مصدر مطلع في الاستخبارات المغربية يكشف عن استخدام واسع النطاق لبرنامج القرصنة “الإسرائيلي بيغاسوس”

2750

كشف مُبلِّغ عن المخالفات أن أجهزة الأمن الداخلي استخدمت برنامج التجسس هذا منذ عام 1438 هـ (عام 2017) لاستهداف شخصيات مهمة، سواء داخل البلاد أو خارجها.

ساهم عضو سابق في جهاز الاستخبارات الداخلية المغربي في تقديم معلومات غير مسبوقة حول كيفية استخدام الدولة الواقعة في شمال أفريقيا لبرمجيات القرصنة – بما في ذلك برنامج التجسس “بيغاسوس” (Pegasus) – لاستهداف صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وسياسيين فرنسيين، فضلاً عن وزراء في الحكومة الإسبانية وضباط شرطة.

يتيح برنامج “بيغاسوس” – الذي تنتجه شركة “إن إس أو غروب” (NSO Group) ومقرها الاحتلال الإسرائيلي – لمشغله الوصول إلى كافة محتويات الهاتف المحمول الخاص بالشخص المستهدف، بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية والصور. كما يمكن للبرنامج تفعيل الميكروفون والكاميرا في الهاتف، مما يحوله إلى أداة للتنصت.

ورغم إدعاء شركة “إن إس أو غروب” أن برنامج “بيغاسوس” يُباع حصرياً للحكومات لمساعدتها في تتبع المجرمين والإرهابيين، إلا أن هناك معلومات تأكد وتفيد باستخدامه من قبل عدة دول لاستهداف المعارضين والصحفيين والدبلوماسيين والسياسيين.

لطالما نفى المغرب استخدام “بيغاسوس” لاستهداف منتقديه في الداخل أو الخارج، كما ادعى أن الصحفيين الذين أجروا تحقيقات حول شركة “إن إس أو غروب” كانوا “عاجزين عن إثبات وجود أي علاقة” تربط البلاد بالشركة.

ومع ذلك، تشير أدلة قدمها مُبلِّغ عن المخالفات -عمل لدى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) في المغرب لما يقرب من عقد من الزمان- إلى أن أجهزة الأمن الداخلي في البلاد بدأت باستخدام برنامج “بيغاسوس” (Pegasus) عام 1438 هـ (عام 2017)، وواصلت استخدامه ضد أهداف محلية وأجنبية على مدار أربع سنوات.

وتُشكّل شهادة هذا المصدر -الذي عُرف بالاسم المستعار “سفير”- أساساً لتحقيق استمر لسنوات أجراه الصحفي المغربي هشام المنصوري، وأفضى إلى تحقيق مشترك بين عدة مؤسسات إعلامية، بدعم فني من “مختبر الأمن” التابع لمنظمة العفو الدولية.

كما قام التحالف -الذي نسّقته منظمة “قصص محظورة” (Forbidden Stories) ويضم 14 مؤسسة إعلامية، منها “لوموند” و”هآرتس” و”إل كونفيدنسيال” و”دي تسايت” و”الغارديان”- بتحليل مواد تفصّل ممارسات المراقبة المغربية؛ بدءاً من رسائل البريد الإلكتروني المسربة وسجلات الاستهداف المتعلقة ببرنامج “بيغاسوس” وبرمجيات تجسس أخرى، ووصولاً إلى شهادات الضحايا ومواد التدريب الداخلية. وقد قدم عميلان سابقان آخران في الاستخبارات المغربية معلومات وأكدا صحة الوقائع؛ إذ تتعزز شهادة “سفير” بمواد مسربة، بما في ذلك مجموعة بيانات “مشروع بيغاسوس” التي خضعت لتحليل جنائي رقمي من قبل “مختبر الأمن” التابع لمنظمة العفو الدولية.

ووفقاً للمعلومات التي جمعها التحالف، قدم ممثلو شركة “إن إس أو” عرضاً توضيحياً مطولاً ومفصلاً لتقنيات جديدة -بما في ذلك “بيغاسوس”- لمسؤولين كبار في الاستخبارات المغربية وخبراء تقنيين، وذلك في فيلا باهظة الثمن بالرباط عام 1438 هـ(عام 2017). وذكر المصدر أن المنزل كان يُعرف باسم “فيلا FSSYS” نسبةً إلى شركة “FSSYS Maroc” -التي كانت آنذاك الفرع المغربي لشركة “الفهد” (al-Fahad) الإماراتية الوسيطة في مجال المراقبة- حيث كانت الشركة تستخدم العقار بشكل متكرر لمثل هذه العروض التوضيحية.

وتشير المعطيات إلى أن المجتمعين لحضور العرض أدركوا على الفور الإمكانات “الثورية” لبرنامج “بيغاسوس”؛ إذ أن قدرته على الاختراق عن بُعد تعني أنهم لن يعودوا بحاجة إلى الوصول المادي المباشر إلى الهواتف المحمولة الخاصة بأهدافهم. وأثناء العرض، قام ممثلو “إن إس أو” باختراق عدد من الهواتف التجريبية، حيث قاموا بتفعيل الكاميرات وتشغيل الميكروفونات والوصول إلى البيانات والرسائل عن بُعد.وألمح المُبلِّغ عن المخالفات إلى أن برنامج التجسس -الذي تبلغ تكلفته مبالغ طائلة- كان هدية من دولة الإمارات العربية المتحدة. وقال “سفير”: “الملايين بالنسبة للإماراتيين لا تعني شيئاً؛ فقد اشترت الإمارات البرنامج وأعادت توزيعه على أجهزة استخبارات صديقة. يمكن القول إنه يشبه خدمة ’نتفليكس‘: يدفع صديقٌ ما ثمن الاشتراك، بينما يستخدم الآخرون حسابه”. قبل أن تعتمد المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) برنامج “بيغاسوس”، كان الجهاز يعتمد على مزيج من أساليب الاستخبارات البشرية التقليدية، مثل استهداف أجهزة الكمبيوتر في مقاهي الإنترنت، بل وحتى إقناع أصحاب المتاجر ببيع هواتف محمولة للمعارضين تكون محملة مسبقاً ببرمجيات تجسس أخرى. ووفقاً لما ذكره “سفير”، لم يكن يُلجأ إلى برنامج التجسس الجديد -باهظ التكلفة- إلا لاستهداف شخصيات ذات أهمية بالغة، وذلك بعد استنفاد كافة الخيارات الأقل تكلفة والأقل تطوراً.

يقولون: “نحن لا نبدأ أبداً باستخدام بيغاسوس؛ إنه سلاح الوحش.

تكشف الأدلة التي جُمعت لصالح التحقيق الصحفي -المعنون “مشروع بيغاسوس: داخل آلة التجسس المغربية”- أن أربعة أرقام هواتف محمولة مغربية محددة قد اختيرت كأهداف لبرنامج “بيغاسوس” في ذي الحجة 1438 هـ (سبتمبر 2017)، وذلك على ما يبدو لاختبار النظام الناشئ في المغرب. وشملت هذه الأرقام خطوطاً مرتبطة باثنين من موظفي المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، حيث أُدخلت تلك الأرقام -على ما يبدو- بهدف تقييم قدرات برنامج التجسس.

وتُظهر قاعدة البيانات المُسرَّبة -التي كانت محور تحقيق سابق ضمن “مشروع بيغاسوس”- أن إدخال أرقام هواتف صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان مغاربة إلى نظام “بيغاسوس” قد بدأ في الشهر نفسه، أي ذي الحجة 1438 هـ (سبتمبر 2017). وسرعان ما بدأت عمليات الاستهداف تتجاوز حدود المغرب.

وقد تضمنت قاعدة البيانات المُسرَّبة رقماً إسبانياً يعود لأمينتو حيدر، وهي ناشطة بارزة في مجال حقوق الإنسان من الصحراء الغربية، حيث تبيّن أنها كانت هدفاً لبرنامج “بيغاسوس” منذ عام 1439 هـ (عام 2018). كما عُثر على آثار لبرنامج التجسس ذاته في هاتف ثانٍ يخص حيدر في ربيع الأول 1443هـ (نوفمبر 2021). وفي الوقت نفسه، أُدرج رقم هاتف إسباني خاص بالصحفي إغناسيو سيمبريرو -الذي يركز عمله على منطقة المغرب العربي- ضمن قاعدة بيانات “مشروع بيغاسوس”..

بشكل عام، تُظهر سجلات “مشروع بيغاسوس” (Pegasus project) أنه تم اختيار أكثر من 200 رقم هاتف محمول إسباني لاستهدافها ببرنامج “بيغاسوس” من قِبَل المستخدم الذي يُعتقد أنه المغرب. وفي رمضان 1443 هـ (مايو 2022)، كشفت الحكومة الإسبانية أن الهواتف المحمولة لكل من رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ووزيرة الدفاع مارغريتا روبلز قد أُصيبت ببرنامج التجسس “بيغاسوس” خلال شهري رمضان و شوال من عام 1442 هـ (مايو ويونيو من عام 2021).

وجاءت عملية الاستهداف في وقت كانت فيه مدريد والرباط غارقتين في خلاف دبلوماسي متوتر؛ بسبب قرار إسبانيا السماح لزعيم جبهة البوليساريو -التي ناضلت طويلاً من أجل استقلال الصحراء الغربية عن المغرب- بتلقي العلاج من فيروس كوفيد-19 في مستشفى بشمال إسبانيا.

وتبين لاحقاً أن هواتف وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا ووزير الزراعة لويس بلاناس قد استُهدفت أيضاً.

وقد باءت بالفشل المحاولات القضائية المتكررة لكشف حقيقة استخدام “بيغاسوس” لاستهداف أعضاء الحكومة الإسبانية. وكان قاضي التحقيق قد أنهى التحقيق في البداية في ذي الحجة 1444 هـ (يوليو 2023)، لكنه أعاد فتحه بعد بضعة أشهر عقب تقديم السلطات الفرنسية معلومات حول استخدام “بيغاسوس” لاختراق الهواتف المحمولة لوزراء ونواب ومحامين وصحفيين فرنسيين.

غير أنه علّق التحقيق مجدداً في شهر ذي الحجة الماضي (يناير من هذا العام)، مشيراً إلى غياب مستمر للتعاون من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي -بما في ذلك عدم الرد على طلبه الحصول على إفادة من الرئيس التنفيذي لشركة “إن إس أو” – وهو ما اعتبره انتهاكاً لـ “مبدأ حسن النية” بين الدول.

ومع ذلك، تشير تحليلات حديثة إلى مسؤولية المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) المغربية عن استهداف كبار السياسيين الإسبان. وتُظهر المواد التي جمعها “مشروع بيغاسوس” -بما في ذلك وثائق قضائية- أن أحد حسابات المهاجمين المخصصة لنظام “بيغاسوس” التابع للمغرب، والذي استُخدم لاستهداف سياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان في فرنسا، قد استُخدم أيضاً لاستهداف هاتفي روبلز وغراندي-مارلاسكا.

ورغم الشكوك حول احتمال ارتباط المغرب بعمليات استهداف السياسيين الإسبان ببرنامج “بيغاسوس”، فقد منح غراندي-مارلاسكا في العام الماضي عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST)، أرفع وسام تمنحه “الحرس المدني” الإسباني (Guardia Civil)، وهي قوة أمنية تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع معاً. لم تلقَ هذه الخطوة قبولاً لدى إحدى نقابات “الحرس المدني” (Guardia Civil)، التي رأت أن منح الجائزة “لرجل واجه اتهامات دولية بانتهاك حقوق الإنسان والتجسس” يُعد إهانة لكرامة ضباط الجهاز.

والأكثر إدانةً هو أن وثائق وصوراً وشهادات مسرّبة -صادرة عن قوات أمن إسبانية وعن عميل سابق في الاستخبارات المغربية- تشير إلى أن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) استخدمت خبرتها التقنية لمحاولة الوصول إلى اتصالات ضباط من “الحرس المدني” كانوا كما يدعون قد سافروا إلى المغرب لتبادل خبراتهم في مجال مكافحة الإرهاب.

وقد ظهر رقم الهاتف الشخصي لأحد كبار ضباط “الحرس المدني” خمس مرات في قائمة الأهداف المختارة للمراقبة عبر برنامج “بيغاسوس” من قِبل المستخدم النهائي الذي يُعتقد أنه المغرب.

وفي هذا السياق، صرّح ضابط سابق في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) للائتلاف الصحفي قائلاً: “نحن نتجسس على الجميع”، مضيفاً أن عمليات المراقبة الموجهة هذه كانت تُنفَّذ “من باب الاحتياط”. ومن جانبه، وصف مسؤول رفيع المستوى في “الحرس المدني” الكشف عن عمليات التجسس التي طالت جهازه بأنها “خيانة”.

على الرغم من أن ضباطاً من جهاز إنفاذ القانون الوطني الآخر في إسبانيا، وهو “الشرطة الوطنية” (Policía Nacional)، يتبعون تدابير احترازية صارمة عند السفر إلى المغرب – بما في ذلك استخدام أجهزة محمولة منفصلة للتعامل مع المعلومات الحساسة – إلا أن عناصر “الحرس المدني” (Guardia Civil) لم يعتقدوا أن مثل هذه الاحتياطات ضرورية عند التعاون مع حليف.

وقال ضابط استخبارات رفيع المستوى في الحرس المدني: “لم نقم بذلك لأننا لم نشك في أننا قد نتعرض للتجسس”.

وظهرت أدلة إضافية على استخدام المغرب لبرنامج “بيغاسوس” (Pegasus) العام الماضي، بعد أن رفعت شركة “ميتا” (Meta) -المالكة لتطبيق “واتساب”- دعوى قضائية ضد مجموعة “إن إس أو” في الولايات المتحدة بتهمة استغلال منصة المراسلة التابعة لها لاستهداف أشخاص. وتتضمن وثيقة عرض تقديمي -كُشف عنها بعد رفع السرية عنها مع حجب بعض المعلومات- قُدمت لمجلس إدارة شركة “كيو سايبر تكنولوجيز” (Q Cyber Technologies) -الشركة الأم لمجموعة “إن إس أو”- في ذي القعدة من 1439 هـ (أوائل أغسطس 2018)، قائمة بأسماء رمزية للمستخدمين النهائيين لبرنامج “بيغاسوس”.

ووفقاً لتقارير نشرتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، يتم تخصيص اسم للدول التي تستخدم “بيغاسوس” بناءً على الحرف الأول من اسم الدولة واسم شركة لتصنيع السيارات؛ فعلى سبيل المثال، كان اسم “سوبارو” (Subaru) يُستخدم سابقاً للإشارة إلى المملكة العربية السعودية. أما الآن، فقد تبيّن أن اسم “مورغان” (Morgan) كان يشير إلى المغرب، وذلك بعد أن أكد موظفون سابقون في “إن إس أو” للائتلاف الصحفي أن المغرب كان مستخدماً نهائياً لبرنامج “بيغاسوس” وعُرف بهذا الاسم الرمزي.

في ربيع الأول من 1443 هـ (نوفمبر 2021)، أُدرجت مجموعة “إن إس أو” في القائمة السوداء الأمريكية بعد أن خلصت إدارة جو بايدن إلى أن الشركة تصرفت “بما يتعارض مع السياسة الخارجية ومصالح الأمن القومي للولايات المتحدة”. وبعد ثلاثة أسابيع، أفادت صحيفة “كالكاليست” (Calcalist) الاقتصادية الإسرائيلية بأن وزارة الدفاع للاحتلال “الإسرائيلي” ادعت بأنها حظرت تصدير تكنولوجيا سيبرانية إسرائيلية إلى عدد من الدول، بما في ذلك المغرب والإمارات العربية المتحدة.

وقد تم التواصل مع كل من مجموعة “إن إس أو”، والحكومة المغربية، وسلطات الإمارات العربية المتحدة، والشركة الأم التابعة للفهد (al-Fahad) للحصول على تعليق منهم حول الموضوع، وكذلك مع الحكومة الإسبانية ووزارات الداخلية والخارجية والدفاع فيها.

ذا غارديان.

Fediverse reactions

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *