من تل أبيب إلى دارفور.. تقرير يكشف علاقات أمنية واستخباراتية سرية بين “إسرائيل” و”الدعم السريع”

53a1b51e a472 11f1 b1e8 00163e02c055

في وقت تواجه فيه قوات الدعم السريع اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في السودان، كشف تقرير استقصائي جديد عن قنوات اتصال أمنية واستخباراتية سرية جمعت قيادات بارزة في القوات بمسؤولين إسرائيليين، واستمرت حتى خلال الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023.

وكشف موقع «Africa Intelligence» الفرنسي، في 28 أغسطس/آب، أن قيادة الدعم السريع حافظت على اتصالات رفيعة المستوى مع تل أبيب منذ بداية الحرب، وأن التعاون الأمني بين الطرفين يعود في الأصل إلى ما قبل اندلاع الصراع. وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية وأوروبية تفاصيل التقرير، مع التنبيه إلى عدم وجود تأكيد رسمي إسرائيلي أو من الدعم السريع لهذه الاتصالات.

زيارات سرية إلى تل أبيب

إحدى أهم المعلومات التي كشف عنها التحقيق تتعلق بزيارتين سريتين إلى ما يسمى “إسرائيل”؛ الأولى في مايو/أيار 2025، والثانية في فبراير/شباط 2026.

وهنا توجد نقطة مهمة تختلف فيها بعض التغطيات اللاحقة عن تقرير «Africa Intelligence»: فبينما ذكرت بعض المواقع أن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» نفسه زار تل أبيب، تشير التفاصيل التي نقلتها «جيروزاليم بوست» و«يورونيوز» عن التحقيق الأصلي إلى أن الوفدين ضمّا شقيقيه عبد الرحيم حمدان دقلو، نائب قائد الدعم السريع، والقوني حمدان دقلو، وليس حميدتي شخصيًا. وفي الزيارة الثانية انضم إليهما المستشار القانوني للدعم السريع.

وبحسب التقرير، التقى أعضاء الوفدين مسؤولين في قسم أفريقيا بوزارة الخارجية الإسرائيلية وعناصر من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

ولم تكن هذه، وفق التحقيق، بداية العلاقة؛ إذ تعود قنوات الاتصال الأمني والاستخباراتي إلى سنوات سابقة للحرب، وشملت أيضًا تقنيات المراقبة وجوانب من التكنولوجيا العسكرية.

معدات تجسس إسرائيلية وصلت إلى الدعم السريع

وتعيد المعلومات الجديدة إلى الواجهة تحقيقات سابقة عن حصول الدعم السريع على تقنيات مراقبة مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.

ففي عام 2022، تحدثت تقارير استقصائية عن وصول طائرة مرتبطة برجل الأعمال وضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق تال ديليان، مؤسس شبكة «Intellexa»، إلى السودان، وسط تقارير عن نقل معدات متطورة لمراقبة واختراق الهواتف إلى الدعم السريع.

ويشير «Africa Intelligence» في تقريره الجديد إلى تلك الوقائع ضمن مسار أوسع من العلاقات الأمنية والتقنية التي سبقت الحرب، وليس باعتبار الاتصالات الحالية تطورًا ظهر بعد أبريل/نيسان 2023.

ما الذي تقدمه “إسرائيل” للدعم السريع؟

العنوان الذي نشرته بعض وسائل الإعلام عن التحقيق ذهب إلى الحديث عن «مساعدات استخباراتية وأمنية» إسرائيلية للدعم السريع، بل استخدمت تغطيات أخرى وصف «المساعدات العسكرية».

لكن المتاح علنًا من تحقيق «Africa Intelligence» يثبت بصورة أوضح وجود اتصالات أمنية واستخباراتية رفيعة المستوى وزيارات سرية وارتباطات سابقة بتكنولوجيا المراقبة؛ أما حجم وطبيعة المساعدة الإسرائيلية العملياتية التي حصل عليها الدعم السريع خلال الحرب تحديدًا فلا تزال أقل وضوحًا في المعلومات المنشورة.

قوة متهمة بالإبادة

تزداد حساسية الكشف بسبب السجل الدموي الذي تحمله قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب.

فالحديث عن «الإبادة» هنا ليس مجرد توصيف إعلامي؛ إذ أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا في يناير/كانون الثاني 2025 أن أفرادًا من قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها ارتكبوا إبادة جماعية في السودان، مستندة إلى عمليات قتل ممنهجة على أساس عرقي وعنف جنسي واسع واستهداف المدنيين ومنع وصول الإمدادات المنقذة للحياة.

وفي فبراير/شباط 2026، أعادت وزارة الخزانة الأمريكية التأكيد على أن الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معه ارتكبت، منذ بداية الحرب، فظائع واسعة تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، وفرضت عقوبات على ثلاثة من قادته بسبب الفظائع المرتكبة في الفاشر.

وبذلك تأتي المعلومات عن العلاقات الإسرائيلية في وقت أصبح فيه الدعم السريع موضع عقوبات وملاحقات دولية بسبب الانتهاكات التي تورط بها عناصره.

الإمارات.. الداعم الخارجي الأبرز

ولا يمكن فصل العلاقة الإسرائيلية التي يتحدث عنها التقرير عن شبكة الدعم الخارجي الأوسع لقوات الدعم السريع، وفي مقدمتها الاتهامات الموجهة إلى الإمارات.

وقد وثقت وزارة الخزانة الأمريكية وجود شركات مقرها الإمارات مرتبطة بتمويل الدعم السريع وشراء المعدات العسكرية لصالحه. ففي يناير/كانون الثاني 2025 فرضت واشنطن عقوبات على سبع شركات مرتبطة بالدعم السريع، وقالت صراحة إن شركة «Capital Tap Holding» الإماراتية قدمت أموالًا وأسلحة للقوات.

كما وثقت الخزانة الأمريكية لاحقًا مشاركة مئات العسكريين الكولومبيين السابقين في القتال إلى جانب الدعم السريع منذ عام 2024، وأشارت إلى توليهم أدوارًا قتالية وتقنية في مناطق مختلفة من السودان، بينها الفاشر.

وهكذا تبدو الحرب السودانية، التي بدأت باعتبارها صراعًا على السلطة بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان والدعم السريع بقيادة حميدتي، مرتبطة بصورة متزايدة بشبكات إقليمية ودولية من التمويل والتسليح والاستخبارات والمقاتلين الأجانب.

لماذا تهم “إسرائيل” هذه العلاقة؟

من المنظور الإسرائيلي، يمنح التواصل مع الدعم السريع قناة مباشرة إلى أحد أبرز الفاعلين المسلحين في السودان، البلد الذي يحتل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر ويقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الإسرائيلية والإماراتية والمصرية والسعودية وغيرها.

ويشير «Africa Intelligence» إلى أن اندلاع الحرب لم يؤدِّ إلى قطع هذه القنوات، بل استمرت الاتصالات مع شخصيات بارزة من الدائرة المحيطة بقيادة الدعم السريع.

أما بالنسبة للدعم السريع، فإن الوصول إلى الخبرات الاستخباراتية وتقنيات المراقبة والتكنولوجيا العسكرية يمثل قيمة كبيرة في حرب أصبحت فيها الطائرات المسيّرة والاستخبارات الميدانية والقدرة على تحديد الأهداف عناصر شديدة التأثير.

علاقة قديمة استمرت رغم الحرب

تكمن أهمية تحقيق «Africa Intelligence» في أنه لا يقدم العلاقة بين “إسرائيل” والدعم السريع بوصفها حادثة منفردة، بل بوصفها مسارًا ممتدًا سبق الحرب واستمر خلالها.

فمن الاتصالات التي سبقت أبريل/نيسان 2023، إلى التقارير المتعلقة بتكنولوجيا المراقبة، ثم الزيارات السرية إلى تل أبيب في 2025 و2026، تظهر صورة علاقة عمل أمنية واستخباراتية حافظ الطرفان على قنواتها بعيدًا عن العلن.

وفي ظل ثبوت ارتكاب الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معه إبادة جماعية وفق التحديد الرسمي الأمريكي، فإن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بمن يدعم أي طرف في الحرب السودانية، بل أيضًا بمدى المسؤولية السياسية والقانونية والأخلاقية للدول والشبكات الخارجية التي وفرت للقوى المتحاربة المال والسلاح والتكنولوجيا والخبرات التي ساعدتها على مواصلة حرب دفع المدنيون السودانيون ثمنها الأكبر.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *