلمون. إلا أن نظام الدرغ لم يكن نظامًا للحريات الدينية؛ بل قيد المؤسسات الدينية بمختلف انتماءاتها وسعى إلى إخضاعها للدولة في إطار سياساته الاشتراكية. وتشير الدراسات إلى أن جميع الأديان تعرضت لقيود خلال الفترة من 1974 إلى 1991م (1394–1412هـ تقريبًا).
وبعد سقوط الدرغ عام 1991، اتسعت المساحة العامة المتاحة للمسلمين بصورة ملحوظة. ازداد بناء المساجد، وأصبحت المؤسسات الإسلامية أكثر ظهورًا، واتسعت صلات المسلمين بالعالم الإسلامي، وظهرت المدارس والجمعيات والنشاطات الدعوية بصورة أكثر وضوحًا. ويرى باحثون أن مرحلة ما بعد 1991 أتاحت للمسلمين مستوى غير مسبوق في العصر الحديث من التعبير العلني عن هويتهم الدينية.
لكن ذلك لم يُنهِ التوتر بين الدولة والمؤسسات الإسلامية.
احتجاجات المسلمين.. أزمة «الأحباش» ومسجد الأولياء

من أكثر المحطات حساسية في التاريخ الحديث لمسلمي إثيوبيا الاحتجاجات التي بدأت مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
ففي عام 2011م ثم بصورة أوسع خلال 2012م (1433هـ)، اتهم مسلمون إثيوبيون الحكومة بالتدخل في شؤون المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ومحاولة فرض أتباع وتعاليم جماعة «الأحباش» على المؤسسات الدينية، إضافة إلى التدخل في إدارة مركز ومسجد الأولياء في أديس أبابا.
وشكّل المسلمون لجنة لتمثيل مطالبهم أمام الحكومة، ونُظمت تجمعات واحتجاجات سلمية في العاصمة ومناطق أخرى. وقالت هيومن رايتس ووتش إن قوات الأمن اعتقلت واعتدت على مئات المشاركين، وإن مصادر موثوقة تحدثت عن اعتقال ما يصل إلى ألف شخص خلال يوليو/تموز 2012 وحده، مع اعتقال عدد من أبرز أعضاء لجنة المسلمين وقيادات دينية وإعلاميين.
واستُخدم قانون مكافحة الإرهاب في ملاحقة عدد من قادة الحركة الاحتجاجية. وقالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها عن أحداث 2013م (1434–1435هـ) إن الاحتجاجات المتعلقة بما وصفه المشاركون بالتدخل الحكومي في الشؤون الدينية قوبلت باعتقالات تعسفية وضرب وسوء معاملة، وإن 29 من القادة والنشطاء واجهوا المحاكمة.
وكانت القضية ذات أهمية تتجاوز الخلاف المذهبي؛ إذ رأى المحتجون أن أصل المشكلة يتعلق بحق المسلمين في إدارة مؤسساتهم بأنفسهم، بينما كانت الحكومة تضع تحركاتها في سياق ما تزعمه من مكافحة التطرف وحماية الاستقرار. وقد أصبحت هذه المرحلة إحدى أهم نقاط التحول في تشكل الوعي السياسي والديني لدى جيل جديد من المسلمين الإثيوبيين.
إحراق مساجد واعتداءات طائفية

لم تكن ضغوط الدولة وحدها مصدر معاناة المسلمين، فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في أعمال العنف المجتمعي التي اختلط فيها الدين بالعرق والسياسة والتنافس المحلي.
في ديسمبر/كانون الأول 2019م (ربيع الآخر 1441هـ)، أُحرقت أربعة مساجد في مدينة موتا بإقليم أمهرة، وتعرضت متاجر وممتلكات مملوكة لمسلمين للتخريب والحرق. وأعلنت السلطات لاحقًا اعتقال مشتبه بهم على خلفية الاعتداءات. ووثقت رويترز الواقعة، بينما أشارت دراسات لاحقة إلى أن التوتر سبق الحادث بفترة وأن شائعات وخطابًا تحريضيًا أسهما في تفجير العنف.
كما سجلت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية في العام نفسه حوادث أخرى أُحرقت فيها مساجد وخُربت متاجر يملكها مسلمون في أمهرة.
لكن من الضروري عند تناول هذه المرحلة ألا تُقدَّم جميع أحداث العنف باعتبارها اضطهادًا أحادي الاتجاه؛ فقد تعرضت كنائس ونصارى بدورهم لهجمات في مناطق أخرى، وتحولت بعض النزاعات المحلية إلى دورات من الانتقام المتبادل. وهذا مهم لفهم الحالة الإثيوبية: فالهوية الدينية كثيرًا ما تتداخل مع الهوية القومية والمنافسة السياسية والصراعات على الأرض والسلطة.
أكثر من عشرين مسلمًا قتلوا في أحداث غوندر

في أبريل/نيسان 2022م (رمضان 1443هـ)، اندلعت مواجهات في مدينة غوندر عقب جنازة داعية مسلم ونزاع في مقبرة مشتركة، ثم تطورت الأحداث إلى عنف استمر أيامًا.
وذكر تقرير الخارجية الأمريكية بشأن الحريات الدينية أن أكثر من 20 مسلمًا قُتلوا خلال الأحداث، بينما أعقبتها اعتداءات وانتقامات في مناطق أخرى شملت مساجد وكنائس. وأشار التقرير نفسه إلى صعوبة تحديد ما إذا كان بعض العنف في إثيوبيا ذا دافع ديني خالص، بسبب التداخل الشديد بين الدين والانتماء الإثني والنزاعات السياسية والمصالح المحلية.
وهذه الملاحظة أساسية لفهم معاناة المسلمين في إثيوبيا دون الوقوع في التعميم: بعض الاعتداءات تستهدفهم بوضوح بوصفهم مسلمين، بينما تقع أحداث أخرى ضمن صراعات أوسع يكون الدين أحد عناصرها لا العامل الوحيد فيها.
هدم المساجد في «شَغَر».. وعودة الاحتجاج إلى الشوارع

شهد عام 2023م (1444–1445هـ) واحدة من أخطر الأزمات الحديثة بين السلطات وقطاعات من المجتمع المسلم.
ففي إطار إعادة تنظيم وتطوير مدينة «شَغَر» الجديدة المحيطة بأديس أبابا، هدمت سلطات إقليم أوروميا عددًا كبيرًا من المباني التي قالت إنها منشآت غير قانونية، وكان من بينها ما لا يقل عن 19 أو نحو 20 مسجدًا، بحسب تقارير متقاطعة.
واعترض المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبية على الهدم، وقال إنه خاطب رئيس الوزراء آبي أحمد بعدما لم تستجب السلطات الإقليمية لشكاواه. وفي 26 مايو/أيار و2 يونيو/حزيران 2023م (6 و13 ذو القعدة 1444هـ تقريبًا)، خرجت احتجاجات عقب صلاة الجمعة في مسجد الأنوار الكبير في أديس أبابا ومناطق أخرى.
وذكرت تقارير الحريات الدينية الأمريكية أن قوات الأمن استخدمت القوة خلال الاحتجاجات وأن أربعة مدنيين قُتلوا وأصيب نحو 40 شخصًا، بينهم مدنيون وأفراد أمن. كما وثقت تقارير حقوقية أخرى وقوع قتلى واعتقالات وإصابات خلال قمع التظاهرات.
ولا تزال واقعة شَغَر ذات دلالة كبيرة لأنها أعادت إلى الواجهة شكوى تاريخية لدى المسلمين: أن المساواة الدستورية لا تمنع بالضرورة وقوع قرارات محلية تمس مؤسساتهم الدينية أو إحساسهم بالأمان في المجال العام.
مسجد النجاشي يدفع ثمن حرب تيغراي

حتى المواقع الإسلامية ذات القيمة التاريخية العالمية لم تكن بمنأى عن حروب إثيوبيا المعاصرة.
فخلال حرب تيغراي التي اندلعت عام 2020م (1442هـ)، تعرض مسجد النجاشي التاريخي لأضرار كبيرة. ووثقت صور لوكالة رويترز التقطت في مارس/آذار 2021م (شعبان 1442هـ) أضرارًا واضحة في مئذنة المسجد وقبته.
ويحمل تضرر المسجد رمزية خاصة؛ فهذا المكان يرتبط في الذاكرة الإسلامية بأول لجوء للمسلمين إلى أرض آمنة، ثم وجد نفسه بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا وسط حرب داخلية مدمرة.
خلف أسوار “أديس أبابا”: النضال المنسي لطالبات النقاب في مواجهة التمييز والقانون
المسلمون والعنف المتواصل في أمهرة

استمرت المخاوف في السنوات التالية. ويذكر تقرير «فريدوم هاوس» الخاص بإثيوبيا لعام 2025 أن أعمال عنف استهدفت مدنيين مسلمين في عدد من بلدات إقليم أمهرة خلال أبريل/نيسان 2024م (شوال 1445هـ)، مع تسجيل ما لا يقل عن عشرة قتلى وفق بيانات ACLED. كما نقل التقرير عن مجلس الشؤون الإسلامية في أمهرة قوله إن 80 مدنيًا مسلمًا قُتلوا خلال الأشهر الثمانية السابقة؛ وهذه الأخيرة تبقى حصيلة صادرة عن المجلس وتحتاج إلى الفصل بينها وبين الأرقام التي أمكن توثيقها بصورة مستقلة.
وفي الوقت نفسه، يشهد إقليم أمهرة نزاعًا مسلحًا أوسع بين القوات الحكومية ومليشيات «فانو»، وقد وثقت منظمات حقوقية انتهاكات خطيرة ضد المدنيين من أطراف مختلفة. ولذلك لا يمكن نسب كل ما يقع للمسلمين في الإقليم تلقائيًا إلى دافع ديني.
الدستور يضمن الحرية الدينية.. فماذا يحدث على الأرض؟
على المستوى القانوني، دستور إثيوبيا الحالي علماني، وينص على فصل الدين عن الدولة وحرية المعتقد وممارسة الشعائر وحظر التمييز الديني. كما يسمح للمحاكم الشرعية بالنظر في قضايا الأحوال الشخصية عندما يكون الطرفان مسلمان ويقبلان اختصاص المحكمة، وتمنح المؤسسات الحكومية الموظفين المسلمين وقتًا يوم الجمعة لأداء الصلاة.
لكن المساواة ليست كاملة في جميع التفاصيل التنظيمية. ففي تحديث صادر عن اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية عام 2025، أشارت اللجنة إلى أن الجماعات الدينية مطالبة بالتسجيل لدى الجهات الحكومية، بينما تتمتع الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية باستثناء تاريخي من بعض متطلبات التسجيل بموجب القانون المدني.
وتظل المشكلة الأكبر هي الفارق بين النصوص الدستورية والتطبيق المحلي، خصوصًا في دولة فيدرالية ضخمة تتفاوت فيها الأوضاع الأمنية والإدارية من إقليم إلى آخر.
لماذا يصعب اختزال قضية مسلمي إثيوبيا في «أقلية دينية»؟
قضية المسلمين الإثيوبيين تختلف عن قضايا أقليات إسلامية كثيرة حول العالم. فهم ليسوا مهاجرين جددًا، ولا مجموعة إثنية منفردة، ولا جماعة صغيرة تعيش في هامش البلاد.
إنهم جزء من البنية التاريخية لإثيوبيا نفسها: من قصة الهجرة الأولى إلى نجاش، ومن الممالك والسلطنات الإسلامية في العصور الوسطى، إلى هرر ومدن أوروميا وعفر والإقليم الصومالي ودير داوا وأحياء أديس أبابا.
لكن المفارقة أن هذا الحضور التاريخي والديموغرافي الكبير تعايش طويلًا مع ضعف في تمثيل المسلمين داخل السردية الوطنية ومؤسسات الدولة. وتصف دراسات أكاديمية حديثة تاريخ المسلمين الإثيوبيين بأنه عملية مستمرة لإعادة التفاوض حول «المواطنة» والانتماء والخروج من الهامش إلى المجال العام.
ولا يعني ذلك أن العلاقة بين المسلمين والنصارى في إثيوبيا كانت تاريخًا من العداء الدائم. فقد شهدت البلاد نماذج عميقة من التعايش، وكانت أول صفحة بين الإسلام والحبشة نفسها قائمة على حماية ملك نصراني لمسلمين فارين بدينهم. كما تضم إثيوبيا إلى اليوم مجتمعات يعيش فيها المسلم والنصراني جنبًا إلى جنب وتتداخل الروابط الاجتماعية واللغوية والقومية بينهما.
المشكلة تظهر عندما تتحول الاختلافات الدينية والقومية إلى أدوات في الصراع على السلطة والأرض والموارد، أو حين تتدخل الدولة في استقلال المؤسسات الدينية، أو يعجز القانون عن حماية المساجد والمواطنين من التحريض والعنف، فكيف حين يقود هذا التحريض والعنف أصحاب السلطة أنفسهم.
حضور لا يمكن تجاوزه


تاريخ مسلمي إثيوبيا ليس ملحقًا بتاريخ البلاد، بل أحد مكوناته الأساسية.
ففي هذه الأرض وجد المسلمون أول ملجأ آمن خارج مكة، ومنها نشأت مجتمعات إسلامية من أقدم مجتمعات أفريقيا، وعلى أرضها قامت سلطنات ومراكز تجارية وعلمية، وما زالت هرر ونجاش وغيرهما شاهدة على أكثر من ألف عام من الحضور الإسلامي المتصل.
واليوم، يمثل المسلمون وفق آخر تعداد رسمي نحو ثلث سكان إثيوبيا وتقول مراجع غير رسمية بل نصف السكان، ويشكلون أغلبية في عدد من أقاليمها وأحد أكبر المكونات السكانية في أوروميا، أكبر أقاليم البلاد. لكن تاريخهم الحديث يكشف كذلك عن إرث طويل من التهميش، ومراحل من التدخل في شؤونهم الدينية، وحملات اعتقال وقمع للاحتجاجات، وهدم مساجد، فضلًا عن أعمال عنف طائفي أودت بحياة مسلمين وألحقت أضرارًا بممتلكاتهم ودور عبادتهم.
ومن هنا فإن فهم إثيوبيا الحديثة يظل ناقصًا من دون فهم مسلميها: حضورهم الديموغرافي، وتاريخهم الحضاري، وشعورهم بالمواطنة، والمظالم التي تراكمت عبر مراحل مختلفة من تاريخ الدولة.
فبلاد الحبشة التي فتحت أبوابها لأول مجموعة من المسلمين في القرن السابع الميلادي لا تزال، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، موطنًا لعشرات الملايين من المسلمين الذين لا يطلبون تعريفهم بوصفهم ضيوفًا على تاريخ إثيوبيا، وإنما بوصفهم أحد صانعي هذا التاريخ.





اترك تعليقاً