على بعد نحو 24 كيلومترًا جنوب نابلس، تبدو قرية قصرة واحدة من قرى الضفة الغربية التي اختزلت فيها الجغرافيا تاريخًا طويلًا من الصراع على الأرض. لكن قصة البلدة لا تتوقف عند حدود الموقع الجغرافي أو عدد سكانها، فهي تحولت على مدى عقود إلى نموذج للمقاومة الشعبية في مواجهة الاستيطان، وصولًا إلى أحدث فصول الصراع عند جبل رأس العين.
في أغسطس 2026م عاد اسم قصرة إلى الواجهة بعدما أقام مستوطنون بؤرة استيطانية في منطقة جبل رأس العين، وحاصروا ثلاثة منازل تقطنها ثلاث عائلات، وسط إجراءات عسكرية حالت دون حرية الحركة والوصول المنتظم إلى السكان المحاصرين.
وبذلك، تبدو المواجهة الحالية امتدادًا لمسار طويل بدأ قبل عقود، عندما أدرك سكان القرية أن حماية الأرض لا تنفصل عن حماية وجودهم نفسه.
قرية بين الجبل والسهل
تقع قصرة جنوب نابلس، وتبلغ مساحتها نحو 9200 دونم، لكن المخطط الهيكلي للبلدية لا يتجاوز 3100 دونم، بينما تخضع نحو 6000 دونم لتصنيف مناطق “ج”، حيث تفرض سلطات الاحتلال سيطرة أمنية وإدارية واسعة.
وتتسم المنطقة بتضاريس تجمع بين الجبال والسهول، وتحيط بها مجموعة من البلدات والقرى، كما تمر بالقرب منها طرق تربط نابلس بأريحا ومناطق الأغوار.
ويبلغ عدد سكان القرية داخلها نحو 8 آلاف نسمة وفق تقديرات محلية لعام 2026م، فيما يعيش نحو 10 آلاف من أبنائها خارجها، معظمهم في الأردن.
هذه الجغرافيا جعلت الأرض الزراعية جزءًا أساسيًا من اقتصاد قصرة وهويتها، فالزيتون والعنب والتين وتربية المواشي والدواجن شكلت تاريخيًا مصادر الرزق الرئيسية للسكان.
لكن السيطرة على الأرض أخذت تدريجيًا مساحة أكبر من حياة الأهالي، بعدما أصبح الوصول إلى أجزاء من أراضيهم الزراعية مقيدًا، وتوسعت المستوطنات والبؤر الاستيطانية المحيطة بالقرية.
من قرية زراعية إلى خط مواجهة
يعود وجود قصرة في السجلات التاريخية إلى العهد العثماني، إذ ظهرت في سجلات الضرائب عام 1596م، باسم “القصير”، وكان يقطنها آنذاك 14 أسرة.
لكن القرن العشرين حمل إلى البلدة تحولات سياسية وعسكرية متلاحقة، بدأت بفترة الانتداب البريطاني، ثم الحكم الأردني بعد عام 1948م، الموافق 1367هـ، وصولًا إلى حرب يونيو 1967م، التي وضعت الضفة الغربية تحت الاحتلال.
ومع تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1993م، الموافق 1414هـ، أصبحت قصرة إداريًا ضمن مناطق السلطة، إلا أن تقسيمات اتفاق أوسلو أبقت أجزاء واسعة من أراضيها ضمن مناطق “ج” الخاضعة للسيطرة العسكرية والإدارية للاحتلال.
وهنا بدأت معركة الأرض تأخذ شكلًا أكثر تعقيدًا: سلطة فلسطينية محدودة، وأرض مقسمة، ومستعمرات تتوسع، وسكان يحاولون الحفاظ على وجودهم الزراعي والعمراني.
الاستيطان يطوق القرية
بدأ التوسع الاستيطاني في أراضي قصرة بصورة بارزة عام 1981م، الموافق 1401هـ، مع إقامة مستوطنة مجدليم عند المدخل الرئيسي للقرية.
ومع مرور الوقت، ظهرت مستوطنات أخرى في محيطها، بينها إحيا وإيش كودش، بينما توسعت البؤر الاستيطانية فوق مواقع من أراضي البلدة وجبالها.
وباتت الإجراءات الاستيطانية والعسكرية تسيطر على نحو ثلثي مساحة القرية، أي قرابة 6000 دونم، الأمر الذي أدى إلى تقليص المجال المتاح أمام السكان للزراعة والبناء والتوسع الطبيعي.

ولا يقتصر الأمر على مصادرة الأرض، إذ أدى إغلاق المدخل الرئيسي للقرية منذ أكتوبر 2023م، الموافق ربيع الأول 1445هـ، إلى إجبار السكان على استخدام طرق بديلة للانتقال إلى القرى والمناطق المجاورة.
كما تواجه مئات المنازل خطر الهدم بسبب وجودها في مناطق مصنفة “ج”.
ذاكرة مقاومة تمتد إلى الانتداب
لم تكن مواجهة قصرة للاحتلال والاستيطان ظاهرة حديثة، ففي عام 1938م، شهدت المنطقة معركة وادي سباس بين قصرة وقرية جالود، خلال الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني.
وكان من أبرز المشاركين فيها مرزوق الأسمر عودة، الذي استشهد بعدما تمكن من إسقاط طائرة حربية بريطانية، إلى جانب عدد من أبناء المنطقة الذين شاركوا في المواجهة، وبعد عام 1967م، ظهرت أشكال جديدة من العمل المقاوم.
ومن بين الشخصيات التي برزت في تلك المرحلة محمد فارع كنعان، المعروف بأبي فارع، وهو ضابط سابق في الجيش الأردني شارك في تشكيل خلية مرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية، وأسهمت في نقل السلاح إلى الضفة الغربية.
وانتهت حياته في معركة جماعين جنوب نابلس عام 1969م، بعد مواجهة مع قوات الاحتلال.
من الانتفاضة إلى لجان الحراسة
شاركت قصرة كذلك في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، ثم انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000م، الموافق 1421هـ.
لكن تصاعد هجمات المستوطنين دفع سكان القرية إلى تطوير نموذج خاص من المقاومة الشعبية.

وفي منتصف العقد الماضي، ظهرت النواة الأولى للجان الحراسة الشعبية في قصرة، ثم امتدت الفكرة إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية.
لم تكن هذه اللجان تشكيلات عسكرية تقليدية، بل مجموعات محلية هدفها مراقبة تحركات المستوطنين والإنذار المبكر عند وقوع هجمات، باستخدام أدوات بسيطة مثل العصي والسهر والمراقبة الليلية.
وكانت الفكرة الأساسية أن القرية لا تنتظر وقوع الهجوم حتى تتحرك، بل تحاول رصد الخطر قبل وصوله إلى المنازل والمزارع.
مواجهات مباشرة مع المستوطنين
أصبحت لجان الحراسة جزءًا من ذاكرة قصرة الحديثة، خصوصًا مع تكرر المواجهات، وفي عام 2014م، احتجز شبان من القرية 18 مستوطنًا حاولوا الاعتداء على السكان، قبل تسليمهم إلى جيش الاحتلال، وتكرر موقف مشابه عام 2017مـ، عندما احتُجز 20 مستوطنًا آخرين.
لكن المواجهات تركت ثمنًا بشريًا وماديًا كبيرًا، حيث أسفرت الاعتداءات منذ انتفاضة الأقصى عن حرق مسجدين وتدمير أو إحراق 48 منزلًا بصورة كلية أو جزئية، إلى جانب سقوط 11 شهيدًا من أبناء القرية، بينهم 8 بعد اندلاع الحرب على غزة، و6 قتلوا في يوم واحد خلال إحدى المواجهات.
كما تعرض عشرات السكان للاعتقال والإصابة، بينما يقبع 40 من أبناء القرية في السجون وفق البيانات الواردة في التقرير.
جبل رأس العين.. المعركة الجديدة
إذا كانت الأرض هي عنوان الصراع في قصرة، فإن جبل رأس العين يمثل اليوم أكثر نقاط المواجهة حساسية.
يقع الجبل غرب البلدة، ويعد آخر متنفس جغرافي واسع لسكانها، خصوصًا بعدما أحاط الاستيطان بالقرية من جهات عدة.
ويبلغ ارتفاعه نحو 950 مترًا فوق سطح البحر، وتصل مساحته إلى قرابة 700 دونم، كما يشرف من موقعه المرتفع على مناطق واسعة من القرى المحيطة وغور الأردن.
لكن أهمية الجبل لا تتعلق بموقعه فقط، ففيه نبع ماء قديم كان المصدر الرئيسي للمياه لعدد من منازل المنطقة، ولذلك ارتبط الجبل تاريخيًا بالحياة اليومية للسكان.
وفي مطلع عام 2026م، الموافق رجب 1447هـ، سيطر المستوطنون على النبع، في خطوة زادت من الضغط على السكان الذين يعتمدون على المنطقة باعتبارها مساحة حيوية للسكن والزراعة.
من البناء إلى الحصار
بدأ سكان قصرة توسيع البناء في رأس العين منذ عام 2000م، ثم عمل المجلس القروي منذ عام 2007م، الموافق 1428هـ، على شق الطرق ومد شبكات المياه والكهرباء وتوفير الخدمات الأساسية.
ومع مرور السنوات، أصبحت المنطقة ذات قيمة عقارية مرتفعة، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى نقطة احتكاك مع المستوطنين.

وفي يناير 2026م، بدأت سلسلة من الاعتداءات على المنطقة، شملت مهاجمة المنازل وقطع المياه والكهرباء والسيطرة على النبع.
ثم جاءت المواجهة الأكبر في 8 أغسطس 2026 م، عندما اقتحم مستوطنون جبل رأس العين ونصبوا خيمة أمام ثلاثة منازل، في خطوة تحولت إلى بؤرة استيطانية، ثم بدأ حصار العائلات التي تقيم في المنازل الثلاثة.
ثلاثة منازل في قلب المواجهة
تضم المنطقة المحاصرة ثلاثة منازل تقطنها ثلاث عائلات يزيد عدد أفرادها على عشرة أشخاص، ومع استمرار الحصار، أصبح السكان أمام قيود على الحركة والوصول إلى احتياجاتهم الأساسية، بينما لم تدخل المساعدات الغذائية والطبية والمياه إلا بصورة محدودة وتحت ضغط دولي.
ولم تنجح زيارات مسؤولين دوليين وانتقادات وجهها السفير الأميركي لدى القدس مايك هاكابي في إنهاء الأزمة.
وهكذا تحول جبل رأس العين من مساحة للتوسع العمراني والزراعي إلى نقطة مواجهة مباشرة، تختبر فيها قصرة مرة أخرى قدرتها على الحفاظ على أرضها في مواجهة التوسع الاستيطاني.
معركة على الأرض.. لا على الحدود فقط
قصة قصرة تكشف أن الصراع في الضفة الغربية لا يدور فقط حول خطوط سياسية أو خرائط تفاوضية، وإنما حول تفاصيل يومية شديدة الصلة بحياة السكان: منزل، طريق، بئر ماء، شجرة زيتون، أو قطعة أرض زراعية.
فكلما تقلصت مساحة الأرض المتاحة للسكان، ارتفعت قيمة المواقع التي بقيت خارج نطاق السيطرة الاستيطانية.
ولهذا أصبح جبل رأس العين أكثر من مجرد منطقة مرتفعة غرب القرية؛ إنه آخر مساحة يمكن لسكان قصرة أن يتوسعوا فيها، ومصدر مياه تاريخي، وموقع استراتيجي يكشف أجزاء واسعة من محيط البلدة.
قصرة.. ذاكرة لا تنقطع
من معركة وادي سباس عام 1938م، إلى لجان الحراسة الشعبية، ومن انتفاضة الحجارة إلى انتفاضة الأقصى، ثم إلى المواجهات المتكررة مع المستوطنين، ظلت قصرة تعيد إنتاج أدواتها في الدفاع عن الأرض وفق طبيعة المرحلة.
اليوم، لا تبدو المعركة عند جبل رأس العين منفصلة عن هذا التاريخ، فالسكان الذين واجهوا الانتداب البريطاني، ثم الاحتلال، ثم الاستيطان، يواجهون الآن محاولة جديدة لتغيير ميزان الأرض من خلال البؤر الاستيطانية والقيود العسكرية والحصار.
وفي قرية تسيطر الإجراءات الاستيطانية والعسكرية على نحو ثلثي أراضيها، يصبح الحفاظ على الدونم المتبقي فعلًا يتجاوز الزراعة والبناء إلى الحفاظ على إمكانية بقاء القرية نفسها.
ولهذا تبدو قصرة، في فصلها الجديد عند جبل رأس العين، وكأنها تخوض المعركة ذاتها التي عرفتها منذ عقود، لكن بأدوات مختلفة: معركة على الأرض، وعلى الماء، وعلى الطريق، وعلى الحق في أن يبقى الفلسطيني في المكان الذي عاش فيه أجداده.





اترك تعليقاً