تقرير: الروهينجا بين القتل والتعذيب والعمل القسري.. والانتهاكات تتفاقم في أراكان

PH5MBS76JNMYHFGPLECMGCCEYA

بعد تسع سنوات من موجة التهجير الكبرى التي دفعت مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا إلى الفرار من أراكان، كشف تقرير جديد للأمم المتحدة أن الانتهاكات بحق من بقي منهم داخل ميانمار لم تتوقف، بل أصبحت الجماعة عالقة بين الجيش الحاكم وجيش أراكان، وسط اتهامات بالقتل والتعذيب والتجنيد والعمل القسري والاعتقال والتهجير.

وأصدر مكتب مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الثلاثاء 25 أغسطس/آب 2026، الموافق 12 ربيع الأول 1448هـ، تقريرًا جديدًا عن أوضاع الروهينجا والأقليات في ميانمار، يغطي الفترة من الأول من يونيو/حزيران 2025 حتى 31 مايو/أيار 2026.

وخلص التقرير إلى أن أزمة حقوق الإنسان في البلاد وصلت إلى مستوى جديد من التدهور، مشيرًا بصورة خاصة إلى تفاقم أوضاع الروهينجا على أيدي كل من الجيش في ميانمار وجيش أراكان الذي يسيطر على أجزاء واسعة من ولاية أراكان. بحسب تقريره.

انتهاكات من طرفي الصراع

بحسب الأمم المتحدة، تعرضت مجتمعات الروهينجا لانتهاكات وصفت بأنها واسعة ومنهجية، شملت القتل والتعذيب والتجنيد القسري والعمل القسري والاعتقال التعسفي والتهجير.

وهذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة لأن واقع أراكان تغير خلال السنوات الأخيرة.

فالجيش في ميانمار، الذي نفذ الحملة العسكرية عام 2017 والتي دفعت أكثر من 700 ألف من الروهينجا إلى بنغلاديش، لم يعد الطرف المسلح الوحيد المسيطر على المنطقة.

فقد توسع نفوذ جيش أراكان خلال الحرب الأخيرة، وبات يسيطر على مساحات واسعة من الولاية.

لكن انتقال السيطرة لم يؤدِّ، بحسب التقرير الأممي، إلى نهاية معاناة الروهينجا.

وفي شمال أراكان تحديدًا، اتهمت الأمم المتحدة جيش أراكان بممارسة الاعتقال التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري والاستيلاء على أراضي الروهينجا.

كما قال التقرير إن نازحين من الروهينجا مُنعوا من العودة إلى مناطقهم، في وقت جرى فيه توطين أشخاص من غير الروهينجا على بعض أراضيهم.

ويصعب التأكد من مصداقية تقرير الأمم المتحدة والتهم التي يوجهها لجيش أركان.

ألفا فدان من الأراضي

ومن أبرز ما أورده التقرير استخدام صور الأقمار الاصطناعية لتوثيق الاستيلاء على أراضٍ في شمال أراكان.

وبحسب الأمم المتحدة، أظهرت الصور الاستيلاء على نحو ألفي فدان من الأراضي، فيما تحدث شهود عن استخدام أطفال لا تتجاوز أعمار بعضهم ست سنوات في أعمال قسرية.

كما نقل التقرير شهادات لمحتجزين سابقين تحدثوا عن التعذيب ووقوع وفيات أثناء الاحتجاز.

وتضع هذه المعطيات قضية الأرض في صميم أزمة العودة.

فاللاجئ الذي يُطلب منه التفكير في العودة لا يحتاج فقط إلى توقف القتال؛ بل يحتاج إلى ضمان أن منزله وأرضه وقريته ما تزال موجودة، وأنه سيتمكن من استعادة ممتلكاته والعيش فيها دون أن يتعرض للاعتقال أو العمل القسري أو الطرد من جديد.

الجيش يواصل القصف والحصار

أما الجيش في ميانمار، فقال التقرير إنه واصل الاعتماد على الغارات الجوية وإحراق المناطق وفرض القيود على المساعدات الإنسانية.

وعلى مستوى ميانمار ككل، وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 8,075 مدنيًا منذ انقلاب عام 2021، بينهم 1,774 امرأة و1,074 طفلًا، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي يُرجح أن يكون أعلى. (Reuters)

كما ارتفع عدد النازحين داخليًا في البلاد إلى نحو 3.6 ملايين شخص، فيما يعاني 12.4 مليونًا من الجوع الحاد، ويواجه نحو 400 ألف من الأمهات والأطفال سوء تغذية حادًا.

وهذه الأرقام لا تخص الروهينجا وحدهم، لكنها تكشف البيئة العامة التي يفترض أن تتم فيها أي عملية عودة للاجئين.

العودة إلى أين؟

وهنا تكمن المفارقة الأبرز في توقيت التقرير. فخلال الأسابيع الأخيرة، عاد الحديث مجددًا عن إعادة الروهينجا من بنغلاديش إلى ميانمار، بعدما أعلنت سلطات ميانمار أنها تحققت من أن أكثر من 300 ألف من اللاجئين كانوا سكانًا سابقين في أراكان، وقالت إنها مستعدة لاستقبالهم عندما تتحسن الظروف الأمنية.

لكن تقرير الأمم المتحدة يقدم صورة مختلفة تمامًا عن الواقع الذي يفترض أن يعودوا إليه.

فالروهينجا لا يواجهون مجرد حرب بين طرفين، بل تشير الأمم المتحدة إلى تعرضهم لانتهاكات من طرفي الصراع نفسيهما.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد فتح الحدود وإعادة الحافلات إلى أراكان: من سيحمي العائدين؟ ومن سيضمن عدم تجنيدهم أو اعتقالهم؟ ومن سيعيد إليهم أراضيهم؟ ومن سيضمن حقهم في المواطنة وحرية الحركة والتعليم والعمل؟

تسع سنوات من الانتظار.. والانتهاكات مستمرة

مرَّت في 25 أغسطس تسع سنوات كاملة على انطلاق الحملة العسكرية الكبرى ضد الروهينجا عام 2017.

وكان من الممكن أن تحمل الذكرى التاسعة حديثًا عن أولى الأسر التي عادت إلى منازلها.

لكنها جاءت بدلًا من ذلك مع تقرير أممي جديد يوثق القتل والتعذيب والعمل القسري والتهجير.

وهذا ربما يختصر فشل المجتمع الدولي حتى الآن في تحويل التعاطف مع الروهينجا إلى حل سياسي يحمي حقوقهم.

فأكثر من مليون منهم ما زالوا يعيشون في بنغلاديش، بينما يعيش من بقي داخل أراكان وسط حرب جديدة وفاعلين مسلحين جدد، لكن الخوف القديم ما زال حاضرًا.

لا عودة دون حقوق

ولهذا فإن تقرير الأمم المتحدة لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه قائمة جديدة بالانتهاكات. إنه أيضًا تحذير من التعامل مع ملف إعادة الروهينجا باعتباره مسألة لوجستية.

فنقل اللاجئ من مخيم في بنغلاديش إلى أراكان لا يعني إنهاء اللجوء إذا عاد إلى مكان لا يملك فيه الجنسية، ولا يستطيع التحرك بحرية، وقد تُسلب أرضه أو يُجبر على العمل أو يُعتقل دون حماية.

بعد تسع سنوات، لم يعد السؤال فقط متى يعود الروهينجا.

السؤال الأهم: إلى أي أراكان سيعودون، ومن سيضمن ألا تتحول العودة إلى فصل جديد من المأساة نفسها؟

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *