بعد مرور تسع سنوات على النزوح الجماعي للروهينجا من ولاية راخين في ميانمار إلى بنغلاديش، ما تزال قضية إعادتهم إلى وطنهم تراوح مكانها. فرغم الاتفاقات المتكررة والمباحثات الثنائية والضغوط الدولية، لم تتحقق عودة واسعة وآمنة وطوعية للاجئين، بينما يعيش أكثر من مليون شخص في مخيمات مكتظة يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء.
أزمة بدأت في 2017
اندلعت موجة النزوح الأكبر في أغسطس/آب 2017 عقب حملة عسكرية شنها جيش ميانمار في ولاية راخين، دفعت مئات الآلاف من الروهينجا إلى الفرار نحو بنغلاديش. وقد وصفت الأمم المتحدة تلك الأحداث بأنها تحمل سمات “التطهير العرقي”، بينما وثقت تقارير دولية انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين.
ومنذ ذلك الحين، استقرت الغالبية العظمى من اللاجئين في مخيمات منطقة كوكس بازار جنوب شرقي بنغلاديش، التي أصبحت تضم أكبر تجمع للاجئين في العالم. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن أكثر من 1.2 مليون من الروهينجا ما يزالون بحاجة إلى مساعدات إنسانية مستمرة.
لماذا فشلت محاولات الإعادة؟
يرى تقرير ذي ديبلومات أن تعثر الإعادة لا يعود إلى غياب الاتفاقات فقط، بل إلى غياب الشروط الأساسية التي تجعل العودة ممكنة ومستدامة.
- غياب الضمانات الأمنية
اللاجئون الروهينجا يرفضون العودة إلى مناطق لا يشعرون فيها بالأمان. فالكثير منهم يخشى تكرار الانتهاكات التي تعرض لها في السابق، خصوصًا في ظل استمرار الصراع وعدم وجود ضمانات دولية فعالة لحمايتهم.
- انعدام الحقوق والمواطنة
يُعد هذا العامل من أبرز أسباب الجمود. فالروهينجا حُرموا من الجنسية بموجب قانون المواطنة في ميانمار لعام 1982، ما جعلهم فعليًا عديمي الجنسية. ولذلك يطالب اللاجئون بالاعتراف بهم كمواطنين وضمان حقوقهم الأساسية قبل أي عودة.
- تغير السيطرة في ولاية راخين
ازدادت الأزمة تعقيدًا بعد اتساع رقعة الحرب الأهلية في ميانمار. فبعض المناطق التي يُفترض أن يعود إليها الروهينجا لم تعد تحت سيطرة الحكومة المركزية بالكامل، بل تشهد نفوذًا متزايدًا لجماعات مسلحة، ما يجعل تنفيذ أي خطة إعادة أمرًا بالغ الصعوبة.
- اتفاقات بلا تنفيذ
وقعت بنغلاديش وميانمار اتفاقًا لإعادة اللاجئين في عام 2017، ثم جرت محاولات جديدة في عامي 2018 و2019. إلا أن تلك المحاولات فشلت لأن اللاجئين رفضوا العودة في غياب شروط الأمان والحقوق.
وفي عام 2025 أعلنت بنغلاديش أن ميانمار أكدت أهلية نحو 180 ألف لاجئ للعودة ضمن دفعة أولى، مع استمرار التحقق من أسماء أخرى. غير أن هذا الإعلان لم يتحول إلى عودة فعلية واسعة، كما أن كثيرًا من اللاجئين اعتبروا الخطوة غير كافية ما لم تشمل جميع الروهينجا وتضمن لهم المواطنة والكرامة.
حياة معلقة في المخيمات
تصف ذي ديبلومات واقع الروهينجا بأنه “حياة في المجهول”. فالأجيال الجديدة وُلدت ونشأت داخل المخيمات، دون أفق واضح للتعليم أو العمل أو الاستقرار الدائم.
وتواجه المخيمات تحديات متزايدة، منها:
- الاكتظاظ الشديد وضعف البنية التحتية.
- تراجع التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية.
- محدودية فرص التعليم والعمل للشباب.
- مخاطر أمنية واجتماعية داخل المخيمات.
- اعتماد شبه كامل على المساعدات الخارجية.
وبينما تؤكد بنغلاديش أنها لا تستطيع تحمل العبء إلى ما لا نهاية، فإن المجتمع الدولي لم ينجح حتى الآن في إيجاد حل دائم للأزمة.
ما الذي يطالب به الروهينجا؟
بحسب شهادات متكررة للاجئين، فإن مطلبهم الأساسي ليس البقاء في بنغلاديش، بل العودة إلى وطنهم بشروط تحفظ كرامتهم وحقوقهم.
وتتلخص هذه الشروط في:
- الاعتراف الرسمي بهم كمواطنين في ميانمار.
- ضمان الأمن وعدم التعرض للاضطهاد.
- استعادة الأراضي والممتلكات التي فقدوها.
- حرية الحركة والوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل.
- وجود مراقبة أو ضمانات دولية لعملية العودة.
هل هناك أمل في الحل؟
يشير التقرير إلى أن أي تقدم حقيقي يتطلب معالجة جذور الأزمة داخل ميانمار، وليس الاكتفاء بترتيبات لوجستية لإعادة اللاجئين.
فمن دون إصلاح قانون المواطنة، وتحسين الوضع الأمني في ولاية راخين، وضمان الحقوق الأساسية للروهينجا، ستظل خطط الإعادة مجرد مبادرات معلنة يصعب تنفيذها على أرض الواقع.
وهكذا، بعد تسع سنوات من النزوح، ما يزال الروهينجا يعيشون بين خيارين قاسيين: البقاء في مخيمات اللجوء دون مستقبل واضح، أو العودة إلى وطن لا تتوافر فيه بعد شروط الأمان والحقوق.
ولهذا فإن أزمة الروهينجا لم تعد مجرد قضية إنسانية مؤقتة، بل أصبحت اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على إيجاد حل عادل ومستدام لشعب حُرم من الجنسية والوطن والاستقرار.





اترك تعليقاً