قدمت جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية ملفًا جديدًا قالت إنه يوثق استمرار إسرائيل في مخالفة التدابير الملزمة التي أصدرتها المحكمة بشأن الحرب في قطاع غزة، مؤكدة أن أكثر من 10% من سكان القطاع قُتلوا أو أصيبوا منذ بدء الحرب.
وقالت وزارة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا إن بريتوريا سلمت المحكمة ملف الأدلة بعدما خلصت إلى أن “إسرائيل” لم تمتثل للأوامر المؤقتة الثلاثة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية خلال نظر قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا.
وفي المذكرة المقدمة إلى المحكمة، أكدت بريتوريا أنها ستواصل استخدام «جميع السبل المتاحة» من أجل ضمان ما وصفته بالامتثال الكامل والفوري لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وحذرت جنوب أفريقيا من أن حقوق الفلسطينيين في غزة قد تتعرض للتدمير قبل أن تصدر المحكمة حكمها النهائي في القضية، معتبرة أن استمرار الوضع على هذا النحو قد يطرح تساؤلات تتعلق بسلطة محكمة العدل الدولية وفاعلية قراراتها.
أكثر من 247 ألف قتيل وجريح
وبحسب الملف الجنوب أفريقي، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في غزة حتى أغسطس/آب 2026 ما لا يقل عن 73,407 أشخاص، فيما وصل عدد المصابين إلى 174,335 شخصًا.
وترى بريتوريا أن هذه الأرقام تعني أن أكثر من عُشر سكان قطاع غزة تعرضوا للقتل أو الإصابة منذ اندلاع الحرب.
كما اتهم الملف القوات الإسرائيلية بمواصلة قتل الفلسطينيين حتى بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، وقال إن متوسط الضحايا من الأطفال بلغ طفلًا فلسطينيًا واحدًا يوميًا منذ إعلان الهدنة.
وفي جانب آخر من التداعيات الصحية، أشارت جنوب أفريقيا إلى ارتفاع حالات الإجهاض بين النساء الفلسطينيات خلال عام 2026 بأكثر من ثلاثة أضعاف، وربطت ذلك بالظروف التي أفرزتها الحرب، بما يشمل تدهور الرعاية الصحية والأمن الغذائي والأوضاع المعيشية.
اتهامات بالاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي
ولم يقتصر الملف على أعداد القتلى والمصابين، إذ اتهمت جنوب أفريقيا الاحتلال الإسرائيلي باعتقال فلسطينيين وترحيلهم بصورة تعسفية.
وقالت أن بعض المعتقلين تعرضوا لاحقًا للتعذيب والعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب أشكال أخرى من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
كما اتهمت بريتوريا الاحتلال بعرقلة توثيق الانتهاكات داخل غزة من خلال قتل صحفيين فلسطينيين ومنع هيئات تحقيق مفوضة من الأمم المتحدة من الدخول إلى القطاع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في الملف القانوني، إذ تعتمد القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية على إمكانية جمع الأدلة والتحقق منها وحفظها بطريقة يمكن عرضها أمام الجهات القضائية الدولية.
ثلاث مجموعات من التدابير المؤقتة
وكانت جنوب أفريقيا قد رفعت دعوى ضد ما يسمى “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، متهمة إياها بانتهاك التزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
وطلبت بريتوريا من المحكمة إصدار تدابير مؤقتة لحماية الفلسطينيين في غزة إلى حين البت النهائي في الدعوى.
وأصدرت المحكمة لاحقًا سلسلة من الأوامر في 26 يناير/كانون الثاني و28 مارس/آذار و24 مايو/أيار 2024.
وطلبت في تلك القرارات من تل أبيب اتخاذ إجراءات لمنع أفعال تدخل ضمن نطاق اتفاقية الإبادة الجماعية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، واتخاذ تدابير مرتبطة بالعمليات العسكرية في رفح، إلى جانب تقديم تقارير بشأن الخطوات المتخذة لتنفيذ قرارات المحكمة.
معركة قانونية قد تستمر سنوات
وتعتبر القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا واحدة من أبرز المسارات القانونية الدولية المرتبطة بالحرب على غزة.
فالحكم النهائي في دعاوى محكمة العدل الدولية قد يستغرق سنوات، ولهذا ركزت جنوب أفريقيا منذ بداية القضية على طلب إجراءات عاجلة ومؤقتة، معتبرة أن انتظار الحكم النهائي قد يأتي بعد وقوع أضرار لا يمكن تداركها.
ويتمحور النزاع القانوني حاليًا حول سؤالين متوازيين: الأول يتعلق بالمسؤولية النهائية للاحتلال الإسرائيلي بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، وهي مسألة لم تفصل فيها المحكمة بعد؛ والثاني يتعلق بمدى التزام “إسرائيل” بالتدابير المؤقتة التي صدرت بالفعل أثناء سير القضية.
والملف الجديد الذي قدمته بريتوريا يسعى تحديدًا إلى تعزيز حجتها بأن الأوامر السابقة للمحكمة لم تؤد إلى الحماية التي كان يفترض أن توفرها للفلسطينيين.
اختبار لفاعلية القضاء الدولي
تضع الخطوة الجنوب أفريقية محكمة العدل الدولية مرة أخرى أمام اختبار يتجاوز تفاصيل الحرب في غزة إلى مسألة أوسع تتعلق بقدرة القضاء الدولي على إلزام الدول بتنفيذ أحكامه.
فالمحكمة، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، تستطيع إصدار قرارات ملزمة في النزاعات بين الدول، لكنها لا تمتلك قوة تنفيذية مستقلة تفرض بها قراراتها ميدانيًا.
ولهذا فإن استمرار بريتوريا في توثيق ما تعتبره انتهاكات للأوامر المؤقتة يهدف ليس فقط إلى دعم القضية الأصلية المتعلقة بالإبادة الجماعية، وإنما أيضًا إلى إثبات أن التأخر في تنفيذ التدابير القضائية قد تكون له آثار مباشرة على حياة مئات الآلاف من المدنيين.
وبينما لم تصدر محكمة العدل الدولية حتى الآن حكمها النهائي بشأن اتهام “إسرائيل” بارتكاب إبادة جماعية في غزة، تتمسك جنوب أفريقيا بموقفها بأن استمرار سقوط الضحايا وتدهور الأوضاع الإنسانية يشكل دليلًا على أن التدابير السابقة لم تُنفذ بالصورة التي أمرت بها المحكمة.
وبذلك تنتقل القضية تدريجيًا من سؤال ما إذا كانت الانتهاكات المحتملة تدخل ضمن نطاق اتفاقية الإبادة الجماعية، إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث عندما تصدر أعلى محكمة تابعة للأمم المتحدة أوامر ملزمة لحماية المدنيين، ثم تقول دولة صاحبة الدعوى إن تلك الأوامر لم تُنفذ؟





اترك تعليقاً