الفرانكفونية: سلاح الاستعمار الفرنسي الناعم … مصر أنموذجًا (٥)

p 0002

مدرسة “المير دي ديو” بجاردن سيتي (Mére de dieu) والمعنى أم الرب!

من أوائل الصور التي تقع عينك عليها على موقع المدرسة تمثال ضخم لمن يزعمون أنها مريم عليها السلام داخل قاعة فسيحة فى الكنيسة، تتبعها صور الراهبات العاملات فى المدرسة، ثم صور الخريجات بروب التخرج، ومنهن محجبا! فياحسرة على المسلمات.

هذه المدرسة من أقدم مدارس الراهبات فى مصر إن لم تكن أقدمهن؛ حيث أنشئت منذ 140سنة فى الإسكندرية باقتراح من إحدى صديقات الأسرة المالكة زمن الخديوى توفيق سنة 1880 باستجلاب راهبات (المير دي ديو) من فرنسا إلى مصر لتربية وتثقيف بنات الطبقة الراقية؛ وكانت راهبات المير دي ديو تسمى (راهبات مدارس بنات الأشراف).

وصلت الراهبات إلى الإسكندرية فى يناير 1880، وبدأن زياراتهن الرسمية في اليوم التالي حيث كان أول عمل لهم مقابلتهن للاميرة زبيدة محمد على زوجة جلال باشا التي ابدت رغبتها في مقابلتهن.

ثم توجهن الى الأميرة توحيدة كريمة اسماعيل باشا، وشقيقة نائب الملك توفيق زوجة منصور باشا، وأخيرا ذهبنا لزيارة أرملة نائب الملك سعيد .

وفى مقال مديح تم نشره بجريدة ” لوفارد الكسندرية ” (منارة الإسكندرية) كان هناك إطراء وثناء على الراهبات فى مساء يوم وصولهن: “يرجع الفضل لتوفيق باشا في أن يصبح لمصر مؤسسة تعليمية يعجز القلم عن التحدث عن أعمالها .. إن الأشخاص الذي أتيحت لهم فرصة مقابلة الرئيسة العامة للمؤسسة استطاعوا أن يلتمسوا من أسلوبها الرفيع، وحديثها الشيق فكرة واضحة عن طريقة التربية التي يقدمها معهد راهبات الميردي ديو. إن ذلك يعتبر أملا لمصر في تعليم نسائي كامل وعملي قائم على المبادئ والأخلاقيات والدين.”

كما قامت جريدة اخرى بالقاهرة بامتداح غيره وحمية الراهبات التى كانت تنبأ بنتائج باهرة فى تربية وتعليم الفتيات التى كانت ستسارع عائلات القاهرة بعهد تربيتهن اليها.

فى الواقع، المهمة كانت تربية وتعليم الفتيات التى تنتمى الى صفوة المجتمع من مختلف الجنسيات المقيـمـة بمصر، والمنتـمـيــات الى العائــلات القبطية التى كان يهمها أن تظل بناتها متمسكات بإيمان وعقيدة أجدادهن .

تتضح الأهداف التى من أجلها أنشئت المدرسة فى مصر من موقعها الرسمى على النت: “هذه المؤسسة ستعود بمميزات كثيرة على المجتمع الأوروبى المقيم فى مصر وعلى العائلات المصرية، مما يساعد إلى حد ما على تقدم تأثير الكاثوليك، واسم فرنسا فى مصر، ويساهم فى رفعة المرأة معنويا.”

وجميع هذه الأهداف استعمارية بامتياز:
العمل على رفعة النصارى وزيادة تأثيرهم فى المجتمع المصرى.. رفعة فرنسا… رفعة المرأة، ومعلوم بالطبع ما يكمن خلف هذا الهدف الخبيث من تفلت المرأة المسلمة من تعاليم دينها.

ثم قررت الرئيسة العامة فتح المدرسة الداخلية في اكتوبر من عام 1881، وتم تأسيس الدار بعدد 16 طالبة.

وتحدثت عن هذا الافتتاح جريدة الاسكندرية الصادرة في عام 29 يناير 1881 اوردت مايلي:
“افتتح امس الاول الاحد بيت سيدات اللجيون دونر الذي انشئ في القاهرة تحت رعاية المقام العالمي الخديوي توفيق، واثناء الاحتفال الذي حضره البارون ديرينج وزير فرنسا، ولفيف من السيدات؛ استمتع الحاضرون بسماع قطع موسيقية مختلفة ناجحة جدا”.

فى سبتمبر 1899، تم انشاء ملحق للمدرسة بالقاهرة لفبول بنات الطبقات الكادحة الفقيرة غير القادرة على دفع المصروفات للحصول على التربية والثقافة اللازمة.

وفى 1912 اعتمدت مناهج التعليم المطابقة لمناهج التعليم الابتدائي والثانوي بمدارس باريس.

وسرعان مازاد عدد الطالبات في المدارس بالقاهرة والاسكندرية إلى 70 فتاة كلهن كانوا بإقامة داخلية او نصف داخلية؛ لعدم وجود نظام دراسة خارجية في ذلك الوقت.

وبالإضافة إلى وجود مندوبين رسميين، وأعضاء تحكيم فرنسيين كان هناك زيارات عديدة لشخصيات بارزة للمدارس الكردينال دوبوا، الكردينال تيسيران ومحاضرين مثل فرنسوا فيو ابن اخ لويس فيو الذي جاء ليتحدث عن المرأة الفرنسية.

فى عام 1921 تم نقل المدرسة الى مقرها الحالى بجاردن سيتى، وعدد الطالبات اليوم يتجاوز الألف وثلاثمائة طالبة!

مما يذكر من تاريخ راهبات هذه المدرسة ثقة نابليون بقدراتهن التعليمية والتربوية؛ حيث عـهد فى عام 1809 الى الأم دى ليـزو بادارة المنشآت التى كان ينوى اقامتها لتعليم بنات المحاربين الذين قتلوا فى أرض المعارك.

وكما زرعت هذه النبتة الخبيثة فى أرض للمسلمين برعاية توفيق؛ فلا يزال يتعاهدها ولاة السوء من بعده حتى تؤتى ثمارها حنظلا.

فهذا محافظ الاسكندرية يثنى على المدرسة فى الاحتفال المقام عام 2017 لمرور 137 عاما على احتلالها عقول وقلوب المسلمات قائلا:

”المير دي ديو” تعتبر واحدة من أهم المدارس المؤثرة التي تمثل الإسكندرية بالشكل الصحيح، لما تحتويه من مظهر تاريخي وحضاري وعلمي يضم جميع الثقافات، ولما تقدمه من الثقافة والعلم المستنير الذي يزرع القيم والمثل في نفوس الطلاب.”

ويفتخر بتخريج المدرسة لمسلمات شوهت فطرتهن: “المدرسة تخرج طالبات يعتبرن مصدر فخر لبلدهم”!

وأضاف قائلا: “إن المدرسة تلعب دورا كبيرا في تشكيل شخصية الطالبات؛ لهذا تسعى المحافظة على تشجيع هذا النموذج من المدارس التي تعتبر نموذج إيجابي يحتذى به، ولما تتميز به خريجاتها من رقي في المستوى العلمي والأخلاقي.”

حصول المدرسة على الاعتماد الفرنسي

حصلت المدرسة فى الأعوام القليلة الماضية على شهادة الجودة والاعتماد للتعليم المزدوج الفرنكفوني، لتكون ضمن 157 مدرسة على مستوى العالم حاصلة على هذا الاعتماد، وشهادة الاعتماد هذه “يتم منحها للمدارس التي تساهم في إطار عمليتها التعليمية من خارج فرنسا في نشر اللغة الفرنسية والثقافة” بحسب تصريحات مديرة المدرسة.

وتضيف: “أن هذا الاعتماد خطوة هامة في تاريخ المدرسة، حيث يعتبر اعتراف رسمي من اعتراف السلطات العامة الفرنسية بالمدرسة، وكذلك يتيح فرص تبادل المعرفة والخبرات بين جميع المدارس التي حصلت على هذا الاعتماد.

وتشير إلى أن هذا الاعتماد يمنحه الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية والتنمية الدولية، وذلك بعد عدة مراحل ضمنها أخذ رأي لجنة استشارية وزارية مكونة من مندوبي الوزارة للشؤون الخارجية والتنمية الدولية ووزارة التربية القومية والتعليم العالي والمعهد الفرنسي”!

لجنة كاملة تتحرى المواصفات المثلى لمن يقومون على تحقيق اهداف الفرنكفونية فى بلاد المسلمين؛ فالأمر ليس اعتباطا ولا متروكا لتقديرات العاملين فى مصر؛ بل يتحركون وفق توجيهات ومخططات عليا خارجية تؤكد أننا محتلون من الداخل باسم التعليم الراقى.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *