«مطلبنا الأخير واحد.. نريد العودة إلى أراكان».
بهذه الرسالة تجمع عشرات الآلاف من مسلمي الروهينجا، الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026، الموافق 12 ربيع الأول 1448هـ، في مخيمات كوكس بازار ببنغلاديش، في الذكرى التاسعة لموجة التهجير الكبرى التي دفعتهم إلى الفرار من ميانمار عام 2017.
لم يكن التجمع مجرد إحياء لذكرى الماضي.
فالروهينجا الذين خرجوا إلى ساحات المخيمات تحدثوا عن مطلب ما زال ثابتًا بعد تسع سنوات: العودة إلى ديارهم، ولكن بأمان وكرامة وحقوق تضمن ألا يُهجّروا مرة أخرى.
وشهدت عدة مخيمات في منطقتي أوخيا وتكناف تجمعات واسعة، فيما قالت وكالة أسوشيتد برس إن عشرات الآلاف شاركوا في الفعاليات، بينما قدرت صحيفة The Business Standard البنغلاديشية أن التجمع الأكبر في مخيم 4 Extension وحده ضم أكثر من 100 ألف شخص.
«كلمة أخيرة.. العودة إلى أراكان»
أقيمت الفعاليات في أربعة مخيمات على الأقل، هي المخيم رقم 4 – الامتداد، والمخيمان 9 و13 في أوخيا، والمخيم 26 في تكناف.
وكان أكبرها في ملعب المخيم 4، بتنظيم المجلس المتحد للروهينجا.
وردد المشاركون شعارًا ترجمته وسائل الإعلام البنغلاديشية إلى:
«مطلبنا الأخير واحد: نريد العودة إلى أراكان».
كما رُفعت شعارات تطالب بالعدالة والعودة إلى الوطن، وارتدى عدد من المشاركين الملابس البيضاء في ذكرى اليوم الذي بدأت فيه موجة الفرار الكبرى قبل تسع سنوات.
واختار المنظمون للفعالية شعارًا لافتًا:
«تسع سنوات مضت.. فكروا عشر دقائق في الروهينجا».
وفي إحدى الفعاليات، ردد المشاركون هتافاتهم لنحو عشر دقائق في محاولة لجذب انتباه العالم مجددًا إلى قضية يخشون أن تتحول مع مرور الزمن إلى أزمة منسية.
جيل يكبر داخل المخيم
لكن الرقم «تسع سنوات» يعني بالنسبة إلى اللاجئين أكثر من ذكرى سياسية.
فالطفل الذي وصل إلى بنغلاديش في السادسة من عمره عام 2017 أصبح اليوم في الخامسة عشرة.
ومن وُلد في المخيم في السنوات الأولى للنزوح أصبح طفلًا في سن الدراسة، لا يعرف أراكان إلا من روايات والديه وصور القرية التي تركتها أسرته خلفها.
وتحدث فتى روهينجي يبلغ 16 عامًا إلى The Daily Star عن حلمه بأن يصبح طبيبًا، لكنه قال إن الحياة داخل المخيم تجعل تحقيق مثل هذه الأحلام بالغ الصعوبة.
ورغم خوفه من احتمال تعرضه للهجوم مرة أخرى إذا عاد إلى أراكان، قال إن العودة ما تزال أمله الوحيد. وهذه المفارقة تختصر واقع جيل كامل:
المخيم ليس وطنًا، لكن الوطن نفسه ليس آمنًا للعودة إليه.
أكثر من مليون ينتظرون
يعيش حاليًا قرابة 1.2 مليون من الروهينجا في بنغلاديش، معظمهم داخل شبكة واسعة من المخيمات في كوكس بازار.
وفرَّ أكثر من 700 ألف منهم خلال الحملة العسكرية التي بدأت في 25 أغسطس/آب 2017، لينضموا إلى مئات الآلاف ممن سبق أن فروا خلال موجات عنف أقدم.
ومنذ ذلك الحين حاولت بنغلاديش إطلاق عملية إعادة اللاجئين مرتين على الأقل، لكن المحاولات فشلت بعدما رفض اللاجئون العودة في ظل غياب الضمانات الأمنية. وتؤكد دكا أنها لن تجبر أحدًا على العودة. وبذلك دخلت الأزمة عامها العاشر دون عملية إعادة واسعة واحدة.
ميانمار تعرض العودة.. لكن بشروط
قبل أيام من الاحتجاجات، أعلنت حكومة ميانمار أنها تعتبر أكثر من 300 ألف من الروهينجا الموجودين في بنغلاديش سكانًا سابقين في أراكان، وقالت إنها ستقبل عودتهم عندما تتحسن الظروف الأمنية.
لكن بنغلاديش اعترضت على الأرقام وعلى استمرار ميانمار في رفض استخدام اسم «الروهينجا» ووصفهم بـ«البنغاليين»، معتبرة ذلك إنكارًا لهويتهم.
أما اللاجئون، فالمشكلة بالنسبة إليهم لا تتعلق فقط بما إذا كانت ميانمار ستسمح لهم بعبور الحدود. إنهم يريدون ضمانات تتعلق بالمواطنة، والأمن، وحرية الحركة، واستعادة الأراضي والمنازل والعيش دون خوف.
العالم نفسه يقول: الظروف غير مناسبة
واللافت أن مطالب المحتجين بالضمانات الأمنية تتوافق مع تقييم دبلوماسي دولي صدر في اليوم نفسه.
فقد أصدرت بعثات 15 دولة والاتحاد الأوروبي في بنغلاديش بيانًا مشتركًا أكدت فيه حق الروهينجا في العودة إلى منازلهم في ميانمار، لكنها قالت إن الظروف الحالية في أراكان لا تسمح بعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة.
وأشارت إلى تصاعد الصراع والغارات الجوية على البنية المدنية والقيود على المساعدات والتجارة، وهي عوامل تؤدي إلى تفاقم الأزمة وخلق موجات نزوح جديدة.
وهنا تبدو مأساة الروهينجا في صورتها الأكثر وضوحًا: الجميع يقول إن اللاجئين يجب أن يعودوا. والروهينجا أنفسهم يقولون إنهم يريدون العودة. وبنغلاديش تريد إنهاء أزمة امتدت تسع سنوات. لكن الأرض التي يفترض أن يعودوا إليها ما تزال غير آمنة.
المساعدات تتراجع أيضًا
ولا يعني تعذر العودة أن الحياة داخل المخيمات مستقرة. فالتمويل الدولي يتراجع، والخدمات الصحية والتعليمية والغذائية تواجه ضغوطًا متزايدة، فيما يستمر عدد السكان في الارتفاع.
ويولد في المخيمات نحو 90 طفلًا كل يوم، وفق مسؤول في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تحدث هذا الأسبوع، بينما يستمر وصول روهينجا جدد هربًا من العنف في أراكان.
أي أن الأزمة تتحرك في اتجاه معاكس تمامًا للحل: بدل أن ينخفض عدد اللاجئين عبر العودة، يولد جيل جديد داخل المخيمات ويصل فارون جدد من الجانب الآخر للحدود.
«هل نبقى هنا خمسين عامًا؟»
وفي الاحتجاجات، طرح القيادي الروهينجي سيد الله سؤالًا يلخص إحساس اللاجئين بالحصار. قال إن استمرار الصراع بين جيش أراكان وجيش ميانمار يعني أن أراكان لن تصبح آمنة، ثم تساءل:
هل يُتوقع من الروهينجا أن يبقوا في المخيمات خمسين عامًا أخرى؟
وأكد أنهم لا يستطيعون البقاء هناك نصف قرن، وأن المطلوب هو إيجاد بيئة تسمح بالسلام والعودة.
بعد تسع سنوات، ربما يكون هذا هو السؤال الذي تحاول احتجاجات كوكس بازار إيصاله. فالروهينجا لا يريدون أن تتحول المخيمات التي استقبلتهم مؤقتًا عام 2017 إلى مدن دائمة يعيش فيها أبناؤهم وأحفادهم. ولا يريدون في المقابل أن يُعادوا إلى المكان نفسه الذي فروا منه دون ضمان ألا تتكرر المأساة. ولهذا كانت الرسالة التي رفعوها هذا العام بسيطة إلى حد يصعب تجاهله: نريد العودة إلى أراكان.
لكن خلف هذه العبارة ثلاثة شروط لا يمكن فصلها عنها: العدالة، والمواطنة، والأمان.
فبعد تسع سنوات من العيش لاجئين، لم يعد الروهينجا يطالبون العالم بأن يتحدث عنهم فقط.
إنهم يطالبونه بأن يجعل العودة التي يكرر الحديث عنها ممكنة فعلًا، قبل أن تتحول تسع سنوات أخرى إلى جيل كامل وُلد وعاش ومات وهو ينتظر طريق العودة إلى وطنه.






اترك تعليقاً