أزمة الكهرباء تكشف كلفة الانقسام السياسي والإهمال والفساد في دولة تملك ثروة طاقة هائلة
تعيش ليبيا أزمة كهرباء متفاقمة تكشف مفارقة صارخة: دولة تنتج أكثر من 1.3 مليون برميل من النفط يومياً، وتمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، يعاني سكانها انقطاعات كهرباء شبه يومية تمتد خلال الصيف إلى 6 و10 ساعات. وقد تحولت الأزمة إلى احتجاجات في طرابلس والزاوية ومصراتة، وسط مطالبات باستقالة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
ولا تتوقف آثار الانقطاع عند المنازل؛ فقد تعطلت أعمال ومصانع ومطاعم، وتضررت منشآت إنتاج المياه، فيما فقدت أسر كثيرة المواد الغذائية المخزنة بسبب انقطاع التبريد. وبذلك تحولت الكهرباء من أزمة خدمية إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية تضغط على حياة الليبيين اليومية.
أزمة صنعتها سنوات الانقسام
تعود جذور المشكلة إلى ما بعد سقوط معمر القذافي عام 2011، حين دخلت ليبيا في حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي، مع وجود إدارتين متنافستين في الغرب والشرق. وأدى ذلك إلى سنوات من ضعف الاستثمار وصيانة الشبكة وتطوير إنتاج الغاز، بينما أصبحت البنية التحتية للكهرباء أكثر اعتماداً على معدات قديمة وهامش محدود لتحمل الأعطال.
وتزداد المشكلة حدة لأن نحو 70% من الكهرباء الليبية يعتمد على الغاز الطبيعي، ما يجعل أي تراجع في إنتاج الغاز أو اضطراب في الحقول وخطوط الأنابيب ينعكس مباشرة على شبكة الكهرباء. وقد جاءت موجة الحر الشديدة هذا العام، التي وصلت فيها درجات الحرارة إلى نحو 50 درجة مئوية، لتضع شبكة منهكة أصلاً أمام اختبار قاسٍ.
لكن المشكلة لا تقتصر على نقص الإنتاج؛ إذ يرى خبراء أن ليبيا أخفقت لسنوات في زيادة قدرتها على إنتاج الغاز، رغم امتلاكها احتياطيات ضخمة. ومع استمرار تراجع إنتاج الحقول القائمة، فإن أي مشروع غاز جديد يحتاج سنوات قبل أن يبدأ في تقديم نتائج ملموسة.
مصر.. حل مؤقت لا يعالج أصل المشكلة
دفعت الأزمة طرابلس إلى طلب مزيد من الكهرباء من مصر، التي رفعت صادراتها إلى ليبيا بنحو 43% لتصل إلى 100 ميغاواط، بعد تسوية ليبيا مستحقات لمصر بنحو 90 مليون دولار.
لكن هذه الزيادة لا تغطي سوى جزء صغير من العجز الليبي، كما أن الاعتماد على مصر لا يخلو من مخاطر؛ فالنظام الكهربائي المصري نفسه يعتمد بشدة على الغاز، وقد شهدت القاهرة خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً متزايدة على إمدادات الطاقة. وبالتالي فإن استيراد الكهرباء من مصر يعني، بصورة غير مباشرة، التعرض لمخاطر إمدادات الغاز المصرية أيضاً.
وهذا يجعل التعاون المصري الليبي مفيداً كإجراء إسعافي، لكنه لا يمثل حلاً مستداماً لأزمة تحتاج إلى إصلاح قطاع الطاقة من الداخل.
النفط موجود.. لكن الكهرباء غائبة
المفارقة الليبية ليست في ندرة الموارد، بل في العجز عن تحويلها إلى خدمات مستقرة.
فالبلاد تمتلك موارد هائلة من النفط والغاز، إلى جانب إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية، لكن الانقسام السياسي، وتأخر الاستثمارات، وتهالك البنية التحتية، والفساد، كلها عوامل حالت دون بناء منظومة كهرباء قادرة على مواكبة احتياجات السكان.
ويحذر خبراء من أن استمرار الاتجاه الحالي قد يدفع ليبيا مستقبلاً إلى استيراد الغاز نفسه، في تحول بالغ المفارقة لدولة غنية بالموارد الطبيعية. كما أن بعض المشروعات التي نُفذت خلال السنوات الماضية تعرضت لانتقادات مرتبطة بالفساد، بما في ذلك مزاعم شراء معدات مستعملة وبيعها باعتبارها جديدة.
الكهرباء أصبحت أزمة سياسية
لم تعد انقطاعات الكهرباء مجرد خلل في شبكة الطاقة؛ فقد أصبحت اختباراً لقدرة المؤسسات الليبية على إدارة موارد الدولة.
فالاحتجاجات التي اندلعت في مدن عدة تعكس اتساع الفجوة بين الثروة التي تمتلكها ليبيا والخدمات التي يحصل عليها المواطن. كما أن استمرار الأزمة يضع حكومة الدبيبة أمام وعود قديمة لم تتحول إلى حل دائم، بينما تتفاوت قدرة المواطنين على التعبير عن غضبهم بين مناطق البلاد المختلفة.

تكشف أزمة الكهرباء في ليبيا أن الثروة وحدها لا تكفي لبناء دولة قادرة على توفير أبسط الخدمات. فالمشكلة ليست في غياب النفط أو الغاز، وإنما في ضعف المؤسسات والانقسام السياسي وسوء الاستثمار وتأخر تطوير قطاع الغاز والفساد.
ولهذا فإن زيادة الكهرباء المستوردة أو تركيب محطات جديدة قد تخفف الأزمة مؤقتاً، لكنها لن تنهيها. الحل الحقيقي يحتاج إلى استراتيجية طويلة الأجل تعيد بناء شبكة الكهرباء، وتزيد إنتاج الغاز، وتحد من الهدر والفساد، وتضع قطاع الطاقة فوق التجاذبات السياسية.
ففي ليبيا، لا تنقص الموارد لإضاءة البلاد؛ ما ينقص هو الإدارة القادرة على تحويل هذه الموارد إلى كهرباء تصل فعلاً إلى بيوت الليبيين.





اترك تعليقاً