أول عقد لإعادة إعمار غزة يذهب إلى قاعدة عسكرية.. والمغرب في قلب «قوة الاستقرار» الدولية

HJOk6ioage 0 313 3000 1688 0 x large

في مفارقة لافتة، بدأ أول مشروع إنشائي مرتبط بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن غزة ليس بإعادة بناء المنازل أو المستشفيات، وإنما بإنشاء قاعدة عسكرية صغيرة لإيواء قوات مغربية يفترض أن تشارك ضمن قوة دولية لتحقيق الاستقرار في القطاع.

وكشفت صحيفة الغارديان أن «مجلس السلام» الذي أنشأه ترامب في يناير/كانون الثاني للإشراف على إعادة إعمار غزة منح، بصورة مبدئية، عقد إنشاء الموقع لشركة Arkel International الأميركية، ومقرها ولاية لويزيانا، على أن يستوعب نحو 150 جنديًا مغربيًا.

ورغم أن العقد لم يُنهَ رسميًا بعد، فإن المشروع يمثل أول خطوة إنشائية ملموسة للمجلس داخل غزة، الذي كان قد طرح في بدايته تصورًا واسعًا لإعادة بناء القطاع وتحويله إلى مدينة حديثة، قبل أن تتقلص الخطة لاحقًا إلى مشروع تجريبي محدود في جنوب غزة.

قاعدة صغيرة لقوة دولية

بحسب المعلومات التي نقلتها الغارديان عن مصدر مطلع، ستقام القاعدة على مساحة تبلغ نحو 100 متر × 120 مترًا، داخل المنطقة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية مباشرة، والتي تمثل قرابة 60% من مساحة القطاع.

وسيتمركز فيها نحو 150 جنديًا مغربيًا، على أن تتناوب القوات مع أفراد يتمركزون في قاعدة داخل إسرائيل.

ومن المقرر أن تبعد القاعدة نحو ميل واحد عن الحدود الإسرائيلية، مع توفير ما وصفه المصدر بـ«طريق إخلاء سريع» يمكن استخدامه في حال تعرض القوة لهجوم.

ويأتي اختيار المغرب للمشاركة في القوة الدولية في وقت لا تزال فيه التفاصيل القانونية والعملية الخاصة بنشرها غير مكتملة، بينما سبق للرباط أن أعلنت استعدادها لإرسال وحدة محدودة للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية (ISF) المقترحة لغزة.

من إعادة الإعمار إلى الأمن

Screenshot 2026 08 06 194451

كان مجلس السلام قد تأسس في يناير/كانون الثاني تحت رئاسة ترامب، ويضم في قيادته صهره جاريد كوشنر والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، بهدف الإشراف على تنفيذ خطة واسعة بشأن مستقبل غزة.

وفي الاجتماع الأول للمجلس، طرح كوشنر تصورًا لما أطلق عليه «غزة الجديدة»، يتضمن مدينة ساحلية واسعة وأبراجًا ومشروعات تجارية وصناعية.

لكن المشروع الذي ظهر على الأرض حتى الآن مختلف تمامًا عن تلك الصورة الطموحة؛ إذ أصبح التركيز الأول على البنية الأمنية للقوة الدولية، في ظل استمرار هشاشة الوضع في القطاع.

وأكد مسؤول في مجلس السلام للغارديان أن المجلس ومجموعة من التكنوقراط الفلسطينيين المكلفين بإدارة غزة يقتربون من إتمام عدة عقود، موضحًا أن أحد المشاريع المقترحة يتعلق بمنشآت لدعم قوة الاستقرار الدولية التي يفترض أن تساعد في تنفيذ الترتيبات الأمنية والإدارية للخطة.

مشروع عسكري أكبر كان مطروحًا

وتكشف خطط تعاقدية سابقة اطلعت عليها الغارديان أن القاعدة المغربية التي يجري التخطيط لها كانت ستشكل المرحلة الأولى من مشروع أكبر لإنشاء قاعدة تستوعب نحو 5 آلاف جندي من قوة الاستقرار الدولية.

وتضمنت التصورات السابقة مواقع مخصصة للمركبات القتالية، وساترًا دفاعيًا محيطًا بالقاعدة، إضافة إلى منشآت أساسية مصممة لاستيعاب قوات لفترات قصيرة.

أما المرحلة الأولى، فكانت ستعتمد على تجهيزات بدائية نسبيًا، تشمل خيامًا وأسرّة للنوم، ودورات مياه متنقلة ومحطات لغسل اليدين، بما يكفي لجعل الموقع صالحًا للإقامة المؤقتة.

ويعكس ذلك أن القوة الدولية، في حال نشرها، ستدخل غزة في بيئة أمنية شديدة التعقيد، لا باعتبارها قوة إعادة إعمار فقط، وإنما كقوة تحتاج إلى ترتيبات حماية وإخلاء ومواقع عسكرية خاصة بها.

قوات الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على معظم القطاع

ويكتسب موقع القاعدة أهمية سياسية وعسكرية، إذ ستقام في الجزء من غزة الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي، في وقت أنشأت فيه القوات الإسرائيلية أيضًا منطقة عازلة إضافية خلف مناطق السيطرة المباشرة.

ويعني ذلك أن أي انتشار للقوات المغربية أو غيرها من قوات الاستقرار سيجري في بيئة لا تزال تل أبيب صاحبة النفوذ العسكري الأكبر فيها، بينما لم تتضح بصورة نهائية آليات التنسيق بين القوة الدولية والجيش الإسرائيلي أو حدود صلاحيات القوة الجديدة.

كما أن الإطار القانوني للقوة الدولية نفسها لم يكتمل بعد، ما يترك أسئلة أساسية حول مهمتها وقواعد اشتباكها والجهة التي ستتولى قيادتها وآلية التعامل مع الفصائل المسلحة داخل القطاع.

غزة المدمرة تنتظر إعادة الإعمار

يأتي التركيز على إنشاء القاعدة العسكرية في وقت لا تزال فيه غزة تواجه دمارًا واسعًا خلّفته الحرب.

وبحسب الغارديان، تضرر أو دُمر ما لا يقل عن 80% من مباني القطاع، بينما لا يزال نحو مليوني فلسطيني يعيشون، بعد عشرة أشهر من وقف إطلاق النار، في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى الظروف الصحية الملائمة.

وهنا تظهر المفارقة الأبرز في المشروع: بينما يعيش السكان في ظروف إنسانية قاسية وتحتاج البنية المدنية إلى إعادة بناء واسعة، فإن أول مشروع إنشائي مرتبط بخطة «مجلس السلام» يتجه إلى إنشاء منشأة مخصصة للقوات العسكرية.

ولا يعني ذلك بالضرورة التخلي عن مشاريع إعادة الإعمار المدنية؛ فالمجلس يقول إن هناك عقودًا أخرى في مراحل الإعداد. لكن ترتيب الأولويات يكشف أن الأمن لا يزال يمثل الشرط الأول الذي تتحرك من خلاله الخطة الأميركية الجديدة بشأن غزة.

المغرب أمام مهمة حساسة

ويضع المشروع المغرب أمام دور جديد في مرحلة ما بعد الحرب، إذا تحولت مشاركة قواته إلى انتشار فعلي داخل القطاع.

فوجود جنود مغاربة ضمن قوة دولية في غزة سيجعل الرباط جزءًا مباشرًا من ترتيبات أمنية بالغة الحساسية، في منطقة لا تزال تشهد توترًا عسكريًا، فيما لم تتضح بعد طبيعة العلاقة بين القوة الدولية والفصائل الفلسطينية وإسرائيل والجهات المشرفة على الإدارة المدنية للقطاع.

ويأتي ذلك أيضًا بعد أيام من إعلان ترامب أن حركة حماس وافقت على نزع سلاحها، في حين لا تزال كيفية تنفيذ هذا التعهد موضع تساؤلات كبيرة، كما أن إسرائيل عارضت الخطة وصعّدت غاراتها على غزة عقب الإعلان.

وبالتالي، فإن إنشاء قاعدة لاستقبال القوات المغربية لا يمثل مجرد مشروع هندسي محدود، بل قد يكون المؤشر الأول على تحول خطة ترامب من تصور سياسي لإعادة إعمار غزة إلى ترتيبات أمنية على الأرض.

وبينما كانت الرؤية الأميركية الأولى تتحدث عن «غزة الجديدة» كمدينة ساحلية حديثة ومركز اقتصادي، فإن أول حجر في هذا المشروع يبدو متجهًا إلى بناء قاعدة عسكرية صغيرة تستعد لاستقبال جنود مغاربة؛ في مشهد يلخص واقع القطاع بعد الحرب: إعادة الإعمار مؤجلة، والأمن ما يزال في مقدمة الحسابات.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *