تحقيق صحفي خاص بوصل.
لم تكن أزمة حظر النقاب في جامعة “أديس أبابا” الإثيوبية مجرد قرار أمني عابر أصدرته إدارة جامعية بحجة “التحقق من الهوية”، بل إنها الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة وممتدة من النضال الحقوقي والاجتماعي الذي يخوضه المسلمون في البلاد منذ عقود. تعيد هذه القضية إلى الأذهان تاريخًا حافلاً بالتهميش والمطالبة بالحقوق الأساسية، لتكشف عن فجوة عميقة بين نصوص الدستور العلماني والواقع الميداني اليومي الذي تعيشه الطالبات المسلمات.
جذور تاريخية: من “الجزيرة المسيحية” إلى الحقوق الأساسية
لكي تتضح أبعاد الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى التاريخ القريب؛ فقبل أكثر من خمسين عامًا، لم يكن بإمكان المسلم في إثيوبيا دخول المدارس والجامعات إلا بعد تغيير اسمه الرسمي إلى اسم نصراني، ودراسة مناهج تفرض تعاليم دينية محددة. كان الدستور القديم ينص صراحة على أن الدولة “جزيرة مسيحية”، محجّمًا الوجود الإسلامي في إطار “المسلمين المقيمين في إثيوبيا”، وهو ما رسخ شعورًا عارمًا بالغربة داخل الوطن الأم.
ورغم الحراك الكبير الذي شهده عام 1966 “حسب التقويم الإثيوبي” وتوج بإقرار دستور 1995م الذي أعلن رسميًا علمانية الدولة وحيادها الديني، فإن الذهنية السائدة في بعض المؤسسات لا تزال تستثقل مطالب المسلمين بحقوقهم الدستورية، وتتعامل مع حقوق مكفولة — كالحجاب، والصلاة، بل وحتى توفير “الطعام الحلال” — على أنها مطالب غريبة تستدعي الرفض أو المماطلة.
«قبل نحو عشرين عامًا في جامعة أديس أبابا، لم تكن مطالبنا ترفًا؛ كان سؤالنا البسيط هو توفير طعام حلال في كافيهات الجامعة ليأكل الطالب المسلم وفق أحكام دينه دون أن يُجبر على أكل ما يُعد للآخرين.. ولم نصل إلى هذا الحق إلا بعد أكثر من ثلاث سنوات من النضال الصامود.».
أزمات تتعدى الحظر: مأساة “أكسوم” وتضييق الحريات
تؤكد الشهادات الواردة من قلب الحدث أن اختزال المعاناة في مسألة النقاب هو قراءة قاصرة لمشهد أكثر تعقيدًا؛ ففي مدينة “أكسوم” الإثيوبية على سبيل المثال، يواجه المسلمون واقعاً مأساويا يمنعهم من إقامة صلاة الجمعة في مساجد الجامعة، ويحظر الحجاب في المدارس حتى للأطفال، ويصل التضييق إلى حد منع دفن الموتى المسلمين داخل نطاق المدينة بحجة “قدسيتها المطلقة”.
هذا الوضع يضطر الأهالي ونشطاء المجتمع إلى نقل جثامين موتاهم إلى مدن مجاورة، ليس عبر الطرق الرئيسية التي يُمنعون من استخدامها، بل عبر مسالك غابية واحتراشات شاقة وطويلة، تجسّد حجم المعاناة النفسية والجسدية التي تلحق بالسكان المسلمين.
سبتمبر 2024: بداية الشرارة في جامعة “أديس أبابا”
انطلقت الفصل الأحدث للأزمة في شهر سبتمبر من عام 2024م، عندما أصدرت إدارة جامعة “أديس أبابا” قانونًا تنظيميًا جديدًا يمنع ارتداء أي غطاء يغطي الوجه داخل أسوار الحرم الجامعي، متعللة بـ “دواعي أمنية وصعوبة التعرف على الهوية”.
سارع اتحاد الطلاب المسلمين إلى التواصل مع الإدارة، موضحين أن النقاب ممارسة دينية مكفولة ولم يتسبب بأي خرق أمني على مدار السنوات الماضية. وقدم الطلاب حلولاً تقنية وعملية مرنة، من بينها:
التحقيق الاستثنائي: التأكد من الهوية عبر حارسات أنثويات على البوابات المغلقة.
البصمة الرقمية: تركيب أجهزة التعرف على بصمات الأصابع لتسهيل الدخول.
الدعم المؤسسي: مبادرة “المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا” بالتبرع والتكفل الكامل بتكاليف تركيب هذه الأجهزة.
ورغم هذه الحلول العملية والتكفل المالي الكامل، قوبلت المبادرات برفض الإدارة، التي واصلت تجاهل العرائض الطلابية وتهميش ممثلي الطلاب.
التناقض القانوني والدستوري:
ينص الدستور الإثيوبي على حق الجميع في الحصول على التعليم دون أي تحيز ديني أو ثقافي أو سياسي. وعند مواجهة مدير الجامعة بهذا النص في لقاء موثق، ادعى امتلاكه صلاحية “تقييد الحقوق الدستورية إذا اقتضت الظروف”، وهو ادعاء يتنافى مع الصلاحيات التنفيذية للأجهزة الأكاديمية ولا يستند إلى سند قانوني سليم.
معاناة يومية: إهانات على البوابات وحصار داخل الكليات
انعكس هذا القرار بشكل حاد ومباشر على حياة الطالبات المنتقبات الأكاديمية والشخصية؛ حيث بات الدخول إلى الجامعة أشبه بمعركة يومية تتراوح فيها فترات الانتظار أمام البوابات من دقائق إلى ساعات طويلة تحت أشعة الشمس والأمطار، وتتعرض الطالبات خلالها لشتائم وإهانات لفظية ونعوت تصم النقاب بـ “ثوب الإرهاب”.
ولم تتوقف التضييقات عند البوابات، بل امتدت إلى المرافق الداخلية:
نظام التعرف على الوجه: وُضعت كاميرات إلكترونية على أبواب المطاعم والمكتبات تجبر الطالبات على نزع النقاب أمام المارة لتمرير الدخول.
أزمة التغذية: اضطرت طالبات جائعات لتناول الطعام في أماكن تجميع النفايات خلف الكافيهات بعد منعهن من الدخول الصريح، أو التسلل خلف زملائهن أثناء فتح الأبواب الإلكترونية لثوان معدودة.
الضغط الأكاديمي: رُصدت حالات تعمد فيها بعض أعضاء الهيئة التدريسية خفض درجات الطالبات المنتقبات أو محاولة إرصابهن، مما خلق بيئة تعليمية غير آمنة ومحبطة.
احتجاج سلمي وملاحقات أمنية
أمام استمرار الصمت الإداري وإلغاء المواعيد الرسمية، نظم الطلاب اعتصاماً سلمياً أمام مكاتب الإدارة. واستمر الاعتصام ساعات طوال تحت التهديد، حيث تم استدعاء الشرطة الفيدرالية التي فرضت حصاراً مشدداً على المنطقة، ومنعت إدخال الطعام أو خروج الطلاب حتى للمرافق الصحية، وسط تهديدات مباشرة من عناصر الأمن.
انتهى الاعتصام بعد تدخل ممثلين عن وزارتي السلام والعدل والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتقديم وعود رسمية ببدء مفاوضات جذرية. غير أن تلك الوعود -بحسب الشهادات- تبخرت في اليوم التالي، واكتفت وسائل الإعلام بإعلان التوصل إلى “حل مؤقت”، في حين استمر الحراس في ممارسة التضييق والمنع الميداني.
خاتمة ومطالب عاجلة
مع وصول العام الدراسي إلى عطلته الصيفية، تعيش الطالبات حالة من القلق والغموض بشأن مستقبلهن التعليمي مع التهديد بتطبيق كامل ونارم لنظام التعرف الرقمي دون استثناءات.
إن الحل الحقيقي لهذه القضية لا يكمن في مسكنات مؤقتة أو تعليمات شفهية للحراس، بل يبدأ من تعديل القانون التنظيمي بشكل رسمي ومكتوب، والاعتراف الصريح بالنقاب كحق دستوري وشخصي، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تضمن استمرار الفتيات في تحصيلهن العلمي دون مساس بكرامتهن أو عقيدتهن.






اترك تعليقاً