ميليشيات من قلب الفوضى.. كيف يستخدم الاحتلال الإسرائيلي العصابات المسلحة ذراعًا عملياتية داخل غزة؟

6afe6248 a23d 11f1 be9e 00163e02c055

تكشف معطيات نشرتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن توسع الاحتلال الإسرائيلي في الاعتماد على مجموعات مسلحة محلية داخل قطاع غزة، تضم، بحسب التحقيق، عناصر ارتبطت سابقًا بعالم الجريمة وتجارة المخدرات والتهريب، لتتحول هذه المجموعات تدريجيًا إلى ما وصفه التقرير بـ«ذراع عملياتية» تعمل بالتنسيق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي «الشاباك».

ولا يتحدث التحقيق عن مجموعات تعمل بصورة مستقلة أو في فراغ أمني فحسب، بل عن تشكيلات مسلحة تتحرك داخل مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، وتحصل على الحماية والإسناد خلال عملياتها، في نموذج يثير مخاوف من استخدام وكلاء محليين لتنفيذ مهام يصعب على جيش الاحتلال الإسرائيلي الظهور بوصفه المنفذ المباشر لها.

خمس مجموعات موزعة على مناطق مختلفة من القطاع

بحسب التقرير، تعمل حاليًا خمس مجموعات مسلحة بارزة في قطاع غزة، موزعة بين بيت حانون والشجاعية ودير البلح وخان يونس ورفح، فيما خُصص لكل مجموعة نطاق جغرافي محدد يقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

وتشير المعلومات الواردة في التحقيق إلى أن العلاقة بين هذه المجموعات وجيش الاحتلال الإسرائيلي تجاوزت مجرد التغاضي عن نشاطها؛ إذ تظهر الجماعات، وفق التقرير، على خرائط الإحاطة العسكرية وفي أنظمة القيادة، وتستخدم نداءات اتصال خاصة بجيش الاحتلال الإسرائيلي، كما توجد بعض قواعدها قرب مواقع عسكرية إسرائيلية.

ونقل التحقيق عن ضابط في سلاح الجو الإسرائيلي كان يتابع المسلحين بواسطة طائرة مسيرة، إلى جانب عنصر من «الشاباك»، قوله إن “إسرائيل” والجيش والشاباك يرسلون «ميليشيات مسلحة ومدربة» لتنفيذ عمليات داخل القطاع، بينما تتولى القوات الإسرائيلية حمايتها أثناء تحركها.

حماية جوية ومدفعية للمسلحين

وأفادت مصادر من داخل غزة، وفق المادة المنشورة، بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي وفر لهذه الجماعات غطاءً مدفعيًا وإسنادًا بواسطة الطائرات المسيرة خلال عملياتها.

هذه العلاقة العملياتية تجعل وصفها بأنها مجرد «عشائر» أو قوى محلية معارضة لحركة حماس وصفًا ناقصًا، إذ يقول مسؤولون عسكريون إسرائيليون كبار إن الشخصيات الأساسية التي تقود هذه الجماعات ليست قيادات سياسية ولا تمثل بديلًا سياسيًا موثوقًا لحماس، وإنما ينتمي بعضها إلى شبكات إجرامية سابقة وتجار مخدرات استغلوا الفوضى التي خلفتها الحرب لتحقيق مصالحهم الخاصة.

إطلاق نار ونهب وإحراق للمنازل

الأخطر في التحقيق هو ما ينسبه إلى هذه الجماعات من انتهاكات بحق الفلسطينيين أنفسهم.

فبحسب شهادة الضابط الإسرائيلي ومعلومات جمعتها الأمم المتحدة، أطلقت مجموعات مسلحة النار على مدنيين فلسطينيين، ونهبت وأحرقت منازل، وأجبرت عائلات على مغادرة أماكن لجوئها.

وكان جنود إسرائيليون قد حذروا، منذ المراحل الأولى لاستخدام هذه الجماعات، من أن هذه السياسة قد تهيئ الظروف لعمليات قتل واسعة تشبه، بحسب تعبيرهم، ما حدث في مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982، حين نفذت ميليشيات الكتائب اللبنانية المتحالفة مع “إسرائيل” عمليات قتل واسعة بحق المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين داخل المخيمين، بينما كانت القوات الإسرائيلية تطوق المنطقة.

والمقارنة بصبرا وشاتيلا لا تتعلق بتطابق الحالتين، وإنما بالخطر الكامن في تسليح مجموعات محلية وإطلاق يدها ضد السكان تحت مظلة قوة عسكرية تملك السيطرة الفعلية على الأرض.

تجربة «أبو شباب» تتحول إلى نموذج

لا تبدو السياسة الإسرائيلية الجديدة منفصلة عن تجربة سابقة برز فيها اسم ياسر أبو شباب، الذي قاد مجموعة مسلحة في منطقة رفح.

ويقول التقرير إن “إسرائيل” دعمت مجموعة أبو شباب، التي اتُهمت طوال أشهر بنهب شاحنات المساعدات التابعة للأمم المتحدة تحت الحماية الإسرائيلية.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أقر في يونيو/حزيران 2025 بأن تل أبيب فعّلت عشائر في غزة ضد حركة حماس «بناءً على توصية مسؤولين أمنيين»، وذلك بعد اتهامات لحكومته بتسليح عناصر “إجرامية” قيل إنها مرتبطة بتنظيم “الدولة الإسلامية”.

وتشير المعطيات الجديدة إلى أن تجربة أبو شباب لم تكن حادثة منفردة، بل تحولت على ما يبدو إلى نموذج أوسع يجري تطبيقه في مناطق متعددة من القطاع.

من حماية المساعدات إلى صناعة الفراغ الأمني

ومن أبرز أبعاد هذه السياسة ارتباطها بالفوضى المحيطة بالمساعدات الإنسانية.

فبحسب التقرير، أسهمت القوات الإسرائيلية في إيجاد البيئة التي سمحت للعصابات المسلحة بالتمدد، عبر استهداف أفراد شرطة غزة الذين كانوا يرافقون قوافل المساعدات ويحاولون تأمينها، ما أدى إلى ترك الشاحنات دون حماية وفتح الطرق والمعابر أمام عمليات النهب.

ونقل التقرير عن مسؤول أممي كبير في رفح وصفه عمليات سرقة المساعدات بأنها عمليات نهب «منهجية وتكتيكية ومسلحة» تنفذها شبكات إجرامية، مشيرًا إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي سمح باستمرارها في مناطق تقع أصلًا تحت سيطرته العسكرية.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: فبينما طالما حمّلت تل أبيب حركة حماس مسؤولية نهب المساعدات الإنسانية، تشير شهادات واردة في التحقيق إلى أن جماعات تحظى بالحماية الإسرائيلية كانت متورطة في عمليات النهب نفسها.

إدارة غزة عبر وكلاء محليين

لا تكشف هذه الوقائع عن ملف أمني معزول فحسب، وإنما عن تصور أوسع لطريقة إدارة غزة خلال الحرب وما بعدها.

فبدل بناء سلطة مدنية مستقرة أو السماح بإعادة تشكيل مؤسسات محلية قادرة على حماية السكان، يبدو أن الاعتماد على جماعات مسلحة متفرقة يمكن أن يؤدي إلى إعادة تشكيل القطاع على أساس مناطق نفوذ صغيرة تتحكم فيها قوى مرتبطة بجيش الاحتلال الإسرائيلي.

وتمنح هذه السياسة تل أبيب قدرة على ممارسة نفوذ داخل المجتمع الفلسطيني دون الاضطرار إلى إدارة كل التفاصيل بصورة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه توجد بيئة شديدة الخطورة: سلاح خارج أي إطار قانوني، وقادة محليون ذوو خلفيات إجرامية، ومجتمع أنهكته الحرب والجوع والنزوح، وقوة احتلال تستطيع اختيار من تحميه ومن تستهدفه.

في مثل هذه البيئة، يمكن أن تتحول الفوضى نفسها إلى أداة من أدوات السيطرة.

خطر يتجاوز المواجهة مع حماس

الخطاب الإسرائيلي الرسمي يقدم دعم هذه الجماعات عادةً بوصفه وسيلة لإضعاف حركة حماس، لكن مضمون التحقيق يطرح سؤالًا أوسع: ماذا يحدث عندما تتحول الحرب ضد تنظيم مسلح إلى عملية تسليح جماعات إجرامية تعمل وسط مجتمع مدني منهك؟

فالخطر لا يقف عند حدود صراع الاحتلال الإسرائيلي مع حماس؛ إذ إن السلاح الذي يوضع اليوم في أيدي مجموعات محلية تحت عنوان مواجهة الحركة يمكن أن يتحول إلى وسيلة للنهب والابتزاز والقتل والتهجير، وإلى عنصر دائم في تفكيك المجتمع الفلسطيني وإذكاء الصراعات الداخلية.

وإذا كانت المعطيات التي نقلتها «هآرتس» تعكس بالفعل نمطًا منظمًا ومتزايدًا، فإن غزة لا تواجه فقط الدمار المباشر الذي خلفته الحرب، بل كذلك محاولة لتشكيل واقع أمني جديد قائم على الميليشيات والوكلاء المحليين.

وبذلك تصبح الفوضى أكثر من مجرد نتيجة للحرب؛ تصبح جزءًا من آلية إدارتها.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *