دخل ملف سلاح الميليشيات المسلحة الشيعية في العراق مرحلة أكثر تعقيدًا، بعد الكشف عن مقترح قدمته فصائل عراقية إلى حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي يقضي بـ«تجميد» أسلحتها لمدة عامين وتعليق نشاطها العسكري، بدل تسليم ترساناتها إلى الدولة بصورة نهائية.
المقترح، الذي كشف عنه موقع «العربي الجديد» نقلًا عن ثلاثة مصادر سياسية عراقية، يعكس المعضلة التي تواجهها بغداد: كيف يمكن إنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن السيطرة المباشرة للدولة من دون دفع البلاد إلى مواجهة مسلحة داخلية مع الميليشيات الأكثر ارتباطًا بإيران؟
عامان من «تجميد السلاح»
وفق المصادر، عرضت ميليشيات مسلحة خلال الأيام الماضية صيغة تقضي بوقف أنشطتها العسكرية داخل العراق لمدة عامين، ووضع الأسلحة في مستودعات مخصصة، لكنها اشترطت أن تبقى هذه المستودعات والأسلحة تحت سيطرتها، لا أن تنتقل إلى القوات الأمنية العراقية.
وكشف نائب عراقي بارز أن «كتائب حزب الله» كانت من بين الجهات التي طرحت صيغة تجميد الأسلحة ووضعها في مخازن خاصة.
كما ربطت الميليشيات المقترح بمستقبل القوات الأمريكية في العراق، وطالبت بضمانات بعدم استهداف قادتها.
لكن الحكومة العراقية رفضت الصيغة، واعتبرتها، وفق المصدر البرلماني، محاولة للالتفاف على المبدأ الأساسي الذي تتبناه: إنهاء وجود السلاح خارج المؤسسات الأمنية الرسمية.
وبذلك، لا يتعلق الخلاف بوقف استخدام السلاح فقط، وإنما بالسؤال الأهم: من يملك السيطرة النهائية عليه؟
فالميليشيات تعرض الاحتفاظ بترساناتها مقابل الامتناع مؤقتًا عن استخدامها، بينما تريد الحكومة انتقال السيطرة الفعلية على السلاح إلى الدولة.
مفاوضات عبر الوسطاء وتجنب للمواجهة
حتى الآن، لم يعقد الزيدي اجتماعًا مباشرًا مع قادة الميليشيات أو ممثليهم بشأن المقترح، وفق تقرير «العربي الجديد».
وتجري الاتصالات عبر وسطاء، من بينهم هادي العامري، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض.
ويبدو أن بغداد تحاول السير على خط بالغ الحساسية؛ فالحكومة تصر على حصر السلاح بيد الدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد استخدام القوة لتحقيق ذلك.
وكان الزيدي قد أكد أن حكومته تتعامل مع القضية عبر «حوار بنّاء»، وأنها لا تسعى إلى صدام عسكري مع الفصائل. كما أعلن في يوليو/تموز أن الدولة تسلمت بالفعل أسلحة من بعض الجماعات، مؤكدًا أن حصر السلاح بيد الدولة «قرار وليس خيارًا».
ويرجع الحذر الحكومي إلى أن محاولة اقتحام مقار الميليشيات ونزع أسلحتها بالقوة يمكن أن تفتح الباب أمام اقتتال داخلي، خصوصًا مع امتلاك بعضها ترسانات كبيرة ونفوذًا سياسيًا وأمنيًا، فضلًا عن علاقاتها بطهران.
فصائل ترفض التسليم
ولا تتخذ الميليشيات الشيعية موقفًا موحدًا من المبادرة الحكومية. فقد أبدت بعضها، بينها «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، استعدادًا لوضع سلاحها تحت سلطة الدولة، كما اتخذت «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر خطوات في اتجاه الاندماج ضمن مؤسسات الدولة. وقد أكدت تقارير مستقلة في يونيو/حزيران هذه التحركات.
لكن الميليشيات الأكثر تشددًا في رفض نزع السلاح لا تزال تتمسك بمواقفها، وفي مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء.
وبحسب «العربي الجديد»، وضعت بعض الميليشيات مجموعة من الشروط قبل الدخول في أي تسوية نهائية بشأن ترساناتها، تشمل خروج القوات الأمريكية والتركية من العراق، وإنهاء النفوذ الأمريكي على القرارات السياسية والاقتصادية والمالية العراقية.
ووصلت مطالب بعض الميليشيات إلى الدعوة لتفكيك قوات البيشمركة في إقليم كردستان وإخراج الشركات الأمريكية من البلاد.
بغداد لا تعرف حجم الترسانات
لكن هناك مشكلة أكثر جوهرية أمام أي اتفاق محتمل: الدولة العراقية لا تعرف على وجه الدقة كمية ونوعية الأسلحة الموجودة لدى الميليشيات.
وقال مستشار سابق في الحكومة العراقية لـ«العربي الجديد» إن بغداد لا تمتلك قاعدة بيانات موثوقة وشاملة حول ترسانات الجماعات المسلحة.
وهذا يعني أن إعلان فصيل ما تسليم جزء من سلاحه لا يسمح للحكومة بالضرورة بمعرفة ما إذا كان قد سلم الجزء الأكبر من قدراته أم مجرد كمية رمزية.
وبالفعل، يقول المصدر إن بعض الميليشيات سلمت أسلحة إلى الدولة، لكن الكميات التي جرى تسليمها كانت محدودة ولا تعكس كامل قدراتها العسكرية.
وتكتسب المسألة أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، وهي القدرات التي تثير اهتمام واشنطن ودول الجوار أكثر من الأسلحة الفردية التقليدية.
نحو 30 ألف مقاتل في الميليشيات الأكثر رفضًا
بحسب المستشار العراقي السابق الذي تحدث للموقع، تظل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء أبرز ثلاث جماعات ترفض حتى الآن القيام بتسليم رمزي للسلاح.
وقدّر المصدر مجموع مقاتلي هذه الميليشيات بنحو 30 ألف عنصر مرتبطين بهيئة الحشد الشعبي، مع بقاء هياكلهم التنظيمية وأسلحتهم مرتبطة بفصائلهم.
وهنا تظهر واحدة من أعقد مشكلات الملف العراقي: فالحشد الشعبي مؤسسة قانونية ضمن الدولة، لكن عددًا من الفصائل المنضوية في إطاره يحتفظ في الوقت نفسه بهياكل وقيادات وقدرات عسكرية خاصة.
ولهذا ترى واشنطن أن مجرد نقل الأسلحة اسميًا إلى الحشد الشعبي قد لا يكون كافيًا إذا ظلت السيطرة الفعلية عليها بيد الفصائل.
الضغط الأمريكي
لا تتحرك حكومة الزيدي في فراغ؛ فالضغط الأمريكي يمثل أحد أبرز دوافع تسريع هذا الملف.
وقد ناقش المبعوث الأمريكي توم باراك مع الزيدي في يونيو/حزيران خطط نزع سلاح الميليشيات الخارجة عن سيطرة الدولة وحصر جميع الأسلحة بيد الحكومة، وفق بيان مشترك.
كما ربطت واشنطن توسيع التعاون الأمني والاقتصادي مع بغداد بإحراز تقدم في معالجة سلاح الفصائل المرتبطة بإيران، فيما حذر محللون من أن الفشل قد يعيد أدوات العقوبات والضغط الاقتصادي إلى الواجهة.
ويرى الباحث السياسي العراقي علي الطائي، وفق «العربي الجديد»، أن واشنطن لن تعتبر «تجميد» الأسلحة حلًا حقيقيًا، وخصوصًا إذا بقيت الصواريخ والطائرات المسيّرة تحت سيطرة الفصائل.
وفي هذا السياق، حذر عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية عثمان الشيباني من أن عدم التوصل إلى حل داخلي قد يفتح المجال أمام تدخل دولي، وخصوصًا أمريكي، قد لا يقتصر على الضغوط السياسية وإنما قد يصل إلى استهداف مواقع تابعة للفصائل.
لماذا تتمسك الفصائل بالسلاح؟
بالنسبة إلى الفصائل الرافضة، لا يُنظر إلى السلاح باعتباره ملفًا أمنيًا داخليًا فحسب.
فهي تربط وجوده باستمرار القوات الأجنبية في العراق، وبالتوازنات الإقليمية، وبالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وتعتبر التخلي عنه من جانب واحد تنازلًا عن ورقة قوة أساسية.
وهذا يفسر لماذا تبدو صيغة «التجميد» جذابة لهذه الجماعات: فهي تمنح الحكومة فترة من الهدوء، وتوقف النشاط المسلح المعلن، لكنها لا تجرد الفصائل من قدرتها على العودة إلى العمل العسكري إذا تغيرت الظروف.
أما بالنسبة إلى بغداد، فإن قبول هذه الصيغة يعني أن الدولة لم تحقق احتكار السلاح، بل حصلت فقط على تعهد مؤقت بعدم استخدامه.
معركة على مفهوم الدولة
في جوهره، يتجاوز الخلاف مسألة تخزين الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى سؤال أقدم في العراق: هل تكون الدولة صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم؟
منذ سنوات، حاولت الحكومات العراقية التوفيق بين وجود الحشد الشعبي كجزء من المنظومة الأمنية الرسمية وبين استمرار ميليشيات مسلحة تتمتع بدرجات متفاوتة من الاستقلال السياسي والعسكري.
لكن الظروف الإقليمية والضغط الأمريكي جعلا مساحة المناورة أضيق أمام الحكومة الجديدة.
ومن هنا يبدو مقترح «تجميد السلاح» محاولة لصناعة منطقة وسطى: لا حل للميليشيات ولا تسليم كامل لترساناتها، وفي الوقت نفسه توقف مؤقت لنشاطها المسلح.
غير أن رفض بغداد يكشف أن الحكومة تريد الانتقال من مفهوم «سلاح موجود لكنه صامت» إلى مبدأ مختلف تمامًا: «لا سلاح خارج السيطرة الفعلية للدولة».
وبين هذين التصورين ستتحدد نتيجة واحدة من أصعب المواجهات السياسية والأمنية التي تواجه حكومة الزيدي؛ مواجهة تحاول بغداد حتى الآن حسمها بالمفاوضات، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية ويظل خطر الانزلاق إلى صدام داخلي حاضرًا إذا فشل الحوار.





اترك تعليقاً