خيام غزة.. ملاجئ أم أفران تلتهم أجساد ساكنيها!

photo 5978656848007073273 y

لم تعد الخيمة في غزة مرادفًا للنجاة، كما كانت تُعرف في ذاكرة اللجوء الفلسطيني. بل تحولت، في كثير من الأحيان، إلى مكان يختلط فيه الخوف بالنار، والبرد باللهيب، واللجوء بالموت.

هرب آلاف العائلات من بيوتهم تحت القصف بحثًا عن مأوى يحميهم، فوجدوا أنفسهم في خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ولا تصمد أمام شظايا القذائف أو الحرائق التي كثيرًا ما تندلع بعد الغارات. وبينما يُفترض أن تكون الخيمة ملاذًا أخيرًا، أصبحت في نظر كثير من الغزيين مصيدة مفتوحة، لا يعرف ساكنها إن كان سيخرج منها حيًا أم سيغادرها شهيدًا.

وتشير تقارير أممية إلى أن أعدادًا كبيرة من النازحين ما زالت تعيش في خيام مكتظة أو مبانٍ متضررة وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية واستمرار المخاطر الأمنية.

في غزة اليوم، لا يسأل الناس: أين ننام؟ بل يسألون: هل سنستيقظ غدًا؟ فالمشهد يتكرر؛ خيام تحترق، وأطفال يفرون من ألسنة اللهب، وأمهات يبحثن بين الركام عن فلذات أكبادهن. وما يزيد المأساة أن كثيرًا من مواقع النزوح نفسها تعرضت للقصف، ما أدى إلى سقوط ضحايا واندلاع حرائق في الخيام.

وليس الخطر وحده ما يطارد النازحين، فالحياة داخل المخيمات أصبحت معركة يومية مع الجوع، والعطش، والأمراض، وتكدس النفايات، وانعدام أبسط مقومات العيش الكريم. الخيمة التي أقيمت لأيام امتدت شهورًا طويلة، وتحولت إلى عنوان لحياة معلقة بين النزوح والانتظار، في ظل ظروف إنسانية توصف بأنها من بين الأسوأ منذ سنوات.

كما لا تقف معاناة سكان الخيام عند الخوف من القصف أو الحرائق، بل تمتد إلى قسوة الصيف اللاهب. فدرجات الحرارة المرتفعة تحول الخيام المصنوعة من النايلون والقماش إلى ما يشبه الأفران المغلقة، بينما تغيب الكهرباء وتنعدم وسائل التبريد، فيقضي الأطفال وكبار السن والمرضى ساعات طويلة تحت حرارة خانقة لا تترك لهم متنفسًا. ويزيد شح المياه من قسوة المشهد، لتصبح أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كالنوم أو الراحة أو الحصول على كوب ماء بارد، أمنية بعيدة المنال.

لم تعد الخيام مجرد مأوى مؤقت، بل أضحت أفرانًا تلتهم أجساد ساكنيها؛ نارٌ من السماء، ولهيبٌ من الأرض، وحرارةٌ لا يخففها تيار كهربائي ولا نسمة هواء، فيما يقف آلاف النازحين عاجزين أمام صيف قاسٍ يضاعف معاناتهم يومًا بعد يوم.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: كم بقي من الخيام؟ بل: كم من الأرواح يمكن أن تتحمل هذا الواقع؟ فحين تصبح الخيمة، التي يفترض أن تحمي الإنسان، مكانًا يهدد حياته في كل لحظة، فإن المأساة تكون قد تجاوزت حدود الوصف.

غزة اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الخيام، بل إلى الأمان… إلى مكان لا يتحول فيه سقف القماش إلى شرارة نار، ولا يصبح اللجوء طريقًا آخر إلى الموت.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *