جينوم “إهانة المؤسسات”.. كيف استورد الاستبداد العربي لاهوت الإقطاع النصراني؟

e25c59bd 976d 4c44 89f6 ccaeca7585de

يفترض المنطق الإنساني البديهي أن حركة التاريخ تسير في خط تصاعدي نحو الأمام، وأن جوهر “التطور” يكمن في قدرة المجتمعات على مراجعة إرثها وتجاربها، لتختار عبر السنين ما يضمن كرامة الإنسان ويحرر وعيه.

لكن، في مفارقة عجيبة نجد أنفسنا اليوم أمام “حداثة مقلوبة”؛ حداثة تدعي الأنظمة السياسية المعاصرة تبنيها، لكنها كلما واجهت نقداً مجتمعياً، ارتدت نكوصاً إلى أدبيات الاستبداد القديم.

إننا أمام تطور مشوه، تُستخدم فيه الترسانة القانونية الحديثة ومحاكم القرن الحادي والعشرين لتثبيت قداسة سياسية ولدت في عصور الظلمات.

لاهوت القداسة.. مسحوق تجميلي للاستبداد السياسي

“كل المفاهيم المؤثرة في نظرية الدولة الحديثة، هي مفاهيم لاهوتية تمت علمنتها.”

بهذه الجملة الصادمة والدامغة، لخص الفيلسوف القانوني “كارل شميت” في كتابه “اللاهوت السياسي” اللعبة الخفية التي تتقنها الأنظمة السلطوية. اللعبة ببساطة هي: “المساحيق اللغوية والتجميلية”. فالغرب، حينما خاض ثوراته الكبرى وأطاح بسلطة الكنيسة والملك، لم يتخلص نهائياً من “اللاهوت الإقطاعي”، بل أعاد تدوير نفس المفاهيم المسيحية القديمة وألبسها قناع القانون العصري.

على سبيل المثال: مفهوم “سيادة الدولة المطلقة” في القانون الحديث ليس سوى النسخة المعلمنة من مفهوم “القدرة الإلهية المطلقة”، ومفهوم “حالة الطوارئ” — حيث تُعطل القوانين بجرة قلم — ليس إلا البديل القانوني لـ”المعجزة الإلهية” التي تخرق نواميس الطبيعة.

وبناءً على هذا المنطق، عندما عجزت الأنظمة المعاصرة في عالمنا العربي عن مواجهة شعوبها بخطاب القرون الوسطى، وعن القول بأن الحاكم يحكم بـ “تفويض إلهي”، استوردت هذه الآلية الغربية؛ غيرت الكسوة الدينية بكسوة قانونية بيروقراطية. وهكذا، تحول “الحق الإلهي” القديم إلى مفهوم “المؤسسة الدستورية”، وتحولت “العصمة من الخطأ” إلى “هيبة الدولة”، فيما تحولت تهمة “التكفير والردة” إلى فصول جنائية مطاطية تحاكم المواطنين بتهمة “إهانة رموز ومؤسسات”.

لكن، كيف تشتغل هذه الآلة السحرية في وعي المنظومة؟ هنا نجد المفتاح في أطروحة المؤرخ الفلسفي “إرنست كانتوروفيتش” الشهيرة “الجسدان للملك”.

يروي كانتوروفيتش كيف استقرت في الوعي القانوني القديم فكرة أن الحاكم يملك جسدين; أولهما “جسد طبيعي” يصيب ويخطئ، يمرض ويموت كباقي البشر. وثانيهما “جسد سياسي لاهوتي”، كائن هلامي لا يمكن رؤيته أو لمسه، وُجد لتدبير السياسة وحماية المصلحة العامة، وهذا الجسد بالذات – حسب التعبير التاريخي الذي نقله الكتاب – هو: “جسد خالٍ من العيوب والنواقص، لا يشيخ، ولا يمرض، ولا يموت أبداً”.

هذه الوثنية السياسية العتيقة، التي اعتبرت ذات يوم أن انتقاد السلطة هو طعن في ذلك “الجسد المقدّس والمعصوم”، هي ديدن “الحداثة الانتقائية” اليوم. لقد حذفت الأنظمة العربية كلمة “الملك” من تلك المعادلة القديمة، ودست مكانها كلمة “المؤسسة الدستورية”. وهذا بالضبط ما يفسر السعار الحالي في ملاحقة المدونين والصحفيين بتهم مطاطية؛ فالمنظومة لا تحاكمهم لأنهم انتقدوا تدبيراً إدارياً خاطئاً، بل لأنهم تجرأوا على خدش ذلك “الجسد المعصوم” للمؤسسة.

بينما المنطق السليم يقتضي أن تكون هذه المؤسسات مجرد أدوات وظيفية، ومكاتب بيروقراطية أُنشئت أساساً لخدمة المواطن والقيام على التدبير العام بالعدل. وهنا تظهر المفارقة الصادمة؛ فهذه الرؤية التحررية والمحاسبية ليست ابتكاراً غربياً خالصاً جادت به الفلسفة الحديثة، بل هي في عمقها جوهر الفكر السياسي الذي أسس له الإسلام قبل قرون، يوم أن هدم الوثنية السياسية ونزع القداسة عن الحاكم والمنصب، وجعلهما مجرد مسؤولية تكليفية وعقد اجتماعي خاضع للمساءلة.

لقد قام الوعي المقاصدي في الإسلام على اعتبار السلطة والدولة مجرد “وسيلة إجرائية وأداة مصلحية” وُجدت لإقامة العدل ورعاية الخلق، وليست غاية في حد ذاتها تُقدس أو تُعبد.

لكن الاستبداد المعاصر آثر أن يتنكر لهذا الإرث التحرري النقي، واختار بدلاً من ذلك استيراد أسوأ ما في لاهوت الإقطاع الغربي، ليلبس مؤسساتنا ذلك “الجسد الثاني المعصوم”، محولاً إياها إلى أصنام قانونية تُعبد بنصوص صماء. الإسلام..

الثورة الأولى على الوثنية السياسية

ففي الوقت الذي كانت فيه شعوب الأرض ترزح تحت وطأة الأباطرة والملوك الذين يدّعون الحصانة الإلهية، وقبل قرون من ولادة نظريات “الجسد المقدس” في أوروبا الإقطاعية، كان الإسلام قد أحدث أضخم ثورة عقلانية وحداثية على “الوثنية السياسية”، يوم أن نزع القداسة بالكامل عن الكرسي وعن صاحبه.

لم يعرف الإسلام في أصوله السياسية شيئاً اسمه “عصمة المؤسسة” أو “قداسة المنصب”، بل أسس لوعي دستوري سابق لعصره ينظر إلى السلطة باعتبارها “عقداً مدنياً وتكليفياً” خالصاً، المسؤول فيه ليس سوى وكيل أو نائب لتدبير الشأن العام، ويخضع لشروط المحاسبة والمساءلة. بل إن الإسلام ذهب إلى أبعد من ذلك، وحوّل انتقاد السلطة وتقويم اعوجاجها من مجرد “حق للمواطن” إلى طاقة دفع مجتمعية واجبة وفرض أمانة.

ولم تكن هذه المفاهيم مجرد نظريات حبر على ورق، بل تجسدت في ممارسات سياسية حية صدمت وعي ذلك الزمان. فعندما يقف الخليفة الأول أبو بكر الصديق في خطابه التأسيسي ليعلن: “إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني”، فنحن هنا لسنا أمام طقوس لاهوتية، بل أمام أدبيات سياسية صارمة تنفي القداسة عن البشر والمؤسسات. لم يُحرك الإسلام يومها جهازاً قضائياً، ولم يفتح زنازين بتهمة “إهانة الرموز”، بل اعتبر ذلك التقويم علامة صحة وحرية.

إن هذه المفارقة تكشف حجم النكوص الفكري الذي نعيشه؛ فبينما كان الإسلام منذ القرن السابع ميلادي يرسخ لثقافة “قوّموني”، تحاول القوانين الحالية صناعة “أصنام بيروقراطية” لا يأتِيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، متبرئة بذلك من روح الحداثة الحقيقية، ومن الإرث التحرري السامي للدين الذي تدّعي حمايته.

لكن، كيف نجح المشرع العربي في إعادة إنتاج “نظرية الجسد المعصوم” وتثبيتها في المشهد المعاصر من خلال نصوص وبنود جنائية مطاطية؟ وكيف تحول الإرث الاستعماري إلى حصن ودرع للاستبداد؟ هذا ما سنفككه بالتفصيل في الجزء القادم من هذه السلسلة.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *