تسلط شهادة نشرتها الكاتبة أرييل ديل توركو في 29 يوليو/تموز 2026 الضوء على نشاط تنصيري يستهدف بعض المسلمين من قبيلة الفولاني في ولاية بلاتو النيجيرية، مستعرضة قصص عدد من الشباب الذين تقول إنهم اعتنقوا النصرانية بعد تواصلهم مع جماعات وكنائس تبشيرية.
ونُشرت المادة في إطار مقال رأي، وتستند إلى زيارة قامت بها الكاتبة إلى نيجيريا برفقة منظمة Christian Freedom International، وهي جهة نصرانية تعمل في مجال المساعدات الإنسانية وخدمة الكنائس التي تصفها بالمضطهدة. وتقدم الكاتبة ما شاهدته على أنه مؤشر على نشاط تنصيري يسعى إلى الوصول إلى المسلمين في المناطق التي تشهد اضطرابات وصراعات دينية.
وتكشف الروايات الواردة في المقال عن مجموعة من الوسائل التي اعتمد عليها النشاط التنصيري للوصول إلى الشباب المسلمين، من بينها بناء العلاقات الشخصية، واستغلال الأسئلة الدينية والحيرة الفكرية، والتواصل المباشر مع الشباب في أماكن العمل، والاستفادة من العلاقات الاجتماعية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والتوجيه عبر القساوسة والكنائس والمدارس الدينية.
استثمار التساؤلات الدينية
تروي المادة قصة شاب يُدعى «محمد»، وهو اسم مستعار لحمايته، نشأ في أسرة مسلمة ودرس في مدرسة إسلامية، قبل أن يبدأ بطرح أسئلة حول تعليمه الديني. وبحسب الرواية، أدى تواصله مع أصدقاء النصارى إلى تعرفه على النصرانية، ثم جرى توجيهه إلى قس، انتهى به الأمر إلى اعتناق النصرانية.
وتشير القصة إلى أن النشاط التنصيري استفاد من مرحلة التساؤلات التي مر بها الشاب، فانتقل من مجرد التعرف على النصرانية عبر العلاقات الشخصية إلى التواصل مع رجل دين نصراني، ثم إلى الانضمام إلى مؤسسة تعليمية دينية.
وتزعم المادة أن اعتناق محمد للنصرانية أدى إلى تعرضه لضغوط شديدة من أسرته ومجتمعه، وأنه اضطر إلى الهرب بعد تعرضه لمحاولة قتل، قبل أن يلتحق لاحقًا بمدرسة للكتاب المقدس للنصارى، حيث أصبح، وفق الرواية، رئيسًا لطلاب فصله.
توظيف الأحلام والبحث عن المعنى
وتقدم المادة قصة أخرى لشاب يدعى «أمادو»، قالت إنه بدأ يبحث عن تفسير لأحلام متكررة راودته، ثم اقترب من مجموعة من النصارى كانوا يجتمعون للصلاة في مكان عمله.
وبحسب الرواية، شكلت هذه التجربة مدخلًا للتواصل مع قس نصراني، الذي قدم له تفسيرًا دينيًا لأحلامه وربطها بالمسيح، ثم دعاه إلى اعتناق النصرانية. وبعد ذلك، التحق أمادو بالكنيسة، قبل أن يقرر مغادرة منزل أسرته والانتقال إلى مدينة أخرى خوفًا من رد فعل عائلته.
وتكشف هذه القصة عن أسلوب آخر من أساليب النشاط التنصيري، يتمثل في التعامل مع الأسئلة الشخصية والتجارب النفسية باعتبارها مدخلًا للتأثير في الفرد، ثم توجيهه إلى رجال الدين والمؤسسات الكنسية.
استثمار السلوك الإنساني في الدعوة
أما قصة «جالو»، فتقدم نموذجًا مختلفًا؛ إذ تقول المادة إنه تعرف إلى النصرانية من خلال مواقف تعامل فيها مع مزارعين نصارى تعرضت محاصيلهم للتلف بسبب ماشية كان يرعاها.
وبحسب الرواية، أثار تسامح هؤلاء المزارعين وعفوهم عن الأضرار التي لحقت بهم فضول الشاب، ودفعه إلى التساؤل عن الدين الذي يدفع أتباعه إلى المسامحة. ثم جرى توجيهه إلى قس، قبل أن يلتحق لاحقًا بمدرسة للكتاب المقدس.
وتظهر هذه القصة استخدام السلوك والممارسة اليومية بوصفهما وسيلة للتأثير الدعوي التنصيري؛ فبدلًا من البدء بالخطاب الديني المباشر، ركز النشاط التنصيري هنا على تقديم نموذج سلوكي اعتُبر عامل جذب للشاب ودافعًا لديه للتعرف على النصرانية.
من التواصل الفردي إلى صناعة منصّرين جدد
لا يقتصر النشاط الذي تصفه المادة على إقناع أفراد باعتناق النصرانية، بل يمتد إلى إعدادهم ليصبحوا جزءًا من النشاط التنصيري نفسه.
فالشبان الثلاثة الذين تناولتهم المادة، بحسب الرواية، التحقوا جميعًا بمعهد نصراني لدراسة الكتاب المقدس، بهدف إعدادهم للعمل كقساوسة ومبشرين في مناطق أخرى.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج النشاط التنصيري الذي تصفه المادة: تحويل الشخص الذي جرى استقطابه من متلقٍ للدعوة إلى عنصر مشارك في نشرها. فالمشروع لا يتوقف عند تغيير هوية الفرد الدينية، بل يسعى إلى تأهيله ليصبح قادرًا على الوصول إلى آخرين من البيئة نفسها، مستفيدًا من معرفته باللغة والثقافة والمجتمع المحلي.
ما النتائج التي يتحدث عنها المقال؟
بحسب المقال، أسفر هذا النشاط عن اعتناق عدد من الشباب المسلمين للنصرانية، وانفصال بعضهم عن أسرهم ومجتمعاتهم، وانتقالهم إلى مناطق أخرى خوفًا من ردود الفعل، فضلًا عن التحاقهم بمؤسسات نصرانية لتلقي التعليم الديني والتدريب على العمل التنصيري في دعم متواصل للمرتدين عن الإسلام.
وتشير رواية المقال إلى أن بعض هؤلاء الشباب أصبحوا، أو يُعدّون ليصبحوا، منصرين وقادة للتنصير في المستقبل، بما يعني أن النشاط التنصيري لا يستهدف فقط تغيير قناعات أفراد، بل يسعى أيضًا إلى بناء كوادر محلية قادرة على مواصلة هذا النشاط داخل المجتمعات المسلمة.
ومع ذلك، فإن القصص الواردة في المقال تمثل رواية الجهة التي قامت بالزيارة والجهة النصرانية التي رافقتها، ولذلك لا يمكن اعتبارها إحصاءً مستقلًا لحجم التحول الديني بين مسلمي الفولاني، ولا دليلًا على أن هذه الحالات تمثل اتجاهًا عامًا في المجتمع.
لكنها، في الوقت نفسه، تقدم صورة واضحة عن الأساليب التي تعتمد عليها بعض الجهات التنصيرية في الوصول إلى المسلمين، ومن أبرزها العلاقات الشخصية، واستثمار التساؤلات الدينية، والتواصل مع الشباب، وتقديم التفسير الديني للتجارب الشخصية، ثم الانتقال بالفرد من مرحلة التعارف إلى الارتباط بالكنيسة، وأخيرًا إلى التعليم والتدريب الديني.
وتكشف هذه الحالات، أن النشاط التنصيري في بعض المناطق النيجيرية لا يتحرك بصورة عشوائية، وإنما يعتمد على مسار متدرج يبدأ بالتواصل الفردي وبناء الثقة، ثم تقديم الأفكار الدينية، وصولًا إلى استقطاب الفرد وإدخاله في مؤسسات دينية، وربما تحويله لاحقًا إلى عنصر فاعل في نشر النصرانية بين أبناء مجتمعه. مع حصوله على دعم مستمر عبر مؤسسات تنصيرية بستار الإغاثة أو بشكل مباشر عبر الجهود الكنسية.
وفي ظل الأوضاع الأمنية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها مناطق واسعة من نيجيريا، وما يصاحبها من صراعات دينية وفقر واضطرابات، تبدو الساحة مهيأة أمام مختلف الجهات الدينية والإنسانية للتأثير في المجتمعات المحلية. ويُظهر المقال أن بعض المنظمات النصرانية تنظر إلى هذه البيئة باعتبارها فرصة للعمل التنصيري، مستفيدة من العلاقات الإنسانية والمساعدات والتعليم والتواصل المباشر للوصول إلى شرائح من المسلمين.
وبذلك، فإن أبرز ما تكشفه هذه المقالة ليس فقط وجود حالات فردية اعتنقت النصرانية، وإنما المنهج الذي تتبعه الجهات التنصيرية في استقطاب بعض المسلمين، والنتائج التي تقول إنها حققتها، من تغيير هوية بعض الأفراد الدينية إلى إعدادهم لاحقًا ليكونوا مبشرين داخل مجتمعاتهم وكيف أن المؤسسات التي تدخل نيجيريا بحجة المساعدات الإنسانية هي بالأساس أذرع تنصير تابعة للكنيسة تستغل حاجة المسلمين وظروفهم السيئة.
وهذا يضع الدعاة المسلمين والمؤسسات الإنسانية الإسلامية أمام مسؤولية دينية وأخلاقية، لسد ثغرها والاستجابة لهذه االمجتمعات التي تعاني الجهل والفقر وتسلط حركات التنصير.





اترك تعليقاً