لم تنتهِ معاناة آلاف السودانيين الذين فرّوا من أتون الحرب، فبعد رحلة هروب محفوفة بالخوف والعنف، وجدوا أنفسهم أمام معركة جديدة من أجل أبسط مقومات الحياة: الماء.
في مخيم غودراني للاجئين شرق تشاد، الذي يؤوي نحو 50 ألف لاجئ سوداني، أصبح وصول شاحنة المياه حدثًا استثنائيًا تنتظره الأسر النازحة، بعدما جفت خزانات المخيم لأربعة أيام متواصلة.
وعندما ظهرت شاحنة تحمل نحو 6 آلاف لتر من المياه، اندفع مئات اللاجئين عبر الرمال الساخنة في محاولة لملء عبواتهم البلاستيكية، لكن الكمية نفدت خلال دقائق قليلة، تاركة كثيرين يعودون بأوعية فارغة.
وتقول روخية إبراهيم، وهي معلمة سودانية تبلغ من العمر 43 عامًا، إنها شاهدت أطفالًا يموتون عطشًا أثناء فرارهم من مدينة الفاشر، قبل أن تواجه المشهد نفسه مرة أخرى داخل مخيم اللجوء.
أزمة مياه تهدد حياة اللاجئين
تؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 938 ألف سوداني فروا إلى تشاد منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ويعيش معظمهم في مخيمات مكتظة بالمناطق الشرقية القاحلة من البلاد.
ويحصل بعض اللاجئين على كميات من المياه تقل عن الحد الأدنى الذي توصي به مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يزيد مخاطر انتشار الأمراض وسوء التغذية.
وفي العيادات الطبية داخل المخيمات، يواجه الأطباء مشكلة تتجاوز نقص الأدوية، إذ إن علاج الالتهابات والأمراض البكتيرية يصبح أكثر صعوبة في ظل غياب المياه النظيفة.
وقال أحد الأطباء في مخيم غودراني إن توفر الدواء وحده لا يكفي، لأن المرضى يحتاجون إلى مياه نظيفة لاستخدام العلاج والوقاية من العدوى.
من جحيم الحرب إلى معاناة النزوح
يحمل كثير من اللاجئين قصصًا مؤلمة عن العنف الذي واجهوه أثناء مغادرتهم السودان، خصوصًا في إقليم دارفور الذي شهد معارك واسعة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتروي روخية إبراهيم أنها فرت من القتال قرب الفاشر، متهمة مقاتلين من قوات الدعم السريع بمهاجمة أسرتها خلال رحلة النزوح، حيث فقد زوجها بصره بعد تعرضه للضرب، بينما تعرض طفلها للخطر أثناء الهجوم.
أما زهرة خميس، وهي من مدينة الجنينة في غرب دارفور، فتروي أنها نجت من اعتداءات عنيفة وهجمات متكررة قبل أن تبدأ رحلة هروب استمرت أسابيع نحو الحدود التشادية.
وقالت إن المياه والطعام أصبحا شبه معدومين في منطقتها قبل الفرار، وإنها رأت جثث أشخاص قُتلوا على الطرقات أثناء محاولتهم الوصول إلى الأمان.
وتنتمي خميس إلى مجتمع المساليت، الذي قالت تحقيقات أممية إنه تعرض لهجمات واسعة في غرب دارفور، ووصفت بعض الانتهاكات المرتكبة بحقه بأنها ترقى إلى التطهير العرقي.
مساعدات لا تواكب حجم الأزمة
تقول منظمات إغاثية عاملة في تشاد إن حجم الاحتياجات يتجاوز بسرعة قدرة البنية الإنسانية المتوفرة، بما في ذلك آبار المياه وشبكات التوزيع ومرافق الصرف الصحي.
وأكدت منظمة سوليداريتيه إنترناسيونال، التي تعمل في تشاد منذ عام 2008، أن أزمة المياه الحالية في مخيمات اللاجئين شرق البلاد من أكثر الحالات الإنسانية إلحاحًا التي تواجهها.
وقال مسؤولو المنظمة إن التمويل الحالي لا يكفي لضمان حصول جميع اللاجئين على مياه آمنة، مع استمرار وصول المزيد من الفارين من الحرب.
تلاشي حلم العودة
مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، تتراجع آمال كثير من اللاجئين في العودة إلى ديارهم قريبًا، رغم تعلقهم بفكرة الرجوع عندما يسود السلام.
وتقول فاطنة آدم، البالغة من العمر 53 عامًا، والتي تعيش في مخيم متشيه شرق تشاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، إنها فقدت زوجها وابنها أثناء الهروب من الحرب.
وأضافت أن العودة إلى السودان تبقى حلمًا، لكنها لا تعرف متى يمكن أن يتحقق، لأن السلام ما زال بعيد المنال.
وتستمر أزمة السودان في دفع المزيد من المدنيين نحو النزوح، وسط حرب خلفت آلاف القتلى، وشردت ملايين الأشخاص، وأنتجت واحدة من أكبر أزمات النزوح والأوضاع الإنسانية في العالم وفق الأمم المتحدة.






اترك تعليقاً