بعدما فككنا الجذور الفلسفية اللاهوتية الكامنة وراء صناعة القداسة للمؤسسات السياسية المعاصرة، ورأينا كيف ألبس الاستبداد العربي أجهزته الإدارية جلباب “الجسد المعصوم” المستورد من القرون الوسطى المسيحية في مقال “جينوم “إهانة المؤسسات”.. كيف استورد الاستبداد العربي لاهوت الإقطاع النصراني؟“؛ نقف اليوم أمام السؤال الحتمي التالي: كيف تحولت هذه الفلسفة العتيقة إلى نصوص صلبة، وبنود جنائية، وزنازين واقعية تحاكم الكلمة والتدوينة في عالمنا العربي؟
الجواب لا يكمن في فقهنا، ولا في أصالة هويتنا، بل في “حقائب المستعمر”. وهنا تجب إزالة اللبس؛ فالأنظمة العربية المعاصرة لم تتبنَّ هذه النصوص من باب التبعية الجاهلة أو السذاجة التشريعية، بل مارست “فرزاً براغماتياً خبيثاً”؛ إذ جعلت من القانون الاستعماري “مادة طيِّعة تفصلها على مقاس بقائها”، فبترت منه كل كوابح الحقوق والحريات، بينما التقطت بعناية كل ما يضمن تركيع الشعوب وضبطها.
لقد وجد الاستبداد المحلي ضالته في ترسانة فرنسية الصنع، صُمِّمت أصلاً لقمع أبناء المستعمرات، فأعادت الأنظمة تدويرها ببراغماتية مطلقة لخدمة وجودها. فالتفتيش في هذا الجينوم القانوني يعيدنا مباشرة إلى المصنع الأصلي: باريس عام 1298هـ (1881م).
من كواليس باريس 1298هـ (1881م): التزوير القانوني للذات الملكية
بسبر أغوار أرشيف القانون الفرنسي خاصة لحظة مخاضه، واضعين قانون العقوبات المعاصر فوق المشرحة، سنكتشف الكواليس السياسية المقيتة التي طُبخت فيها تهمة “إهانة المؤسسات الدستورية”.
ففي عام 1881، قامت النخبة الحاكمة لفرنسا بأكبر عملية سطو وتزوير للمفاهيم في التاريخ التشريعي لحظة سقوطها في فخ رعب بنيوي من انهيار سلطتها الناشئة بعدما كانوا يتبجحون بتأسيس جمهورية حديثة تدعي القطيعة مع الاستبداد الملكي وسلطة الكنيسة.
بإيجاز شديد، جرى سحب جريمة “إصابة الذات الملكية” (Lèse-majesté) العتيقة التي كانت تحمي قداسة الملوك من قواميس القرون الوسطى، وأُزيلت عنها الكسوة الدينية الغابرة، ليُعاد تدويرها بمكياج جمهوري عصري سُمّي “إهانة رئيس الجمهورية والمؤسسات” (Délit d’offense).
لكن المعضلة الكبرى لهذا التزوير المفاهيمي ظهرت بعد تمديد هذه الجينات القمعية وتصديرها إلى المستعمرات، وفي قلبها شمال إفريقيا. فالكوابح السياسية والحقوقية التي واجهت هذه النصوص داخل فرنسا آنذاك، غابت عنها بمجرد عبورها البحر.
هنالك، في أراضي الشعوب المُستعمرة، استُخدمت بنود “الإهانة” لصناعة ظهائر وقرارات جنائية استثنائية بالغة القسوة؛ والسبب لم يكن حماية روح القانون، بل لأن المستعمر كان يعلم علم اليقين أن شرعيته وهيبته “موهومة” وقائمة حصراً على الخوف والتركيع.
وهكذا تحول “النيل من الاحترام الواجب للسلطة” إلى سيف مسلط على رقاب المقاومين، والكتاب الأحرار، وصحف الحركة الوطنية لحماية آلة الضبط الاستعماري.
المفارقة الصارمة: صانع البضاعة يُتلفها والعرب متمسكون بالخردة
في 1434هـ (مارس 2013م)، قررت فرنسا رسمياً إلغاء القانون المُجَرِّم لـ “إهانة رئيس الجمهورية” وتطهير ترسانتها من هذا الإرث العتيق.
هذا التراجع لم يكن صحوة ضمير مفاجئة، بل جاء إثر “صفعة قانونية” غليظة تلقتها باريس من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في القضية الشهيرة للناشط الفرنسي “هيرفي إيون” (Hervé Eon) (رقم الطلب: 26118/10).
القصة ببساطة، أن هذا الناشط رفع لافتة صغيرة في وجه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي مكتوباً عليها جملة: (Casse-toi, pauv’ con / انصرف أيها الغبي البائس)، وهي نفس الجملة الشارعة الفظة التي كان ساركوزي نفسه قد وجهها سابقاً لمواطن في معرض فلاحي رَفَض مصافحته. حوكم الناشط بتهمة “إهانة الرئيس”، لكن محكمة ستراسبورغ أصدرت حكماً تاريخياً اعتبرت فيه أن إدانة المواطن جنائياً هي خرق سافر لحرية التعبير، وأن الشخصيات السياسية والمؤسسات يجب أن تتسع صدورها للنقد، ولو كان لاذعاً أو صادماً أو ساخراً.
وبهذا نكون وصلنا لمنعطف تاريخي يبين أن التبعية التشريعية تكون فقط في ما يشق على المواطن لا في ما يفك قيده، فحينما استوعب صانع البضاعة الأصلي أن هذه النصوص جريمة أخلاقية وقانونية وجب إتلافها، حدث العكس تماماً في العواصم العربية؛ إذ أبقت عليها وعلى غيرها مُصرّة على إبقاء الشعوب في حالة استعمارية مستمرة رغم انتهائها ظاهرياً، فتلحفت كتيبات التعليمات القمعية بآليات النسخ واللصق؛ بل وعمدت إلى تمديدها وتوسيع فصولها لتتلون حسب الحاجة بأسماء وماركات محلية مختلفة:
- في المغرب: الفصول 263 و265 من القانون الجنائي (إهانة الهيئات والمؤسسات الدستورية والموظفين العموميين).
- في تونس: الفصل 67 من المجلة الجزائية (إهانة رئيس الجمهورية) ومعه الفصل 125 (إهانة موظف عمومي).
- في مصر: المادة 184 من قانون العقوبات (إهانة مجلس النواب أو مؤسسات الدولة أو الجيش).
- وفي الخليج والأردن: تهم فضفاضة من قبيل “إطالة اللسان” في الأردن، أو “الطعن في الحقوق والرموز” في الكويت.
إن هذا التفكيك التاريخي والمقارن يضع الأنظمة العربية المعاصرة في موقف محرج أمام التاريخ؛ فهي من جهة تدعونا كل سنة للاحتفال بـ “أعياد الاستقلال” وتملأ الدنيا صخباً بشعارات “السيادة الوطنية”، لكنها من جهة أخرى، تُصِرُّ على إبقائنا في حالة استعمارية مستمرة؛ إذ لا زالت تعتقل شبابها وصحفييها بسياط قانونية صُنعت في ورشات باريس عام 1298هـ (1881م)، وألغتها فرنسا بيدها عام 1434هـ (2013م).
لقد حان الوقت ليدرك الوعي الجمعي أن “هيبة المؤسسات” التي يجلدوننا باسمها، ليست أصالة ولا ثوابت، بل هي مجرد “تركة مستعمر” ورثها الاستبداد ليتغطى بها.
ولكن، إذا كان هذا الجينوم القانوني لقيطاً ومستورداً من مخلفات استعمارية قديمة، فبأي منطق حقوقي أو عقلي يستقيم اتهام مواطن بجرح مشاعر “إدارة”؟
هذا ما سنناقشه ونفصّله في الجزء القادم من هذه السلسلة.






اترك تعليقاً