حين يُذكر الإسلام في روسيا، تتجه الأنظار عادة إلى جمهوريات شمال القوقاز أو إلى تتارستان وباشكورتوستان في حوض الفولغا، لكن داغستان تحتل مكانة مختلفة؛ فهي ليست مجرد جمهورية ذات أغلبية سكانية تنتمي إلى شعوب مسلمة، وإنما واحدة من أقدم المناطق التي دخلها الإسلام ضمن الأراضي الواقعة اليوم داخل حدود روسيا الاتحادية، ومركز تاريخي للفقه واللغة العربية والتعليم الإسلامي، ومنها خرج علماء وقادة تركوا أثرًا يتجاوز حدود القوقاز.
وتعود خصوصية داغستان إلى اجتماع عدة عوامل في مكان واحد: وصول الإسلام إليها منذ القرن الأول الهجري، واستمرار تقاليد العلم الشرعي فيها قرونًا، وانتشار المذهب الشافعي، وتحول العربية إلى لغة للعلم والتأليف بين شعوب لا تتحدث العربية أصلًا، ثم الدور الذي أدته الطرق الصوفية والعلماء في المجتمع والمقاومة السياسية، وصولًا إلى النهضة الدينية الواسعة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي.
ولهذا، فإن فهم الإسلام في روسيا لا يكتمل دون فهم داغستان.
أين تقع داغستان ومن يسكنها؟

داغستان جمهورية اتحادية روسية تقع في شمال شرقي القوقاز، على الساحل الغربي لبحر قزوين، وعاصمتها محج قلعة «مخاتشكالا». وتبلغ مساحتها نحو 50 ألف كيلومتر مربع، بينما بلغ عدد سكانها بحسب البيانات الرسمية في 1 يناير/كانون الثاني 2025م، أي مطلع رجب 1446هـ تقريبًا، 3,259,890 نسمة.
وما يجعل المجتمع الداغستاني فريدًا أنه لا يتكون من شعب واحد. فوفق بيانات التعداد الروسي، تضم الجمهورية مئات الآلاف من الآفار والدارغين والكوميك والليزجين، إلى جانب اللاك والتاباساران والأذريين والشيشان والنوغاي وغيرهم. وتذكر وثيقة رسمية لحكومة داغستان، استنادًا إلى تعداد 2020، نحو 838 ألف آفاري، و491 ألف دارغيني، و451 ألف كوميكي، و357 ألف ليزجيني، إضافة إلى جماعات أخرى كثيرة.
هذا التنوع اللغوي والعرقي بالغ الأهمية لفهم دور الإسلام في المنطقة؛ إذ لم تكن داغستان يومًا مجتمعًا متجانسًا لغويًا، ولذلك أدى الدين والعلوم الإسلامية والعربية تاريخيًا دورًا يتجاوز العبادة وحدها، ليصبح جزءًا من المجال الثقافي المشترك بين جماعات مختلفة.
وينبغي هنا التفريق بين الانتماء الإثني والممارسة الدينية. فالتعداد الروسي لا يقدم إحصاءً مباشرًا للمعتقد الديني؛ إذ تتركز أسئلته على الجنسية والقومية واللغة والتعليم وغيرها. لكن المصادر الأكاديمية والرسمية الإقليمية تعتبر نحو 94% من السكان منتمين إلى جماعات عرقية اعتنقت الإسلام تاريخيًا، وأغلبها سنية، مع وجود أقلية شيعية، خصوصًا بين بعض الأذريين في جنوب داغستان.
دربند.. البوابة التي دخل منها الإسلام

صورة لقبور 41 من صحابة رسول الله ﷺ رضي الله عنهم في مدينة “دربند” في أقاصي داغستان، خرجوا من مكة والمدينة لإعلاء كلمة الله تعالى ونشر رسالته والتمكين لدينه.
قصة الإسلام في داغستان تبدأ إلى حد بعيد من دربند، المدينة التاريخية الواقعة بين جبال القوقاز وبحر قزوين.
لم يكن موقع دربند عاديًا. ففي هذه النقطة تقترب جبال القوقاز بشدة من البحر، ولا يبقى بينهما سوى ممر ساحلي ضيق يبلغ نحو ثلاثة كيلومترات. ولذلك كانت المدينة على مدى قرون بوابة استراتيجية بين الشمال والجنوب، وبين سهوب أوراسيا وبلاد فارس والعراق وما وراءها. وتصفها اليونسكو بأنها محطة بالغة الأهمية على الطريق بين أوروبا والشرق الأوسط.
وصلت الجيوش العربية الإسلامية إلى دربند في وقت مبكر للغاية. وتضع دراسات تاريخية حديثة أول سيطرة عربية عليها في نحو 643–644م، الموافق 22–23هـ تقريبًا، عندما وصلت قوات المسلمين إلى المدينة التي عُرفت في المصادر العربية باسم باب الأبواب. لكن السيطرة على المنطقة لم تكن مستقرة فورًا؛ إذ أعقبت ذلك حروب طويلة بين المسلمين والخزر وتغيرت موازين القوى أكثر من مرة. لذلك من الخطأ تصور أن داغستان كلها أصبحت مسلمة بمجرد وصول أول جيش عربي.
ما حدث هو أن دربند تحولت تدريجيًا إلى قاعدة ثابتة للإسلام في شرقي القوقاز، ومنها امتد النفوذ الديني والثقافي إلى المناطق المجاورة ثم إلى الجبال على مدى قرون.
ولهذا يمكن القول إن داغستان كانت من أوائل الأبواب التي دخل منها الإسلام إلى الأراضي الواقعة اليوم داخل الاتحاد الروسي، قبل إسلام بلغار الفولغا رسميًا سنة 922م بنحو ثلاثة قرون.
مسجد الجمعة في دربند.. شاهد من القرن الثاني الهجري

أبرز شاهد معماري على ذلك التاريخ هو مسجد الجمعة في دربند.
وتذكر خطة إدارة موقع دربند التابعة لليونسكو أن المسجد هو أقدم وأكبر مسجد جمعة تاريخي في القوقاز، وأن المصادر والنقش المحفوظ على المبنى تؤرخ إنشاء المسجد الكبير إلى 733–734م، الموافق سنة 115هـ، في عهد القائد الأموي مسلمة بن عبد الملك.
وهذه نقطة شديدة الأهمية: نحن نتحدث عن مسجد قائم تعود جذوره إلى أوائل القرن الثاني الهجري، في منطقة تقع اليوم داخل روسيا.
وقد شهد المسجد عمليات ترميم وإعادة بناء في مراحل مختلفة، ومنها إعادة إعمار مؤرخة بنحو 1368–1369م، أي قرابة 770هـ. أما المدينة القديمة وقلعة دربند وأسوارها فقد أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي سنة 2003م، الموافق 1424هـ تقريبًا.
وهكذا لا تمثل دربند بالنسبة إلى مسلمي داغستان مجرد مدينة قديمة، بل دليلًا ماديًا على وجود إسلامي يمتد إلى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
الإسلام لم ينتشر في يوم واحد
رغم البداية المبكرة، استغرق إسلام داغستان قرونًا.
فدربند والجنوب دخلا في المجال الإسلامي أولًا، بينما ظلت مجتمعات جبلية عديدة على معتقداتها السابقة فترات متفاوتة. ثم توسع الإسلام عبر العلماء والتجارة والروابط السياسية والدعوية، وكذلك بفعل السلاجقة وشبكات التصوف المحلية.
وتشير الدراسات إلى أن المذهب الشافعي أصبح راسخًا في داغستان منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ثم تطورت حوله تقاليد فقهية محلية واسعة. ولم يكن الفقه في داغستان مجرد تقليد شفهي؛ فقد خاض علماؤها على مدى القرون نقاشات مفصلة في أصول الفقه والاجتهاد والتقليد وعلاقة الشريعة بالأعراف المحلية.
ولهذا فإن أهمية داغستان لا تأتي فقط من قِدم دخول الإسلام، وإنما من تحوله إلى ثقافة علمية محلية متجذرة.
ظاهرة استثنائية: العربية في جبال القوقاز

من أكثر جوانب التاريخ الداغستاني إثارة للاهتمام مكانة اللغة العربية.
فشعوب داغستان ليست عربية، ولديها عدد كبير من اللغات المحلية المختلفة، ومع ذلك أصبحت العربية على مدى قرون لغة العلم والدين والتأليف، بل وأداة للتواصل بين النخب العلمية المنتمية إلى جماعات لغوية مختلفة.
ويصف الباحث مايكل كيمبر داغستان بأنها ذات تقليد عربي استثنائي في القوقاز، ويشير إلى أن العربية ظلت لأكثر من ألف عام من أهم لغات التواصل العلمي والثقافي بين جماعاتها، وأن الأدب العربي ازدهر فيها في العصور الوسطى، واستمر استخدام العربية حتى في ظل الحكم الإمبراطوري الروسي.
وخلّف علماء داغستان آلاف المخطوطات في الفقه وأصوله والتفسير والحديث واللغة والمنطق والتصوف وغيرها. كما لم تكن الحركة العلمية منغلقة داخل الجبال؛ فقد اتصل العلماء الداغستانيون بالحجاز والعراق والدولة العثمانية وبلاد فارس وآسيا الوسطى.
بل تظهر المصادر أن طلاب علم من منطقة الفولغا والأورال كانوا يسافرون في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي إلى داغستان خصيصًا لتحسين العربية والدراسة على علمائها، قبل أن يواصل بعضهم رحلاتهم إلى المراكز الإسلامية في الدولة العثمانية.
وهذا يجعل داغستان حالة فريدة نسبيًا في تاريخ الإسلام الروسي: منطقة جبلية متعددة اللغات تحولت إلى مركز لتدريس العربية والعلوم الإسلامية لطلاب قدموا من مناطق أخرى في الإمبراطورية الروسية.
المذهب الشافعي والتصوف

ما زالت السمة الفقهية الأبرز في داغستان هي المذهب الشافعي، بخلاف كثير من مسلمي حوض الفولغا وآسيا الوسطى الذين يغلب عليهم المذهب الحنفي. ويشيع الحنفي أيضًا بين بعض المجموعات في داغستان، خصوصًا النوغاي والتتار، فيما تتبع التجمعات الشيعية المذهب الجعفري.
أما التصوف فترك أثرًا بالغًا في الحياة الدينية والسياسية. وكانت النقشبندية من أكثر الطرق تأثيرًا، ولا سيما النقشبندية الخالدية، إلى جانب حضور الشاذلية والقادرية وغيرها في مراحل مختلفة.
غير أن الواقع المعاصر أكثر تعقيدًا من تقسيم السكان ببساطة إلى «صوفيين» و«سلفيين». فدراسة ميدانية منشورة في دورية Contemporary Islam وجدت أن كثيرًا من المسلمين المتدينين في داغستان يعرفون أنفسهم ببساطة بأنهم «مسلمون»، من دون الانتماء التنظيمي إلى طريقة صوفية أو تيار سلفي. وهذا مهم لتجنب الصورة المختزلة التي غالبًا ما يُقدم بها الإسلام الداغستاني في الدراسات الأمنية والإعلامية.
الإمام شامل.. حين أصبح الإسلام إطارًا لدولة ومقاومة

يصعب الحديث عن تاريخ داغستان الإسلامي دون التوقف عند الإمام شامل، إحدى أشهر الشخصيات الإسلامية في تاريخ القوقاز.
بدأت إمامة القوقاز سنة 1828م، أي نحو 1243–1244هـ، على يد غازي محمد، ثم حمزة بك، قبل أن يصبح شامل الإمام الثالث والأخير سنة 1834م، الموافق نحو 1250هـ.
وحكم شامل حتى 1859م، الموافق 1275–1276هـ تقريبًا، وبسطت الإمامة في مراحل مختلفة سلطتها على أجزاء واسعة من داغستان والشيشان. وكانت دولة ذات مرجعية إسلامية حاولت إحلال أحكام الشريعة وتنظيمات مركزية محل جانب من منظومة الأعراف القبلية والمحلية.
وكان شامل نفسه مرتبطًا بالطريقة النقشبندية، وجمع بين السلطة الدينية والقيادة العسكرية. وتصف دراسة حديثة في Slavic Review إمامته بأنها أقامت أقوى مقاومة محلية في تاريخ التوسع القيصري الروسي، قبل أن يستسلم للقوات الروسية سنة 1859م، وهو ما مهّد بصورة حاسمة لانتصار روسيا في الجبهة الشرقية من حرب القوقاز.
وبذلك أصبحت شخصيته جزءًا من الذاكرة الإسلامية في داغستان ومن تاريخ مقاومة الإمبراطورية الروسية في شمال القوقاز، لكن أهميته لا تقتصر على الجانب العسكري؛ فقد كان أيضًا شيخًا نقشبنديًا، وظلت تصله بعد أسره رسائل من أتباعه يسألونه في مسائل دينية.
من القيصرية إلى الاتحاد السوفيتي.. محاولة قطع السلسلة
بعد إخضاع داغستان للإمبراطورية الروسية، لم تختف المؤسسات الإسلامية. واستمر العلماء واللغة العربية والمدارس الدينية فترة طويلة، وإن تغيرت علاقتها بالدولة.
لكن التحول الأشد وقع بعد الثورة البلشفية وتأسيس الاتحاد السوفيتي.
ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، أي خلال نحو 1338–1359هـ، دخلت الدولة السوفيتية مرحلة عداء واسع للمؤسسات الدينية، شملت إغلاق المساجد والمدارس، ومصادرة الأوقاف، واعتقال أعداد كبيرة من رجال الدين في أنحاء الاتحاد السوفيتي. وفي داغستان استهدفت هذه السياسة أيضًا الثقافة العربية المرتبطة بالتعليم الإسلامي.
لكن المعرفة الإسلامية لم تختف تمامًا. فقد استمر بعض العلماء في تدريس العربية والعلوم الدينية بصورة خاصة، وظلت المخطوطات تتداول وتحفظ داخل الأسر والقرى. وتشير دراسات حديثة إلى أن الإنتاج والنقاش الفكري الإسلامي في داغستان استمرا بدرجات مختلفة حتى تحت الحكم السوفيتي، رغم القيود الشديدة.
ثم شهدت سياسة موسكو تحولًا نسبيًا أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي سنة 1944م، الموافق 1363هـ تقريبًا، أنشئ الإدارة الروحية لمسلمي شمال القوقاز ومقرها بويناكسك في داغستان، لتصبح واحدة من المؤسسات الإسلامية الرسمية الرئيسية في الاتحاد السوفيتي وتشرف على المسلمين في مناطق واسعة من شمال القوقاز. وتظهر دراسة أرشيفية منشورة سنة 2025 أن تأسيسها جاء ضمن إعادة تنظيم موسكو لعلاقتها بالمؤسسات الدينية خلال الحرب، مع بقائها تحت رقابة الدولة السوفيتية.
وهذا يكشف جانبًا آخر من ثقل داغستان: حتى عندما حاول الاتحاد السوفيتي تنظيم الإسلام ووضعه داخل هياكل رسمية محدودة، اختار داغستان مركزًا للمؤسسة التي تمثل مسلمي شمال القوقاز.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.. عودة الإسلام إلى المجال العام
مع أواخر الثمانينيات ثم انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991م، الموافق 1411–1412هـ، دخلت داغستان مرحلة من أسرع موجات الإحياء الإسلامي في روسيا.
أعيد بناء المساجد، وظهرت المدارس والمعاهد الدينية، وعادت دراسة العربية والقرآن إلى المجال العام، وازداد الاتصال بالعالم الإسلامي بعد عقود من العزلة السوفيتية. وتصف دراسات أكاديمية هذه المرحلة بأنها عملية «إعادة أسلمة» واسعة من القاعدة الاجتماعية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
وحجم البنية الدينية اليوم يعطي فكرة عن عمق هذا التحول. فوفق بيانات رسمية إقليمية مؤرخة في 1 يناير/كانون الثاني 2022م، الموافق أواخر جمادى الأولى 1443هـ، كان في داغستان 2,753 مؤسسة دينية إسلامية، بينها 1,352 مسجد جمعة، و1,163 مسجدًا محليًا، و214 مصلى، فضلًا عن ست مؤسسات إسلامية للتعليم العالي و16 مدرسة دينية ونحو 173 مدرسة ملحقة بالمساجد.
والمغزى هنا ليس الأرقام وحدها، وإنما مقدار التحول: الإسلام الذي دُفع إلى الهامش والسرية في أجزاء من الحقبة السوفيتية عاد خلال جيل واحد إلى شبكة واسعة من المساجد والتعليم والمؤسسات الدينية.
داغستان: جمهورية مسلمة، ترزح تحت الهيمنة الروسية
لماذا تعد داغستان إذن من أهم مناطق الإسلام في روسيا؟

لا توجد إجابة واحدة، بل تتجمع عناصر عدة.
فهي أولًا من أقدم مناطق الحضور الإسلامي ضمن حدود روسيا الحالية، إذ وصل المسلمون إلى دربند في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي.
وهي ثانيًا صاحبة واحدة من أقدم البنى الإسلامية المادية الباقية في المنطقة، وفي مقدمتها مسجد الجمعة في دربند المؤرخ بسنة 115هـ/733–734م.
وهي ثالثًا مركز تاريخي للعلم، تميز فيه الفقه الشافعي، وازدهرت العربية بصورة استثنائية حتى أصبحت لغة العلماء والمؤلفات والتواصل بين جماعات مختلفة.
وهي رابعًا أحد أهم مراكز التصوف في شمال القوقاز، وارتبط تاريخها بشبكات النقشبندية وغيرها، وبشخصيات مثل الإمام شامل التي جمعت في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي بين الدين والسياسة والمقاومة.
وهي خامسًا أدت دورًا يتجاوز حدودها الجغرافية؛ فطلاب العلم قصدوا علماءها، وربطتها شبكات الحج والتجارة والتصوف بالحجاز والدولة العثمانية وآسيا الوسطى ومناطق أخرى من العالم الإسلامي. وتؤكد الدراسات التاريخية أن شمال القوقاز، وداغستان بصورة خاصة، كان جزءًا من شبكة واسعة من العلماء والحجاج والتجار قبل أن تقطع الحدود الإمبراطورية والسوفيتية كثيرًا من هذه الروابط.
ثم إن أهميتها مستمرة في العصر الحديث: فالكثافة الكبيرة للمساجد والتعليم الديني، والحضور القوي للإسلام في الحياة اليومية، يجعلانها واحدة من أكثر الجمهوريات الروسية تشبعًا بالمؤسسات والثقافة الإسلامية.
داغستان ليست قصة «أقلية مسلمة» فقط
وربما تكون هذه هي النقطة الأهم. عندما ينظر إلى الإسلام في روسيا من موسكو وحدها، قد يبدو المسلمون «أقلية دينية» داخل بلد ذي أكثرية أرثوذكسية. لكن النظر من داغستان يقدم صورة أخرى تمامًا.
هناك قرى ومدن عرفت الإسلام منذ أكثر من ألف عام، وأسر علمية تناقلت المعرفة الشرعية جيلًا بعد جيل، ومخطوطات عربية كتبت في جبال القوقاز، ومسجد يعود إلى القرن الثاني الهجري، ومذهب فقهي راسخ، وشبكات صوفية، وتاريخ سياسي وعسكري تشكل حول مفهوم الإمامة والشريعة، ثم مجتمع استطاع بعد سبعين عامًا من الحكم السوفيتي أن يعيد خلال عقود قليلة بناء آلاف المؤسسات الدينية.
ولهذا لا يصح اختزال داغستان في صور الجبال والمصارعة والفنون القتالية التي اشتهرت بها عالميًا، ولا في الملفات الأمنية التي غلبت على تناولها الإعلامي في بعض الفترات.
فمن منظور التاريخ الإسلامي، داغستان قبل كل ذلك إحدى أقدم البوابات الإسلامية إلى شمال القوقاز، وأحد أبرز مواطن المذهب الشافعي والثقافة العربية الإسلامية داخل روسيا، وحلقة تاريخية ربطت العالم الإسلامي بجبال القوقاز على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
ولهذا تحديدًا، عندما يُطرح سؤال: «أين تقع أهم مواطن الإسلام التاريخية داخل روسيا؟»، فإن داغستان ليست مجرد اسم في الإجابة، بل واحدة من أهم نقاط البداية لفهم القصة كلها.





اترك تعليقاً