في خيام بدائية لا تحمي من الأمطار، يحاول آلاف المدنيين في شمال شرق جمهورية أفريقيا الوسطى إعادة بناء حياتهم بعد أن أجبرهم القتال على الفرار من منازلهم، حاملين معهم ذكريات الخوف والدمار، وأملًا وحيدًا بأن تصل إليهم المساعدات قبل أن تتفاقم معاناتهم.
من بين هؤلاء زكريا حسن، الذي فر مع أطفاله بعد اندلاع اشتباكات عنيفة في بلدة أم دافوك قرب الحدود مع السودان، ليجد نفسه اليوم في مخيم للنازحين بمدينة بيراو، عاجزًا عن توفير الدواء لطفله البالغ من العمر ثمانية أشهر، الذي يعاني من ارتفاع شديد في الحرارة.
وقال حسن: “إنه مريض منذ عدة أيام، وليس لدي أي دواء أعطيه له”، مشيرًا إلى أن عائلته اضطرت إلى الهروب بسرعة بعد أن بدأت الاشتباكات وإطلاق النار في المنطقة.
هروب تحت نيران المعارك
في 30 يونيو/حزيران، شنت مجموعة التحالف من أجل التجديد الوطني (ASP)، وهي جماعة مسلحة متمردة في جمهورية أفريقيا الوسطى تضم مقاتلين أجانب، هجومًا على القوات الحكومية في أم دافوك شمال شرق البلاد.
وتُعد المنطقة الحدودية بين جمهورية أفريقيا الوسطى والسودان منطقة حساسة تشهد بشكل متكرر تحركات جماعات مسلحة وعمليات توغل عبر الحدود.
ويقول حسن، القادم من قرية أغرومَاي القريبة، إن المقاتلين وصلوا وهم يطلقون النار في كل مكان، وإن المنازل بدأت تحترق، ما دفع السكان إلى الفرار خوفًا على حياتهم.
وأضاف: “أدركنا أننا إذا بقينا فقد نموت”.
لم يكن أمام العائلة سوى التوجه نحو مدينة بيراو، المركز الرئيسي لإقليم فاكاغا، التي تبعد نحو 60 كيلومترًا عن موقع الاشتباكات.
وكانوا يعتقدون أنهم سيعودون بعد أيام قليلة، لكن الواقع كان مختلفًا.
وقال حسن: “اليوم لم يبقَ لدينا شيء”.
حياة بلا مأوى ولا خدمات أساسية
بعد وصولهم إلى بيراو، وجد النازحون الأمان، لكنهم واجهوا ظروفًا إنسانية صعبة.
ويقيم هؤلاء بالقرب من مخيم يستضيف منذ أشهر آلاف اللاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب المستمرة في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل/نيسان 2023.
وتتكون مساكن النازحين من أغطية بلاستيكية ممزقة ومواد بسيطة، حيث تحاول الأسر تدبير أمورها وسط نقص الغذاء والمياه والخدمات الطبية.
وقال حسن: “عندما تمطر، يبتل كل شيء. لدينا القليل من الطعام والأطفال يمرضون”.
وطالب بتوفير الرعاية الصحية، والأغطية الواقية، والمراحيض، ومياه الشرب، مضيفًا: “نريد فقط أن نعيش بكرامة”.
آثار الحرب تطارد الفارين
لم تقتصر المعاناة على الأطفال والمرضى، إذ يحمل كثير من النازحين إصابات وأمراضًا لم يجدوا لها علاجًا.
ومن بينهم ناصر، وهو شاب في العشرينيات فر أيضًا من أم دافوك، حيث تحدث عن شقيقه الأكبر الذي يعاني منذ فترة طويلة من مشاكل في الركبة، ولم يحصل على أي رعاية منذ وصوله إلى المخيم.
وقال ناصر إن لحظة الهروب كانت مليئة بالخوف والفوضى:
“كان الناس يركضون في كل اتجاه. كنت خائفًا من أن أُقتل أو أن أُجبر على الانضمام إلى المتمردين، لذلك هربنا”.
وأضاف: “نحن أحياء، لكننا لا نعرف ماذا سيحدث غدًا”.
أزمة إنسانية تتفاقم على حدود السودان
لم تعلن السلطات حصيلة رسمية لضحايا اشتباكات أم دافوك، لكن الفارين تحدثوا عن إطلاق نار كثيف وحرائق وسقوط أشخاص أثناء محاولتهم الفرار.
وقالت المحكمة الجنائية الخاصة في جمهورية أفريقيا الوسطى إنها بدأت تقييمًا أوليًا تمهيدًا لاحتمال فتح تحقيق في الهجوم.
وتأتي هذه التطورات في وقت تستضيف فيه مدينة بيراو أصلًا نحو 22 ألف لاجئ سوداني قبل وصول موجة النازحين الجدد.
وحذر ممثل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جمهورية أفريقيا الوسطى، ويليام شيمالي، من خطورة الوضع، قائلًا إن النازحين بحاجة إلى المأوى والغذاء والأدوية.
وأكد أن عودة الهدوء إلى المنطقة تبقى الحل الأهم لتجنب استمرار المخاطر على المدنيين.
الأمن لا يكفي دون مساعدات
بعد الهجوم، عززت السلطات وجودها الأمني في بيراو بدعم من بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية أفريقيا الوسطى.
ويقول حسن إن الوجود العسكري يمنح بعض الطمأنينة، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية.
وأضاف: “نحتاج إلى الرعاية والطعام ومكان يعيش فيه أطفالنا”.
وأكد حاكم الإقليم تييري إيفاريست بينغيندجي، بعد زيارته أم دافوك، أن المعارك خلفت دمارًا كبيرًا، لكنه أشار إلى أن المدينة أصبحت آمنة وأن الحكومة تواصل نشر قواتها في المناطق الحدودية.
وبينما يحتضن حسن طفله المريض الذي فتح عينيه للحظات قبل أن يعود للنوم، يلخص معاناة آلاف النازحين بكلمات بسيطة:
“لقد نجونا من القتال… والآن نأمل فقط أن نصمد حتى تصل المساعدة”.
وكالات





اترك تعليقاً