المسيّرات والحصار يهددان الحياة في الأبيض.. الحرب في السودان تستهدف مقومات البقاء

593d405a cbd5 42d9 8a4b

تواجه مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، واحدة من أخطر المراحل منذ اندلاع الحرب السودانية، مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، في وقت يحذر فيه أطباء وعاملون في المجال الإنساني من أن نقص الوقود والكهرباء والمياه بات يحصد أرواح المدنيين بصورة غير مباشرة، حتى دون تعرضهم للقصف المباشر.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، التي دخلت عامها الرابع، وسط أزمة إنسانية تعد من الأكبر عالميًا.

ضحايا الانهيار الخدمي

لم تكن نفيسة محمود، البالغة من العمر 21 عامًا، ضحية قذيفة أو غارة مباشرة، بل توفيت بعد تأخر وصولها إلى المستشفى نتيجة تعطل خدمات الإسعاف ونقص الوقود.

كانت الشابة تعاني من جلطة دموية في ساقها، وعندما تدهورت حالتها احتاجت إلى نقل عاجل إلى المستشفى، إلا أن أسرتها لم تتمكن من العثور على وسيلة نقل بسرعة بسبب شح الوقود وصعوبة الحركة داخل المدينة.

وعند وصولها إلى المستشفى، واجه الأطباء ضغطًا هائلًا ونقصًا في الموارد الطبية، قبل أن تفارق الحياة بعد ساعات.

ويرى أفراد أسرتها أن انهيار الخدمات الأساسية كان سببًا رئيسيًا في وفاتها، مؤكدين أن الحرب لا تقتل بالقذائف وحدها، بل تحصد الأرواح أيضًا عندما تمنع المرضى من الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.

استهداف البنية التحتية

بحسب شهادات سكان المدينة، كثفت قوات الدعم السريع خلال الأشهر الأخيرة هجماتها بالطائرات المسيّرة على منشآت الوقود والكهرباء وشبكات الإمداد، في محاولة لفرض حصار فعلي على الأبيض وإضعاف قدرة القوات الحكومية على الصمود.

وتسيطر القوات المسلحة السودانية على المدينة، التي تعد مركزًا عسكريًا ولوجستيًا مهمًا في شمال كردفان، بينما تسعى قوات الدعم السريع إلى تضييق الخناق عليها عبر استهداف الطرق وخطوط الإمداد بدلًا من شن هجوم بري مباشر.

وأفادت تقارير محلية بأن محطات الوقود تعرضت لسلسلة من الضربات المتكررة، كما أدى استهداف المحول الكهربائي الرئيسي إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من المدينة.

الوقود يتحول إلى شريان للحياة

أدى تدمير محطات الوقود إلى ارتفاع كبير في أسعار الوقود وأجور النقل، بينما اضطر كثير من السكان إلى السير لمسافات طويلة للوصول إلى أعمالهم أو المستشفيات.

كما لجأت بعض الأسر إلى حفر آبار بدائية للحصول على المياه، رغم المخاوف المتعلقة بجودة المياه وسلامتها الصحية.

وتشير شهادات السكان إلى أن الأسواق شهدت تراجعًا ملحوظًا في الحركة التجارية، مع تركيز المواطنين على شراء الاحتياجات الأساسية فقط، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات.

المستشفيات على حافة الانهيار

أصبحت المستشفيات في الأبيض تعتمد بشكل شبه كامل على المولدات الكهربائية، التي تحتاج إلى الوقود لتشغيل أجهزة التنفس الصناعي وغرف العمليات وأجهزة غسيل الكلى.

ويقول أطباء في المدينة إن نقص الوقود وانقطاع الكهرباء أدى إلى تأجيل عمليات جراحية، وإيقاف استقبال بعض الحالات الطارئة، إضافة إلى تقليص جلسات غسيل الكلى بسبب الضغط على الأجهزة المتوفرة.

ويؤكد العاملون في القطاع الصحي أن استمرار انقطاع الكهرباء قد يؤدي إلى توقف أجهزة مراقبة المرضى والأكسجين، وهو ما يهدد حياة مئات المرضى الذين يعتمدون على هذه المعدات بشكل يومي.

كما تواجه سيارات الإسعاف صعوبة في الوصول إلى المصابين بسبب نقص الوقود والمخاطر الأمنية على الطرق، الأمر الذي يزيد زمن الاستجابة للحالات الحرجة.

المسيّرات تغيّر طبيعة الحرب

أصبحت الطائرات المسيّرة عنصرًا رئيسيًا في الحرب السودانية، سواء في العمليات العسكرية أو في استهداف البنية التحتية.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الطائرات المسيّرة تسببت خلال الأشهر الأولى من عام 2026 في أكثر من 80% من وفيات المدنيين المرتبطة بالهجمات الجوية، خاصة في ولايات كردفان ودارفور.

وتفيد تقارير دولية بأن قوات الدعم السريع تستخدم طائرات مسيّرة متطورة حصلت عليها عبر شبكات إمداد خارجية، فيما تعتمد القوات المسلحة السودانية على أنواع أخرى من الطائرات المسيّرة ضمن دعم عسكري من حلفائها.

تقدم ميداني للقوات الحكومية

بالتوازي مع الهجمات الجوية، أعلنت القوات المسلحة السودانية استعادة السيطرة على عدد من المناطق والطرق المؤدية إلى مدينة الأبيض، في خطوة تهدف إلى إعادة فتح خطوط الإمداد وتعزيز دفاعات المدينة.

ويرى مراقبون أن هذا التقدم قد يخفف من حدة الحصار المفروض على الأبيض، ويعزز قدرة السلطات على إيصال الوقود والإمدادات الإنسانية، رغم استمرار المخاوف من تصاعد المواجهات العسكرية.

أزمة إنسانية تتفاقم

تستضيف مدينة الأبيض أعدادًا متزايدة من النازحين الفارين من مناطق القتال الأخرى، ما يزيد الضغط على الخدمات الصحية والغذائية والمياه.

ويحذر ناشطون ومنظمات حقوقية من أن استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك محطات الكهرباء والوقود والمياه، يضاعف معاناة السكان، ويقوض قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات المنقذة للحياة.

وفي ظل استمرار القتال، يخشى سكان المدينة أن تتحول الأبيض إلى ساحة معارك واسعة، بينما يؤكد كثير منهم أنهم لا يملكون خيارًا آخر سوى البقاء، بعد أن أصبحت المدينة ملاذًا لآلاف النازحين خلال سنوات الحرب.

ويبقى المشهد الإنساني في الأبيض مرشحًا لمزيد من التدهور ما لم تُفتح ممرات آمنة لإيصال الوقود والمساعدات الطبية والغذائية، وتُتخذ إجراءات لحماية المنشآت المدنية، في وقت يدفع فيه المدنيون الثمن الأكبر لصراع عسكري طال أمده وأرهق البلاد.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *