تشهد منطقة كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية، والمعروفة رسمياً باسم آزاد جامو وكشمير (AJK)، واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الشعبي خلال العقود الأخيرة، بعدما تحولت مطالب اقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار الكهرباء والطحين إلى حركة أوسع تنتقد طريقة إدارة المنطقة وعلاقتها بالحكومة المركزية في إسلام آباد.
ولسنوات طويلة، تركز الاهتمام الدولي على الجزء الخاضع للإدارة الهندية من كشمير، حيث دارت الأضواء حول الصراع المسلح، والانتشار العسكري، والتوترات بين الهند وباكستان. لكن التطورات الأخيرة في الجانب الباكستاني كشفت عن أزمة داخلية مختلفة؛ أزمة تتعلق بالتمثيل السياسي، والبطالة، والخدمات العامة، والشعور بالتهميش.
من أزمة المعيشة إلى احتجاج سياسي واسع

بدأت الاحتجاجات بشكل أساسي بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء وأسعار الطحين والضرائب، لكنها سرعان ما توسعت لتصبح حركة تطالب بإصلاحات سياسية عميقة.
ويقود الحراك اللجنة الشعبية للعمل المشترك (JAAC)، وهي تحالف يضم تجاراً ومحامين وطلاباً ونشطاء مجتمع مدني وشخصيات محلية، ظهر خارج إطار الأحزاب التقليدية.
ويرى أنصار الحركة أن الأحزاب السياسية الموجودة في المنطقة أصبحت مرتبطة بشكل كبير بإسلام آباد، ولم تعد تعبر عن مشكلات السكان اليومية.
وقال أحد أنصار الحركة في مدينة مظفر آباد:
“لا أحد يعرف متى ستُحل قضية كشمير، لكن ما نحتاج إلى معرفته اليوم هو من سيوفر لنا الوظائف والحياة الكريمة”.
هذا التحول يعكس تغيراً في طبيعة الخطاب السياسي لدى جيل جديد من سكان المنطقة، حيث لم تعد الأولوية فقط للصراع التاريخي بين الهند وباكستان، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة داخلية مثل: من يحكم؟ وكيف تُوزع الموارد؟ وهل يمتلك السكان قرارهم السياسي؟
البطالة والفقر يزيدان الغضب الشعبي

تواجه كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية تحديات اقتصادية كبيرة رغم موقعها الاستراتيجي وطبيعتها السياحية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن نسبة البطالة بين الشباب في المنطقة تبلغ نحو 27%، وهي نسبة أعلى بكثير من المعدل الوطني في باكستان، بينما تبقى مشاركة النساء في سوق العمل محدودة للغاية.
كما تعاني المنطقة من ضعف البنية التحتية، خصوصاً في الطرق والخدمات الصحية والتعليمية، وهي مشكلات تزداد صعوبة خلال فصل الشتاء القاسي بسبب طبيعة المنطقة الجبلية.
ولا تزال آثار زلزال عام 2005، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف، واضحة في العديد من المناطق، ما يعزز شعور السكان بأن التنمية لم تصل إليهم بالشكل المطلوب.
تخفيض الأسعار لم ينهِ الأزمة

خلال عامي 2024 و2025، دفعت الاحتجاجات الحكومة إلى تقديم تنازلات، أبرزها خفض أسعار الكهرباء وتقديم دعم للقمح.
لكن الناشطين اعتبروا هذه الإجراءات حلولاً مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.
ويقول باحثون في الاقتصاد السياسي إن خفض الأسعار عالج الغضب الفوري، لكنه لم يغير “البنية العميقة للإقصاء الاقتصادي والسياسي”.
ولهذا انتقلت مطالب المحتجين من تحسين الظروف المعيشية إلى المطالبة بإعادة النظر في شكل الحكم وآليات اتخاذ القرار.
معركة المقاعد الانتخابية للاجئين
تتركز إحدى أكبر نقاط الخلاف حول النظام الانتخابي في المنطقة، وخاصة المقاعد المخصصة للاجئين الكشميريين المقيمين خارج الإقليم.
تملك الجمعية التشريعية في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية 53 مقعداً، ينتخب سكان المنطقة 33 منها، بينما تُخصص 12 مقعداً أخرى لكشميريين هاجروا إلى مناطق أخرى من باكستان خلال حروب 1947 و1965.
ويرى مؤيدو هذا النظام أن هذه المقاعد تحافظ على حقوق اللاجئين وتحافظ على الموقف الباكستاني بأن كامل إقليم كشمير ما زال منطقة متنازعاً عليها دولياً.
لكن حركة JAAC ومعارضين آخرين يعتبرون أن هذه المقاعد تمنح الحكومة الفيدرالية نفوذاً كبيراً في تشكيل الحكومات المحلية.
ويقول منتقدون إن ناخبين يعيشون خارج المنطقة أصبح بإمكانهم التأثير في اختيار حكومات داخل كشمير، الأمر الذي أدى إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي، مع تعاقب عدة رؤساء وزراء محليين خلال فترة قصيرة.
أزمة شرعية سياسية وانتخابات مثيرة للجدل

أدت الاحتجاجات والدعوات إلى مقاطعة الانتخابات بسبب قضية المقاعد المحجوزة إلى تراجع كبير في نسبة المشاركة الانتخابية.
وجرى تنظيم الانتخابات المحلية على مراحل بين أواخر يوليو وبداية أغسطس 2026، لكن ضعف الإقبال أثار تساؤلات حول شرعية البرلمان الجديد وقدرته على تمثيل السكان.
كما تصاعدت الاتهامات بين الأحزاب الباكستانية، حيث اتهم حزب الشعب الباكستاني الحكومة التي يقودها حزب الرابطة الإسلامية – نواز بالتلاعب بالانتخابات.
وفي الوقت نفسه، اكتسب شعار “كشمير ستصبح ذات سيادة” (Kashmir Banega Khudmukhtar) حضوراً أكبر خلال الاحتجاجات، وهو خطاب يتجاوز الاختيار التقليدي بين الهند وباكستان ويدعو إلى مزيد من الحكم الذاتي.
المواجهة بين الحكومة والمحتجين
اتبعت السلطات الباكستانية سياسة تجمع بين تقديم تنازلات وفرض إجراءات أمنية مشددة.
ففي البداية جرت مفاوضات أدت إلى تخفيض أسعار بعض السلع، لكن مع توسع الاحتجاجات وارتفاع سقف المطالب السياسية، تغير موقف السلطات.
وأعلنت الحكومة حظر الحركة تحت قوانين مكافحة الإرهاب، كما اعتقلت عدداً من قادتها، بينما اتهمت الحركة السلطات باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
وتشير تقديرات مستقلة إلى مقتل أكثر من 45 شخصاً منذ بداية المواجهات الأخيرة، بينهم محتجون وعناصر أمن ومدنيون، في ظل صعوبة التحقق بسبب قطع الإنترنت وحظر التجول.
وتنفي حركة JAAC الاتهامات الحكومية التي تربطها بجهات خارجية، وتؤكد أن مطالبها سلمية وتركز على الحقوق الاقتصادية والسياسية للسكان.
تأثير قطع الإنترنت والاضطرابات على الحياة اليومية

لم تقتصر آثار الأزمة على السياسة، بل امتدت إلى الحياة اليومية للسكان.
فقد تسببت انقطاعات الإنترنت في تعطيل التجارة والسياحة والخدمات، بينما أدت الإغلاقات والحواجز الأمنية إلى خسائر كبيرة للتجار، خاصة في مدن مثل روالباكوت التي تعد من مراكز الحركة الاحتجاجية.
وأصبح السكان عالقين بين أزمة اقتصادية متفاقمة ومواجهة سياسية مفتوحة مع السلطات.
ظل الصراع مع الهند وتداعيات إلغاء المادة 370
تأتي هذه التطورات في ظل سياق أوسع يتعلق بقرار الهند عام 2019 إلغاء الوضع الخاص لكشمير الهندية عبر إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي، وهي خطوة أعادت تشكيل المشهد السياسي في الإقليم بأكمله.
وأثارت الخطوة الهندية غضباً واسعاً في باكستان وكشمير الخاضعة لإدارتها، لكن بعض السكان بدأوا أيضاً بانتقاد طريقة تعامل إسلام آباد مع القضية، معتبرين أن التركيز على الصراع الخارجي لم يعد كافياً لتلبية احتياجاتهم الداخلية.
كما أثارت مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، نقاشات حول مستقبل الوضع القانوني للمنطقة، وسط مخاوف لدى بعض السكان من احتمال تغيير وضعها الإداري مستقبلاً.
كشمير بين سؤال الهوية وسؤال الحكم

تكشف الاحتجاجات الحالية في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية عن تحول مهم في طبيعة الصراع السياسي داخل المنطقة.
فبعد عقود كان فيها النقاش يدور أساساً حول النزاع الهندي الباكستاني، يظهر جيل جديد يركز على قضايا الحكم والعدالة الاقتصادية والتمثيل السياسي.
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستتمكن إسلام آباد من احتواء الغضب الشعبي عبر إصلاحات حقيقية، أم أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى اتساع المطالب نحو تغيير أعمق في طبيعة علاقة المنطقة بالحكومة المركزية؟






اترك تعليقاً