دخل ملف الوجود العسكري الروسي في سوريا مرحلة جديدة، بعد أن أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، الأربعاء 26 أغسطس/آب 2026، التأكيد على أهمية مذكرة التفاهم التي توصل إليها البلدان هذا الشهر لإعادة تنظيم قاعدتي حميميم وطرطوس، في تحول ينقل العلاقة من نموذج القواعد الروسية بصيغتها السابقة إلى ترتيبات جديدة تشمل إدارة سورية للمنشآت المدنية وتحويل المرافق العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة.
وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين الرئيسين تناول مستقبل العلاقات السورية الروسية والتطورات الإقليمية، بعد نحو أسبوعين ونصف من توقيع المذكرة التي أنهت قرابة 18 شهرًا من المفاوضات بشأن أحد أكثر الملفات حساسية بين دمشق وموسكو منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وقال الكرملين إن بوتين والشرع بحثا الوضع الحالي للعلاقات الثنائية وآفاق تطويرها، وأبديا استعدادًا لتعميق الحوار السياسي والتعاون في المجالات التجارية والاقتصادية والإنسانية وغيرها، مؤكدين أهمية مذكرة التفاهم الموقعة في 9 أغسطس/آب بشأن «إعادة تنظيم قاعدة حميميم الجوية ونقطة الدعم المادي والفني في طرطوس». واتفق الطرفان على استمرار التواصل على مستويات مختلفة.
ومن جهتها، قالت الرئاسة السورية إن بوتين جدد دعم روسيا لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وأكد رفض موسكو «الاعتداءات الإسرائيلية والانتهاكات التي تمس سيادة سوريا». كما بحث الرئيسان تطورات المنطقة وشددا على مواصلة التنسيق والتشاور بما يدعم الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة.
ماذا تغير في حميميم وطرطوس؟
كانت دمشق قد أعلنت في 9 أغسطس/آب التوصل إلى مذكرة تفاهم مع موسكو لإعادة تنظيم الوجود الروسي على الساحل السوري، بعد مفاوضات استمرت نحو عام ونصف.
وبحسب وزارة الخارجية السورية، تنص المذكرة على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت المخصصة للاستخدام المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، على أن تدمج هذه المرافق تدريجيًا في منظومة الإدارة المدنية السورية.
أما المنشآت المستخدمة لأغراض عسكرية، فاتفق الطرفان على إعادة تعريف وظائفها وتحويل القواعد العسكرية الروسية إلى «مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل»، ضمن ترتيبات جديدة قالت دمشق إنها تراعي مصالح البلدين. وحددت المذكرة مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لإنجاز عملية الانتقال وبدء العمل بالصيغة الجديدة.
ويمثل ذلك تغييرًا جوهريًا عن طبيعة الوجود الروسي الذي استقر في سوريا خلال عهد النظام السابق، إذ كانت حميميم قاعدة جوية رئيسية للقوات الروسية منذ التدخل العسكري الروسي عام 2015، فيما تتمتع منشأة طرطوس بأهمية خاصة لموسكو بوصفها موطئ قدم بحريًا إستراتيجيًا لها في البحر المتوسط، واستُخدمت للصيانة والإمداد ودعم العمليات الروسية في المنطقة.
ولا تعني الصيغة الجديدة، وفق المعلومات المتاحة، خروج القوات الروسية بالكامل من سوريا. فقد نقلت رويترز عن مصدر سوري مطلع على الترتيبات أن جزءًا من القوات الروسية سيبقى في البلاد في إطار الاتفاق الجديد، لكن لم يُعلن حتى الآن عدد العناصر الذين سيبقون، ولا طبيعة الأسلحة والمعدات التي ستحتفظ بها روسيا، ولا تفاصيل توزيع الصلاحيات داخل مراكز التدريب المشتركة.
التنفيذ بدأ بالفعل في طرطوس
ولم تبق الاتفاقية في إطار الإعلان السياسي فقط، إذ بدأت خطوات تنفيذية بعد يومين تقريبًا من توقيعها.
ففي 11 أغسطس/آب بدأ تشغيل الرصيف التجاري رقم 4 في ميناء طرطوس تحت الإدارة السورية، واستقبل الرصيف أولى السفن التجارية، بينها شحنات من القمح ومواد الإسمنت. وشاهد صحفيو رويترز عناصر روسية وهي تنقل معدات ومواد من مبنى قريب من الرصيف إلى منشأة عسكرية أخرى مجاورة.
وبحسب مسؤولي الميناء، أسهم إدخال الرصيف إلى الخدمة في توسيع القدرة التشغيلية لميناء طرطوس، إذ أصبح بالإمكان استقبال عدة سفن كبيرة في المنطقة التي كانت أجزاء منها سابقًا خارج نطاق التشغيل التجاري السوري المباشر.
ويكتسب تسليم الرصيف أهمية إضافية في ضوء تقارير سبقت الاتفاق؛ إذ أفادت رويترز في يوليو/تموز بأن روسيا كانت تسعى إلى إنشاء مركز لوجستي تجاري في طرطوس باستخدام الرصيف الرابع، ضمن محاولة للحفاظ على دور اقتصادي ولوجستي لها في سوريا. لكن الاتفاق اللاحق وضع المنشآت التجارية، ومنها هذا الرصيف، تحت الإدارة والولاية السورية.
من قواعد روسية إلى مراكز مشتركة
التغيير الأبرز في مذكرة أغسطس يتمثل في توصيف المنشآت العسكرية نفسها. فبدل استمرار حميميم وطرطوس كقاعدتين روسيتين تعملان وفق الصيغة التي أُنشئت في عهد الأسد، يتحدث الإعلان السوري رسميًا عن تحويلهما إلى «مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل».
وأعلنت الخارجية الروسية، عقب توقيع المذكرة، أنها تنظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة مهمة لتطوير التعاون العسكري بين البلدين وتعزيز الإطار القانوني للعلاقات في «الظروف الجديدة»، ما يشير إلى أن موسكو قبلت بإعادة صياغة وجودها العسكري بدل التمسك بالشكل السابق للقواعد.
ومع ذلك، لا تزال جوانب أساسية من الاتفاق غير منشورة. فلا البيانات السورية ولا الروسية المتاحة توضح بالتفصيل الهيكل القيادي للمراكز المشتركة، أو حجم القوات الروسية التي ستبقى فيها، أو أنواع الطائرات والسفن والأسلحة المسموح بوجودها، كما لم توضح بصورة كاملة الوضع القانوني للاتفاقيات العسكرية طويلة الأجل الموقعة في عهد النظام السابق، أو ما إذا كانت مذكرة أغسطس قد ألغتها رسميًا أم أعادت صياغة تطبيقها فقط.
ولهذا فإن الحديث عن «إنهاء الوجود الروسي» في سوريا لا تدعمه المعلومات المنشورة حتى الآن؛ الأدق أن الوجود يجري تقليصه وإعادة تنظيمه وتغيير صفته القانونية والوظيفية، مع استعادة دمشق الإدارة المباشرة للمنشآت المدنية وبقاء شكل من أشكال الحضور العسكري الروسي ضمن المرافق المشتركة.
مفاوضات بدأت بعد سقوط الأسد
أصبح مستقبل حميميم وطرطوس موضع تفاوض فور سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ وجدت موسكو نفسها أمام سلطة جديدة كانت قواتها قد قاتلت لسنوات ضد النظام الذي تدخلت روسيا عسكريًا لحمايته.
ورغم ذلك، اختارت دمشق وموسكو إبقاء قنوات التواصل مفتوحة. وفي يناير/كانون الثاني 2025 ألغت الإدارة السورية الجديدة عقدًا منفصلًا كانت شركة «STG Stroytransgaz» الروسية قد وقعته عام 2019 لإدارة وتطوير ميناء طرطوس التجاري، بسبب عدم تنفيذ شروط الاستثمار، لكن ذلك القرار لم يكن يشمل المنشأة البحرية العسكرية الروسية التي كانت تخضع لاتفاق آخر.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 توجه الشرع إلى موسكو في أول زيارة له إلى روسيا منذ وصوله إلى الحكم والتقى بوتين، وكان مستقبل القواعد الروسية أحد أبرز الملفات المطروحة في خلفية المحادثات. وتحدث الشرع آنذاك عن العلاقات التاريخية بين البلدين، بينما كانت دمشق وموسكو تعملان على صياغة إطار جديد للعلاقة بعد الأسد.
ثم عاد الشرع إلى موسكو في يناير/كانون الثاني 2026 للقاء بوتين مجددًا، في وقت كان ملف الوجود العسكري الروسي لا يزال قيد التفاوض. وتزامنت الزيارة مع بدء روسيا سحب قواتها ومعداتها من مطار القامشلي في شمال شرقي سوريا، ونقل جزء منها إلى حميميم، في إشارة إلى تركيز الوجود الروسي المتبقي في الساحل.
وجاء اتفاق 9 أغسطس بعد هذه المفاوضات الطويلة ليحسم، على الأقل في خطوطه العامة، مصير أهم منشأتين عسكريتين لروسيا في البلاد.
لماذا تتمسك موسكو بحميميم وطرطوس؟
أهمية القاعدتين بالنسبة لروسيا تتجاوز الساحة السورية نفسها.
فحميميم شكلت منذ عام 2015 مركز العمليات الجوية الروسية في سوريا، وتطورت بنيتها لاحقًا لاستقبال طائرات مقاتلة وقاذفات وطائرات نقل عسكرية، كما استخدمتها موسكو كنقطة لوجستية مرتبطة بتحركاتها في شرق المتوسط وأفريقيا.
أما طرطوس، فتعود جذور الوجود البحري الروسي فيها إلى الحقبة السوفييتية، قبل أن يتوسع بصورة كبيرة خلال الحرب السورية. وبموجب الترتيبات السابقة، حصلت روسيا على صلاحيات واسعة وطويلة الأجل داخل المنشآت، وكان بإمكانها استخدام طرطوس لدعم سفنها العاملة في المتوسط.
لذلك يمثل الاتفاق الجديد تسوية بين مصلحتين: رغبة الدولة السورية في استعادة السيطرة المباشرة على منشآتها وموانئها ومطاراتها وإعادة تعريف الوجود العسكري الأجنبي، ورغبة موسكو في عدم خسارة موطئ قدم إستراتيجي بنته على مدى عقود.
علاقة جديدة لا قطيعة
وتشير التطورات منذ سقوط الأسد إلى أن دمشق لم تتجه إلى قطيعة كاملة مع موسكو، لكنها في الوقت نفسه لم تُبقِ العلاقة على الصورة التي كانت عليها خلال النظام السابق.
فالمنشآت المدنية تعود إلى الإدارة السورية، والوجود العسكري يعاد تعريفه تحت صيغة «التدريب والتأهيل المشترك»، بينما تستمر العلاقات السياسية والاقتصادية والإنسانية بين الدولتين.
ويعكس اتصال بوتين والشرع في 26 أغسطس أهمية الاتفاق بالنسبة إلى الطرفين، إذ لم يقتصر الحديث على القواعد، بل امتد إلى إعادة الإعمار والتجارة والتعاون السياسي والتطورات الإقليمية، مع تأكيد موسكو دعم سيادة سوريا ورفض الاعتداءات الإسرائيلية عليها.
وبذلك، تبدو مذكرة أغسطس أقرب إلى إعادة تأسيس للعلاقة العسكرية السورية الروسية منها إلى مجرد تعديل فني لوضع قاعدتين: دمشق تستعيد جزءًا مهمًا من السيطرة المدنية والسيادية على الساحل، بينما تحتفظ روسيا بحضور عسكري ولكن بصيغة مختلفة عن الامتيازات الواسعة التي تمتعت بها في عهد الأسد.
ويبقى الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة، مع انتهاء مهلة الانتقال المحددة بثلاثة أشهر، حين تتضح عمليًا طبيعة مراكز التدريب المشتركة، وحجم القوات الروسية التي ستظل في سوريا، ومدى تحول حميميم وطرطوس من قاعدتين ارتبطتا بالتدخل الروسي في الحرب السورية إلى منشآت تعمل وفق قواعد جديدة تحددها العلاقة بين موسكو والدولة السورية في مرحلة ما بعد الأسد.





اترك تعليقاً