غزة تتصدر “قائمة الأخطر”.. 907 عمال إغاثة بين قتيل وجريح ومختطف

400242

لم تعد المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني تقتصر على الوقوع في مرمى النيران خلال الحروب، أو التعرض للألغام والقصف العشوائي، بل باتت عمليات الإغاثة نفسها هدفًا مباشرًا في عدد متزايد من مناطق النزاع.

وتكشف بيانات الأمم المتحدة أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام دموية بالنسبة إلى العاملين في المجال الإنساني، بعدما تعرض 907 منهم للقتل أو الإصابة أو الاختطاف، في حصيلة تعكس اتساع نطاق المخاطر التي تحيط بمن يفترض أنهم يعملون في أكثر البيئات احتياجًا للحماية.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، قُتل 350 عاملًا إنسانيًا خلال عام 2025، فيما ظلت غزة للعام الثالث على التوالي أخطر منطقة في العالم بالنسبة إلى عمال الإغاثة.

غزة.. المكان الأكثر فتكًا بعمال الإغاثة

احتلت غزة صدارة قائمة المناطق الأكثر خطورة على العاملين في المجال الإنساني، بعدما سجلت مقتل 186 منهم خلال عام 2025، متقدمة بفارق كبير على السودان الذي حل ثانيًا مع مقتل 71 عامل إغاثة.

ولا تأتي هذه الأرقام منفصلة عن حجم الدمار الذي أصاب القطاع وتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على العمل في بيئة تتعرض فيها المنشآت المدنية ومراكز الإيواء والمرافق الصحية لخطر مستمر.

وكانت الأمم المتحدة قد حذرت مرارًا من حجم الخسائر التي لحقت بموظفيها في القطاع.

وفي يونيو 2026م، الموافق ذو الحجة 1447هـ، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن عدد موظفي المنظمة الذين قتلوا في غزة تجاوز ما فقدته الأمم المتحدة في أي نزاع أو كارثة أخرى طوال تاريخها.

وقال غوتيريش إن بعض الموظفين قتلوا إلى جانب أفراد من عائلاتهم داخل منازلهم أو أماكن لجأوا إليها، بينما فقد آخرون حياتهم أثناء أداء مهامهم داخل المكاتب والملاجئ والمجتمعات التي كانوا يقدمون لها الخدمات.

وتكشف هذه الوقائع أن الخطر لم يعد يهدد العامل الإنساني أثناء تنقله في مناطق القتال فقط، بل أصبح يلاحقه حتى داخل الأماكن التي يفترض أن توفر له قدرًا من الحماية.

السودان.. حرب مفتوحة وطرق إغاثة محفوفة بالموت

يأتي السودان في المرتبة الثانية من حيث عدد العاملين في المجال الإنساني الذين قتلوا خلال عام 2025، بعدما فقد القطاع الإنساني 71 من العاملين فيه.

وتفرض الحرب السودانية ظروفًا شديدة القسوة على عمليات الإغاثة، في ظل اتساع رقعة القتال وتعدد الأطراف المسلحة وانتشار الهجمات على المناطق المدنية والمنشآت الحيوية.

لكن الخطر لم يتوقف عند عام 2025، فخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026م، الموافق من شوال 1447هـ إلى محرم 1448هـ، كانت الطائرات المسيّرة مسؤولة عن نحو 80% من وفيات المدنيين في السودان، بحسب الأمم المتحدة، بعدما استُخدمت في هجمات طالت أسواقًا ومرافق صحية.

وهذا التحول يضيف طبقة جديدة من المخاطر أمام فرق الإغاثة التي تعمل عادة في مناطق مكتظة بالسكان أو تتحرك عبر طرق يصعب تأمينها.

2026 يبدأ على وقع الخطر

لم تحمل الأشهر الأولى من عام 2026م مؤشرات على تراجع العنف، فوفق بيانات “أوتشا”، قُتل 82 عاملًا في المجال الإنساني وأصيب 97 آخرون، فيما تعرض 39 شخصًا للاختطاف في مناطق نزاع مختلفة حول العالم.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بعام استثنائي أو نزاع واحد، وإنما تعكس اتجاهًا أوسع يتزايد فيه تعرض العاملين الإنسانيين للاستهداف والخطف والإصابة.

ويأتي ذلك في وقت تتوسع فيه الاحتياجات الإنسانية حول العالم، بينما تتقلص المساحات الآمنة التي تستطيع فرق الإغاثة العمل من خلالها.

المسيّرات.. سلاح منخفض التكلفة يغير قواعد الخطر

من أبرز التحولات التي ترصدها الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة الانتشار المتسارع للطائرات المسيّرة المسلحة.

فقد أصبحت هذه الطائرات متاحة على نطاق أوسع، وأقل تكلفة من كثير من منظومات التسليح التقليدية، كما يمكن تعديلها واستخدامها في عمليات هجومية داخل مناطق يصعب الوصول إليها بالقوات البرية.

ويحذر المسؤولون الأمميون من أن انتشار هذه التكنولوجيا يضاعف الأخطار على المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، خصوصًا في النزاعات التي تتداخل فيها خطوط الجبهات وتضعف فيها القدرة على تحديد مناطق آمنة.

ووصف توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، الطائرات المسيّرة المسلحة بأنها تمثل وجهًا جديدًا لخطر قديم، يتمثل في الاستهتار بحياة المدنيين أو استهدافهم عمدًا.

لكن التطور التكنولوجي لا يغير القواعد القانونية التي تحكم النزاعات، بحسب فليتشر، الذي شدد على أن قوانين الحرب تظل قائمة مهما تطورت وسائل القتال.

السودان وأوكرانيا وكولومبيا.. انتشار الظاهرة

لا تقتصر ظاهرة استخدام المسيّرات ضد المدنيين والعاملين في الإغاثة على السودان.

ففي أوكرانيا، أسفرت هجمات باستخدام الطائرات المسيّرة عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين، بينما تعرضت أربع قوافل إنسانية للقصف خلال أسبوع واحد في مايو 2026م، الموافق ذو القعدة 1447هـ.

وفي كولومبيا، تضاعفت الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة المسلحة أربع مرات بين عامي 2024 و2025، في مؤشر على اتساع استخدام هذا النوع من السلاح في النزاعات الداخلية.

أما العاملون في المجال الإنساني، فقد أصبحوا جزءًا من دائرة الخطر نفسها.

وفي مارس 2026م، الموافق رمضان 1447هـ، قُتل أحد عمال الإغاثة في جمهورية الكونغو الديمقراطية إثر ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت مبنى سكنيًا.

وتعكس هذه الحوادث تحولًا مهمًا في طبيعة المخاطر؛ إذ يمكن للطائرة المسيّرة أن تضرب هدفًا من مسافة بعيدة، من دون وجود قوات مهاجمة في محيط المكان المستهدف، ما يجعل اكتشاف الخطر أو تفاديه أكثر صعوبة.

أكثر من ألف قتيل خلال ثلاث سنوات

حجم الخسائر دفع الأمم المتحدة إلى رفع نبرة التحذير، وقال فليتشر إن مقتل أكثر من ألف عامل في المجال الإنساني خلال ثلاث سنوات فقط أمر “غير مقبول مطلقًا”، مؤكدًا أن الإدانات وحدها لن تكون كافية لحماية العامل التالي.

وتطالب الأمم المتحدة الدول باستخدام جميع الوسائل المتاحة لحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان محاسبة المسؤولين عن انتهاك قواعد الحرب.

وتتجاوز هذه المطالب الجانب الأخلاقي، إذ إن استمرار استهداف العاملين الإنسانيين يهدد القدرة على تقديم المساعدات نفسها.

فكل عامل يُقتل أو يُصاب أو يُختطف يعني في كثير من الحالات فقدان خبرة ومسؤولية ميدانية، كما قد يؤدي تكرار الهجمات إلى انسحاب المؤسسات الإنسانية من مناطق بأكملها، وهو ما يترك ملايين المدنيين دون الغذاء أو الدواء أو المأوى.

عندما يصبح إنقاذ الأرواح مهمة مميتة

في اليوم العالمي للعمل الإنساني، الذي تحييه الأمم المتحدة هذا العام تحت شعار “من أجل الإنسانية”، تبدو الأرقام أكثر من مجرد إحصاءات سنوية.

فوراء كل رقم عامل كان في طريقه إلى مستشفى، أو يقود قافلة مساعدات، أو يدير مركز إيواء، أو يقدم الغذاء والدواء إلى مدنيين عالقين في قلب الحرب، لكن المسافة بين العمل الإنساني وساحة القتال تضيق بصورة متزايدة.

غزة تقدم النموذج الأكثر وضوحًا، والسودان يكشف خطورة انتشار المسيّرات، بينما تظهر أوكرانيا والكونغو الديمقراطية وكولومبيا أن الظاهرة تتجاوز حدود نزاع واحد أو منطقة واحدة.

فالعمل الإنساني لا يمكن أن يستمر إذا تحول العاملون فيه إلى أهداف، وإذا بقيت حماية المدنيين ومن يحاولون إنقاذهم مجرد التزام نظري لا تترتب على انتهاكه مساءلة حقيقية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *