«تنازل لله».. الديون في فلسطين تتحول لباب للعفو والمسامحة

8hjDrpCWPMudZFJfBOa88MjDBSCjDLedUSAYUUAAij q4N2KoMrJpXVPSUZ2 VNqt 6SzMn7xFjX3wrHquS2M4ixiGLRK8Nr56oaSI3ZQinKp5hRi4Ozfvak qSXa5jjiWP6RtdVsBsWfxXoZgYTa9kcP6uiBMaluE 6kET 7iO9JYHJ7l1gaXzb4ewfhEFB

لم تبدأ الحكاية بمؤسسة كبيرة، ولا بصندوق تبرعات، ولا بحملة لجمع الأموال، بل بمعلمة فلسطينية أثقلها الدَّين وخشيت أن تجد نفسها ملاحقة بسبب شيك لم تستطع الوفاء به.

اتصلت المعلمة بالإعلامي والناشط الفلسطيني علاء الريماوي طالبة المساعدة. تواصل الريماوي مع صاحب الحق، فوافق الرجل على إسقاط الدين ومسامحتها. كان يمكن للقصة أن تنتهي هنا، بمشكلة حُلّت بين شخصين، لكن ما حدث بعد ذلك حوّلها إلى واحدة من أكثر المبادرات الاجتماعية تداولًا في فلسطين خلال الأيام الأخيرة.

أطلق الريماوي عبر منصات التواصل الاجتماعي مبادرة حملت اسم «تنازل لله»، داعيًا أصحاب الديون والشيكات والحقوق المالية إلى النظر في أحوال من تعثروا عن السداد، والتنازل عن الدين كليًا أو جزئيًا لمن يستطيع منهم ذلك، أو منحه مزيدًا من الوقت والتيسير.

ملايين الشواكل خلال أيام

لم يحتج النداء إلى وقت طويل حتى يتحول إلى موجة واسعة.

بدأ تجار وأصحاب محال وأفراد يعلنون تباعًا مسامحة أشخاص مدينين لهم. بعضهم مزق شيكات، وآخرون أتلفوا دفاتر ديون كاملة، فيما تنازل آخرون عن قروض شخصية وحقوق مالية متراكمة منذ سنوات.

وبعد نصف ساعة فقط من انطلاق المبادرة، تجاوزت قيمة الديون التي أُعلن عن إسقاطها نصف مليون شيكل، ثم ارتفعت إلى نحو 7.5 ملايين شيكل خلال 48 ساعة، ووصلت إلى نحو 12 مليون شيكل خلال خمسة أيام. وفي 11 سبتمبر، قال الريماوي إن القيمة الإجمالية للمسامحات باتت تقترب من 15 مليون شيكل.

وهي أرقام تعكس فقط ما أُعلن عنه، إذ تحدث القائمون على الحملة عن أشخاص اختاروا عدم الكشف عن تنازلاتهم، رغبة منهم في أن تبقى أعمالهم بعيدة عن العلن.

دفتر ديون يُحرق.. وشيكات تُمزق

وراء تلك الملايين عشرات القصص الصغيرة.

صاحب صيدلية أحرق دفتر ديون تبلغ قيمته نحو 9 آلاف شيكل، وصاحب محل تجاري أتلف دفترًا آخر يضم ديونًا تقدر بنحو 40 ألف شيكل. وشخص آخر تنازل عن 4 آلاف شيكل باقية له من ثمن سيارة، بينما سامح صاحب كشك بسيط أحد زبائنه بدين قيمته 130 شيكلًا فقط.

وقد يبدو الفرق هائلًا بين عشرات آلاف الشواكل و130 شيكلًا، لكن روح المبادرة لم تكن تقاس بحجم الرقم؛ فكل شخص تنازل عما يستطيع، وكل دائن قرر أن يرفع عبئًا عن شخص آخر.

ووصلت الحملة إلى غزة أيضًا. وروى الريماوي أن سيدة نازحة تعيش في خيمة قررت إسقاط ثلثي الديون المستحقة لها على آخرين، رغم ظروف النزوح والحرب والحاجة التي تعيشها هي نفسها. كما تحدث عن تاجر أحرق دفتر ديونه وعشرات الشيكات على الهواء مباشرة، وعن امرأة كانت قد أعطت جارتها إسورة ذهبية لمساعدة ابنها على إكمال تعليمه، ثم قررت مسامحتها بقيمتها.

وامتدت روح «تنازل لله»، وفق حالات جرى تداولها ضمن الحملة، إلى داخل البيوت والعائلات أيضًا، حيث أعلنت بعض الزوجات مسامحة أزواجهن في حقوق مالية أو مؤخر الصداق، في تعبير آخر عن انتقال الفكرة من علاقة الدائن والمدين التقليدية إلى دوائر اجتماعية أوسع.

ليست حملة لجمع التبرعات

ما يميز «تنازل لله» أنها لا تقوم في الأصل على جمع المال من الآخرين، بل على إسقاط حق مالي موجود بالفعل.

فالشخص لا يُطلب منه أن يدفع دين شخص آخر، وإنما يُدعى من كان له حق لدى متعثر إلى أن يسأل نفسه: هل أستطيع أن أتنازل عن هذا الحق كله؟ أو بعضه؟ أو على الأقل أن أمنح المدين وقتًا إضافيًا؟

وأوضح الريماوي أن المبادرة ترتكز على ثلاثة مسارات: المسامحة بالدين، أو تأجيله، أو التيسير في طريقة سداده.

ولهذا لا تعني الحملة أن كل دائن مطالب بالتنازل عن ماله، فقد يكون هو نفسه محتاجًا إليه، وإنما تخاطب القادر على المسامحة دون أن يتضرر.

وهذا المعنى قريب مما ذكره الله في القرآن في التعامل مع المعسر: «وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» [البقرة: 280].

لماذا لاقت الحملة كل هذا الصدى؟

جاءت المبادرة في وقت تعيش فيه قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني ضغوطًا اقتصادية شديدة، فأصبح الدين بالنسبة إلى كثير من الأسر وسيلة لتجاوز النفقات اليومية، لكنه يتحول مع استمرار التعثر إلى عبء نفسي وقانوني واجتماعي.

وفي مثل هذه الظروف، لا يعني إسقاط شيك أو دين مجرد حذف رقم من دفتر حسابات؛ فقد يعني منع ملاحقة شخص، أو إنقاذ أسرة من خلاف، أو منح صاحب متجر صغير فرصة للبقاء، أو تمكين أب أو أم من البدء من جديد.

وهذا ربما يفسر سرعة انتشار المبادرة. فكل قصة تنازل منشورة شجعت شخصًا آخر على مراجعة دفتر ديونه، وكل شيك ممزق دفع آخر إلى فعل الشيء نفسه، حتى تحولت المبادرة من تصرف فردي إلى ما يشبه سلسلة اجتماعية من المسامحة.

وبحسب ما نُشر عن الحملة، تجاوز عدد المشاركين فيها المئة عندما اقتربت قيمة الديون المعفاة من حاجز 10 ملايين شيكل.

ما هو أبعد من المال

لكن الأثر الأبرز لـ«تنازل لله» ربما لا يكون في مجموع الشواكل التي شُطبت.

فالأموال، مهما كبرت، تبقى قابلة للحساب. أما ما يصعب حسابه فهو عدد البيوت التي دخلتها الراحة بعد إسقاط دين، وعدد الأشخاص الذين استيقظوا وهم يعلمون أن حقًا ماليًا كان يطاردهم لم يعد موجودًا، وعدد العلاقات التي أعادت المسامحة ترميمها.

وقد دعا الريماوي المقتدرين، من الفلسطينيين والعرب والمغتربين، إلى المساهمة في كفالة المتعثرين والأيتام والمصابين، كما دعا الشركات والمؤسسات الكبيرة إلى النظر في ديون المتعثرين والتخفيف عنهم قدر المستطاع.

بدأت «تنازل لله» باتصال من معلمة خائفة من تبعات دين، ثم انتقلت من هاتف إلى هاتف، ومن متجر إلى آخر، ومن دفتر ديون إلى آخر.

وفي أيام قليلة، لم يعد السؤال فقط: كم بلغ مجموع الديون التي أسقطت؟

بل أصبح السؤال الذي حملته المبادرة إلى كل صاحب حق: إن كنت قادرًا على المسامحة، فهل هناك إنسان تستطيع اليوم أن تزيح عن كتفيه دينًا، وأن تقول له بكل يسر: سامحتك لله؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *